تُقاس قيمة الأمة الحقيقية بإنجازاتها في مجالات العلم والفكر والثقافة والاقتصاد، ولن يُتاح لها إبداع شيء يُذكَر في هذه المجالات إلا من خلال مجتمع إنساني قائم على العدل والحرية واحترام حقوق الإنسان يتَّصِف أفراده بالقوة الأخلاقية، وتشرُّب القيم السامية والعقيدة الراسخة القادرة على بناء الشخصية الإنسانية الجديرة بهذا الاسم، ولعل الفارق الجوهري بين أمة متأخرة وأخرى متقدمة، هو أن الأُولى تبدو سلبية في هذه المجالات، تعيش فيها عالة على الآخرين، على حين أن الأخرى تستوي في الحياة إيجابية، معطاءة، خلَّاقة، بنَّاءة فيها جميعًا، لا يهم بعد ذلك العدد أو المساحة أو التاريخ، فقد تتفوَّق أمة في حجم السويد على أمة في حجم إندونيسيا أو الهند. هذا هو الهدف السامي الأول لكل أمة تَرُوم الحياة في هذا العصر، وهو هدف يجب ألا يغيب عن بالنا لحظة واحدة في زحمة الأحداث، فقد تُلهينا عنه مشكلات عارضة، نظن من شدة إلحاحها علينا أنها الهدف والغاية، وقد نحلم بمجد غابر نتوهَّم أنه يسندنا في حاضر لا يبالي به، وقد نتطلع إلى زعامات وهمية تستنزف قُوانا دون ثمرة حقيقية، ولا نكران أن المشكلات العارضة تقتضي حشد القُوَى والحل الحاسم، وأن المجد الغابر قوة يُستضاء بها، وأن الزعامة قيمة إذا نبعت من جدارة صادقة، ولكن التخطيط للمستقبل على المدى الطويل على الأقل يجب أن يضع في حسبانه واعتباره الهدف الأسمى، ويعمل له في كل خطوة من خطوات التدبير والتغيير، ذاكرًا دائمًا وأبدًا أنه إنما يعمل لبناء مجتمع فاضل وفرد كامل، ومن أجل مناخ صالح للخَلْق والإبداع، مفيدًا من كلِّ ما يُتاح له من وسائل العصر، وقِيَم التراث، وتجارب الأمم، ودروس التاريخ. ليست الحياة لهوًا، ولا بلاغة فارغة، ولا انتهازية عمياء، ولكنها علم بلا حدود، وعمل بلا هوادة، وتفكير بلا انقطاع، وجهاد لا يعرف الراحة، ولا اختيار لنا، فإما أن نكون أو لا نكون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.