الرياضة والخمر

قُلنَا في التفرقة بين خمريات أبي نواس وخمريات عمر الخيام: إن أبا نواس كان يحب الخمر؛ لأنها شراب يسرُّه ويَلتَذُّ طعمه ويجمعه مع طلاب السرور واللَّذَّةِ، ولكنَّ الخمر عند عمر الخيام شيء آخر لا يطلبه لِذَاتِه ولا لِلَذَّاتِه، بل يطلبه؛ لأنه مهرب من الحيرة التي لا حيلة له فيها، وبديل من الحل الذي لا أمل له في الوصول إليه.

ومِثل هذا يُقال عن الصراع، أو عن الرياضة بأنواعها، في حياة همنجواي. إنها ليست شيئًا مطلوبًا لذاته أو للذاته، ولكنها عمل لا مناص منه لطبيعة حيوية لا طاقة لها بالسكون والخمول، ثم هي عمل لا مناص منه لعقل حائر لم يعرف مَثَلَهُ الأعلى الذي ينشده ويسعى وراءه، ولم يكن من مزاياه سعة الآفاق ولا عمق الأغوار، ولم يزعم هو قط أنه صاحب مزية من تلك المزايا الفكرية التي امتاز بها كبارُ العقول، ولم يُغالِط نفسه قط في حيرته أو في حل من الحلول التي يلفقها الحائر لنفسه.

لم يكن له عقل كبير ولكنه — ولا ريب — ذو عقل صادق صريح، ولم يعرف غاية الحياة ولكنه لم يبالِ أن يتحدَّى الموت، ولم يدرس ما ينبغي ولكنه أدرك ما لا ينبغي فلم يكتفِ باجتنابه بل حاربه بكل قُوَّته ولم يبخل عليه بالحياة.

واستطاع أن يجعل له شعارًا لا يحار فيه، وشعاره هذا هو الواجب الذي ألقاه على لسان روبرت جوردان بطل رواية «لمن تُدَق الأجراس؟» حيث ألزم نَفْسَه «الشعور بواجب مُحَقَّق نحو جميع المظلومين والمضطهدين في العالم.»

ورائده في عمله: «إنك إن لم تستطع أن تصنع شيئًا ينفعك، فقد تستطيع أن تصنع شيئًا ينفع غيرَك.»

وأمانة الرجل التي يستحق عليها كل تقدير أنه جهل المثل الأعلى فلم يسكت ولم يقعد ولم يُعفِ نفسه من الجهد والمخاطرة بل راح يبحث عن العمل السلبي الذي بقي له بعد أن غابت عنه حقيقة العمل الإيجابي المنشود، فبحث عن الجانب الذي يخذله وهو على ثقة بالصواب، واعتقد أن خذلان الظلم مساوٍ لنصر العدل والخير والصلاح.

وهذا المجاهد الذي قلنا إنه لا يمتاز بالعقل الكبير قد ذهب إلى الحرب الأهلية في إسبانيا وهو يعلم أن الفريقين معًا على خطأ، وأن الجريمة المنكرة شائعة في المُعَسْكَرَيْن، ولكنه أقنع نفسَه بحق الجانب الضعيف من الجانبين، فَنَصَرَهُ بِقَلَمِهِ وسلاحه وماله، وحشد له مَن ينصرونه بالقلم والسلاح والمال.

ثم بدا له أنه منخدع فيمن ينصرهم وإن لم يكن مخدوعًا فيما ينصره، فلم يغالط عقله وضميره ولم يتردد في إعلان تجربته لمن يؤيدونه ولمن يخالفونه، ونعتقد أن موقفه هذا هو الذي أرضى عنه «لجنة نوبل» واستحق عندها من أجله جائزة السلام.

إن لجنة نوبل تعادي الشيوعية ولا تداري معاداتها، وهمنجواي لم يكن يومًا من الأيام شيوعيًّا ولا مؤمنًا بمذهب من المذاهب الاجتماعية إلى اليسار أو إلى اليمين، ولكنه كان ضد الفاشيين ولم يكن نصيرًا للشيوعيين، فلما نضجت تجاربه في الحرب الإسبانية الأهلية أصبح كذلك ضد الشيوعيين، أو ضد فلان وفلان من دعاة هذا المذهب الذي يجهله كما يجهل كل مذهب غيره، فهو في هذه المرحلة أقرب ما يكون إلى مقاييس اللجنة السويدية، ومقياسها الأكبر ألا تُجِيز أحدًا من دعاة الهدم والإنكار، فليس في الذين أجازتهم قديمًا وحديثًا أحدٌ يُنكِر كُلَّ شيء ويجحد العاطفة الإنسانية في العلاقات بين بني الإنسان.

كان همنجواي من جيل من الكُتَّاب يُسمَّى «الجيل المفقود» لأنه يتيه في بيداء الحيرة على غير هُدًى، فمضى في تجاربه حتى قيل عنه إنه وَجَد نَفْسَه، ووَجَد أن الحياة جديرة بأن يحياها، وأن الموت أيضًا جدير بأن يتحدَّاه، وقد يكون جديرًا بأن يطلبه كلما وجب تَحَدِّيه، أَنَفَةً من حياة الدعة والوجوم والاستسلام.

وقد أحسن ناقد الأمريكيين «أدموند ويلسون» حين قاس همنجواي بمقياس بوردن في الطبيعة: إن الأنبوبة الملتوية تعتدل كلما اشتدَّ الضغطُ على السائل الذي تحتويه.

وهكذا كان ظاهر همنجواي يعتدل كلما اشتد الضغط على باطنه، وظاهره لِحُسنِ حظه قابِلٌ لتطبيق هذا المقياس عليه، فليس وراءه عمق بعيد.

***

الجمهور المظلوم

أما التجربة التي تعنينا في عالم الأدب فهي تجربته الوافية في استقلال القلم أمام النقاد والناشرين والجمهور، فلا يوجد في أعلام الأدب العصري كاتب واحد يُثْبِت ضلالَ التفكير بالأمر وعلى حسب الطلب كما أثبته همنجواي. كان يكتب ما يُمْليه عليه خاطرُه ويَصِف النعيمَ والشقاء، وهو لا يعني بوصف هذا أو ذاك تأييدَ مذهب من مذاهب الاجتماع، أو تنفير القراء منه وتحويلهم إلى رأي من الآراء كائنًا ما كان.

فلما أَلَحَّ عليه النقاد والناشرون لِيُدخِلَ هذه الدعوات في حسابه، مَالَ إليهم دون أن يتورط في دعوةٍ مصطنعةٍ باسم الإصلاح، وَأَلَّفَ قصة في «المجدودين والمحرومين» أو فيمن عندهم ومن ليس عندهم … فاغتبط به اليساريون وقرظوه ومجدوه، وسقطت القصة إلى الحضيض فلم يبلغ أثرٌ مِنْ آثاره مبلغَها من السخف والابتذال.

وظلم النقاد والناشرون جمهورَهم القارئَ الذي يتهمونه بأخطائهم ويحتكرون المعرفة به على جهلهم بما يطلبه منهم وجهلهم قبل ذلك بصناعتهم، ونشط الكاتب الأمين من عثرته حين استوحى من قريحته ما يطلبه منه الجمهور المظلوم.

وشهادتنا نحن لله وللجمهور الذي عرفناه بعد خمسين أو ستين كتابًا أَلَّفناها أن هذا الجمهور المظلوم لم يرضَ عن كِتَاب قط كما رضي عن الكُتُب التي يقول النقاد والناشرون إنها ليست من كتب الجمهور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.