ذهبت مرة — في بعض السنين الخوالي — أصطاف في لبنان مع أهلي، أو أستريح على الأصح، وكان المرحوم عبد القادر حمزة باشا هو الذي أشار عليَّ بذلك، وحَضَّنِي عليه، فقد كنت بادي الإعياء، وكان تلف أعصابي قد بلغ مبلغًا يؤذن بالانهيار، فلا صبر لي على ضجة، ولا حلم لي مع الناس، ولا استقرار في مكان، وكنت أدخل عليه — رحمه الله — لخاطر يخطر لي، حتى إذا بلغت مكتبه نسيت ما جئت له، فأنصرف بالكلام، فينتظر لحظة ثم يدخل عليَّ في غرفتي، ويشغلني بحديثه الطلي حتى يراني هدأت وسكنت، فيخرج فتفيض نفسي بالشكر له.

على أن خيرًا من هذا الوصف الذي لا يصف شيئًا أن أروي حادثتين: أما الأولى فهي أنه كان على مكتبي بالبلاغ جهاز للتليفون، وكنت — كما أسلفت — قد تحلل بي كلال الأعصاب، ودَقَّ جرس التليفون وأنا أكتب، فانزعجت واضطربت من هذه المفاجأة، وهل كان عليه أن ينذرنا بأنه سيدق؟ فما كان مني إلا أن تناولت التليفون وضربت به الأرض فتحطم وانقطع حبله، ونهضت وذهبت إلى عبد القادر باشا، لا لأعتذر كما هو الواجب بل لأصيح: «من قال لكم إني أريد تليفونًا على مكتبي؟»

والحادثة الثانية أدهى وأَمَرُّ: تسلمت في صباح يوم سيارة قديمة — أو نص عُمر كما يقولون — اشتريتها، وأصلحتها ودهنتها، فعادت كالجديدة ذات لَأْلَأٍ، ومضيت فرِحًا بها إلى البلاغ، وتركتها إلى جانب الرصيف، وأنا مطمئن، وشاء الحظ أن تُقبل «عربة كارو» على هذا الطريق يجرها حمار، وأن يترك صاحبها حماره يسير على هواه، وماذا تنتظر من حمار إلا أن يكون حمارًا؟ وأبى هذا الحمار إلا أن يحك بعربته سيارتي، فيخدشها ويجرحها، ويمزق جانبها، ويشوه منظرها تشويهًا شديدًا، وكنت لسوء الحظ أطل من النافذة، فرأيت ما حدث، فطار عقلي! لا لأن السيارة أنيقة، أو غالية الثمن، فما كان أرخص السيارات يومئذٍ! بل لأن من يزعم أنه إنسان في رأسه عقل، يترك حمارًا يسير في الطريق «بعربة» كما يشتهي!

وأسرعت فنزلت إلى مكان الحادثة، وأنا أتلهب سخطًا، فلم أجد غير الحمار دون صاحبه الذي اختفى عامدًا على ما يظهر بعد أن رأى ما جَرَّ إليه إهماله، ولكني لم أستطع كبح غضبي، فوقفت أمام الحمار أوبخه وأقرص أذنه، وأدير له وجهه ليرى سوء ما صنع، كأنما يمكن أن يفقه شيئًا مما أقول!

والمصيبة أن عبد القادر باشا كان يُطل أيضًا من النافذة فرآني وسمعني وأنا أؤنب الحمار وأعظه، وقد لجمته، فرحت أزعق وأشرح له ما حدث وهو لا يزيد على هَزِّ الرأس، ولكنه كان ولا شك يضحك في سره، فقد كان أقدر من عرفت على ضبط نفسه، والسيطرة على أعصابه.

***

ذهبت إذن إلى لبنان، ومعي الأسرة كلها؛ لأني كنت أحوج ما أكون إلى رعايتها، وآثرت العزلة والانزواء في البداية، على قدر ما يتيسر ذلك، واتفق أن كان الأستاذ محمد عبد الوهاب يقضي شهور الصيف في عالية، إذا كانت الذاكرة لم تَخُنِّي، وأنا لا أعرف لانزوائي وكفي عن قراءة الصحف، وسمع هو بوجودي في «بكفيا» أو قرأ الخبر، فتفضل وزارني ومعه شاعر لبنان الأخطل الصغير كما يؤثر أن يسمي نفسه تواضعًا. وبينما هما عندي، دعاني ابن صاحب البيت الذي استأجرته ورجا مني وهو يلهث — كأنما كان في سباق — أن أسمح له برؤية «عبد الوهاب» ففعلت، فجلس يحدق في وجهه ويتئره النظر دون أن يطرف، كأنما يشهد معجزة. ولما انصرف الضيفان الكريمان وجدنا السيارة غاصة بالزهر مما قطف المعجبون، والطريق على جانبيه الناس يتزاحمون ويتدافعون، ليروا «عبد الوهاب». وقد فرحت بذلك، ورجوت — في سري — أن يعتقد عبد الوهاب والأخطل الصغير، أني صاحب الفضل في تنظيم هذه «المظاهرة» لتكريمهما وإدخال السرور على نفسيهما.

وكنت مغمورًا لا يعرفني أحد في «بكفيا»، أَمُرُّ بالناس فلا يعبأ بي أحد، وأحيي من عرفت من أهلها، فيرد التحية ردًّا جميلًا ولا يزيد. أما بعد أن زارني «عبد الوهاب» فقد صرت شيئًا عظيمًا! وصار الناس يقفون لي حين أمر بهم ويبدأونني بالسلام والتحية وأنا أولى بذلك، ويدعونني إلى بيوتهم ويحتفون بي، ويتذكر هذا أو ذاك أنه قرأ لي كتاب كذا أو كذا، ويعرب عن إعجابه ويثني أطيب الثناء، ولا عجب؛ فقد ظهر وثبت للعيان لا بالسماع أن المازني رجل له قيمة، وإلا لما تكلف عبد الوهاب أن يزوره!

وأضجرتني هذه الشهرة المفاجئة؛ لأنها أخرجتني من عزلتي، وصرت أهرب من الضيعة إلى حيث لا يعرفني أحد، فقصدت مرة إلى مكان اسمه «الدلب» — وهو اسم شجر — على مسافة ساعة من «بكفيا» ورأينا مقهى ظليلًا جميلًا فأوينا إليه، وانتوينا أن نقضي النهار كله فيه، وما كدنا نستريح حتى أقبل صاحب المقهى وحيانا وسألني: «ألست المازني؟»

قلت: «نعم لسوء الحظ، وأرجو أن لا يثقل عليك أو يسوءك أني هو بطوله وعرضه، أو بقصره ونحافته.»

فترك هذا وقال: «لقد سمعنا بزيارة عبد الوهاب لك.»

فقلت في سري: «عبد الوهاب خلفي وقدامي، وعن يميني وشمالي، هذه مصيية! إلى أين أهرب منه؟»

وآثرت الإياب بسرعة، فأبى الرجل الكريم كل الإباء أن يأخذ منا مليمًا من ثمن القهوة أو غيرها، ولم يَطُلْ مقامي في لبنان إلا نحو شهرين، فقد سخط عليَّ الفرنسيون سخطًا شديدًا، فاضطررت إلى العود إلى مصر فجأة.

***

هذه قصة أسوقها إلى الصديق الأستاذ كامل الشناوي على ذكر ما كتبه في «آخر ساعة» عن كبار الكتاب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.