إذا أردت أن تعرف أي حياة يحياها المصريون، وكيف حالتهم الاجتماعية، فانظر إلى هذه المقاهي الغاصة ومواقعها، وتدبر أمر روَّادها؟ فإن دلالتها الواضحة أنه ليس لنا بيوت، فنحن مشرَّدون في الشوارع.

وقد طوفت في بلاد العرب جميعًا، فما رأيت كمصر في كثرة المقاهي وكثرة الذين يختلفون إليها، ويطيب لهم أن يقضوا الوقت فيها، ويكفي أن أذكر على سبيل المثل ما حدَّثني به ضابط بوليس من أن شارع الأمير فاروق طوله كيلومترين وبه مائتا مقهى!

ولا شك أن لجو البلاد دخلًا في هذا، ولكني أعتقد أن الحياة الاجتماعية هي العامل الأكبر والأقوى.

كان الناس قبل ربع قرن يسمرون في بيوتهم إذا كان فيها سعة، أو مكان منعزل يصلح أن يجتمع فيه الضيوف بمنأى عن النساء — من مثل منظرة، أو «نختبوش»، أو سلاملك — وكان الأوساط من الناس يحرصون على أن يفردوا غرفة للضيوف، أي لاستقبال مَن تَقضي العادات باحتجاب النساء عنهم، وهذه الطبقة المتوسطة التي تضيق مساكنها بالضيوف ولا تحتمل مواردها توالي استقبالهم — مضافة إليها الطبقات الفقيرة — هي التي كانت، وما زالت، تزود المقاهي بالكثرة من روادها.

وقد تغير طراز البناء، وصار المبنى الواحد يتسع لأكثر مما كان يتسع له شارع قديم بأسره، وذهبت «المناظر» وما إليها، فإما أن يحيا الناس حياة اجتماعية جديدة يختلط فيها الرجال والنساء، وإما أن تبقى النساء في البيوت ويخرج الرجال إلى المقاهي.

وهم يخرجون لأسباب ودواعٍ شتى، أهمها أن البيوت مملة، وأن كثرة المصريين لم تتعوَّد أن تقضي وقت الفراغ في رياضة عقلية أو بدنية، ولا تُحسِن توزيع الوقت بين العمل واللهو، فكل وقت فراغ هو وقت لهو، وأين يكون اللهو أو كيف يكون إلا في المقهى؟

فأما أن بيوتنا مملة، فأظن أن القارئ يوافقني على ذلك، فالسواد الأعظم من بيوتنا لا ترى فيه وردة، ولا تتبدى فيه المرأة — في الأغلب — إلا في مباذلها؛ لأنها لا تتأنق إلا للغرباء! أليست قد تزوجت رجلها وانتهى الأمر؟ إنما حاجتها إلى الزينة والتجمل كأنما هي ستخطب من جديد؟ وهبها تجملت فإنها لا تحسن الحديث، ولا تعرف الكلام إلا فيما يعنيها من شئونها وحدها، والرجل ليس خيرًا منها في هذا، وقلما ينتهي حوار بين رجل وامرأته إلا إلى شجار ونقار. وليس في بيوتنا مواعيد للزيارة أو نظام لها؛ لأنَّا لا نعرف قيمة التنظيم ولا نحسنه، وإذا كان في البيت أطفال فلا آخِر للصياح والصراخ والبكاء، حتى الخدم لا ندري كيف نعاملهم بالحسنى.

والواقع أن الرجال يفرون من بيوتهم؛ لأنهم لا يفهمون المعنى الصحيح للحياة الزوجية أو الاجتماعية، وليست المرأة في نظرهم أكثر من «أنثى» وخادمة نظيفة، وليس البيت إلا مطعمًا وفندقًا للنوم، ولم تبلغ المرأة عندنا درجة من الرقي تُعِينها على تغيير هذا الحال.

سألت صديقًا ذات يوم: ماذا يغريك بهذا المقهى؟

قال: إن موقعه يجعله مكانًا للعرض.

قلت: «أي عرض؟»

قال: مواكب النساء!

فهو يتخذ مكانه من المقهى على الرصيف ليرى النساء في غدوهن ورواحهن، وهن في حفل من الزينة، وله العذر، فلو كان ينعم بمثل هذه المناظر أو بعضها في بيته، لما أُغري بالمقهى.

فقلت له: أما سمعت قول الشاعر:

ولكنه معذور، كما قلت، لأنه لا يجد الروح والريحان في البيت، فهو يتعزى بالشارع، وإن كان لا ينال سوى متعة النظر، «وهل ذاك نافع؟» كما يقول شاعر آخَر لم يَفُزْ أكثر من وقوع العين في العين.

ولست أذم المقاهي أو أعيب ارتيادها، فإني أغشاها في بعض الأحيان، وإن كنت لا أُطِيل المكث بها، ولا أجعل ارتيادها عادة، وإنما الذي أعيبه أن تكون حياتنا كلها أو معظمها في المقاهي دون البيوت؛ لأن ذلك دليل على فساد الحياة الاجتماعية وقيامها على قواعد غير صالحة، ولأن المقاهي تباعد ما بين الرجل والمرأة، وتترك حياة الأمة شطرين مفصولين، ومن السهل أن تقول لا تفرقوا بين الرجال والنساء، واجمعوهما، وليس من العسير أن نفعل ذلك ونروِّض أنفسنا عليه، فأنا بسبيل منه الآن، ولكن الصعب هو تأديب النفوس بالآداب الاجتماعية القويمة، التي لا يصلح الأمر بغيرها، وإكساب الرجل والمرأة الفضائل الحقيقية، وأقول «الحقيقية» وأنا أعني ما أقول، فإن فضيلة المرأة عندنا ما زالت فضيلة الجدران الأربعة، أي الفضيلة الحاصلة، ولا أقول المستفادة بالاحتجاب عن الرجل، على الرغم من سفورها وتحررها في الظاهر، وستحتاج المرأة إلى زمان طويل حتى تكتسب الحصانة عن طريق الاستقلال أي المعاناة والتجربة، وسيحتاج الرجل إلى زمان طويل حتى يألف النظر إلى المرأة دون أن يستثيره جمالها ويهيجه إلى ما به، وحينئذٍ يتسنى أن تكون الحياة الاجتماعية في مصر صالحة، ومأمونة أيضًا.

وحينئدٍ لا يحتاج الرجل أن يهرب إلى المقهى كلما فرغ من عمله، أو استيقظ من نومه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.