أَذْكُر للكاتب الإسباني الكبير «بلاسكو أبانيز» قصة صغيرة، يتحدَّث فيها عن ثلاثة من الفرنسيين؛ أحدهم معلم والآخر طبيب والثالث جندي قديم على ما أَذْكُر، وقعوا في أَسْر الألمان حين احتلوا قريتهم، فصاح المعلم: ليسقط غليوم الثاني! فسخر منه قائد الفرقة الألمانية، وقال له: إنك يا هذا تريد أن تنتحر على حسابنا … فإنْ شِئْتَ فانْتَحِرْ بعيدًا عنَّا! وتركوه حيًّا إلى ما بعد نهاية الحرب، فعاد إلى قريته مع صاحبيه.

احتفلت القرية بهم، واتسع نطاق الاحتفال في القرى التي تجاورهم، وكان أكبرهم سنًّا — وهو الجندي القديم — يتولى الإجابة على شكر المحتفلين بالنيابة عنهم، فقال في الحفلة الأولى: هتف زميلي المعلم بسقوط الإمبراطور، فأشفَقْتُ عليه، واعتمدتُ على حق السن وحنكة التجارب؛ فاضطررته إلى السكوت.

وفي الحفلة الثانية قال: وهتفنا جميعًا بسقوط الإمبراطور.

وفي الحفلة الثالثة قال: وهتفتُ بسقوط الإمبراطور، فلم يزل بي زميلاي حتى اضطراني كارهًا إلى السكوت!

هذه قصة يرويها خيال أبانيز.

فانظر إلى التاريخ كما يرويه خيال مصطفى النحاس!

لم أكن قد اطَّلَعْتُ على صحيفة البلاغ في الثالث عشر من شهر نوفمبر، فأطلعني عليها صديقٌ من المُطَّلِعين على حوادث الحاضر والماضي القريب، فإذا بمصطفى النحاس يقول فيها:

في ذات يوم من أيام سبتمبر سنة ١٩١٨، كنتُ أتناول طعام الغداء مع صديقي علي ماهر باشا في مطعم كازينو سان ستيفانو بالإسكندرية، وكانت قاعة الطعام في ذلك الوقت مُكوَّنة من خيام أُقِيمَتْ في فناء الكازينو، فشاهدتُ سعد باشا زغلول يَدْخُل المطعم، فتقدَّمْتُ إليه، وعَرَضْتُ عليه فكرتنا بجلاء، فأخبرني بأنه حدث في الهند أن هنديًّا أرسل إلى الرئيس ويلسون هذه المبادئ التي نشرها، فعلم نائب الملك في الهند أن ذلك الهندي هو الموحي بتلك المبادئ؛ فقبض عليه وعلى أنصاره وأودعهم السجن، وفشلت بذلك حركتهم، فهل تريد أن يحدث في مصر كما حدث في الهند؟!

تلك رواية القصَّاص المُبْدِع مصطفى النحاس!

أما قصة التاريخ عن اشتراك مصطفى النحاس في الحركة الوفدية فيعلمها الكثير من الأحياء، وهي كما يلي: كان سعد حريصًا على كتمان كل خبر عن تأليف الوفد قبل إعلان الهدنة؛ خوفًا من فساد الأمر كله باطلاع المحتلين على هذه الحركة، فلما حان الوقت الملائم لمفاتحة ذوي الرأي بها كان — رحمه الله — حريصًا على تكوين الوفد من جميع الهيئات السياسية؛ تحقيقًا للصفة القومية التي تتمثل فيمن ينوبون عن الأمة.

ولكن اللجنة التنفيذية للحزب الوطني قرَّرَتْ يومئذ — لأسباب لا محل لشرحها الآن — مقاطعة الوفد وتكوين وفد آخر ينافس الوفد الذي يرأسه سعد زغلول؛ فاهتم سعد يومئذ بالسؤال عن أعضاء من الحزب الوطني لا يتقيدون بقرار اللجنة التنفيذية، فذَكَر له بعضُ صحبه اسمَيْ الدكتور حافظ عفيفي ومصطفى بك النحاس؛ فأرسله إليهما يستطلع رأيهما في الانضمام إلى الوفد على أساس برنامجه الذي ينص على المطالبة بجميع حقوق الاستقلال، ولا يقيم وزنًا للسيادة العثمانية التي كان يتمسك بها محمد سعيد باشا وتابعوه.

قال مصطفى النحاس يومئذ كلمته التي ظل يقولها قرابة ربع قرن، ولكنه لا يستطيع أن يقولها الآن.

قال: أنا رجل فقير، ومحتاج إلى وظيفتي! … وعُرِض الأمر على سعد زغلول؛ فاقترح انضمامه إلى الوفد بمرتب شهريٍّ يتقاضاه عند انقطاعه عن العمل.

وتقرر فعلًا أن تُصْرَف له ثمانون جنيهًا مرتبًا شهريًّا، وخمسة وعشرون جنيهًا تُسَلَّم إلى أقاربه في مصر كل شهر في حالة السفر إلى الخارج، فكان مصطفى النحاس هو عضو الوفد الوحيد الذي يتقاضى مرتبًا على عضويته وخدمته الوطنية، وشفاعته في ذلك أنه رجل فقير لم يعرف الغنى كما عرفه الآن!

قال المعلم: ليسقط غليوم.

قلنا جميعًا: ليسقط غليوم.

قلتُ وحدي: ليسقط غليوم؛ فاضطرني الزميلان إلى السكوت!

وهكذا تألَّفَتِ القصةُ في خيال مصطفى النحاس، فإذا بالعضو الذي كان آخر مَنْ دخل الوفد بمرتب يتقاضاه يُصْبِح أوَّل الدَّاعين إلى تأليف الوفد وتنبيه الأذهان … وإذا بسعد زغلول ينكص ويخاف، ويَذْكُر العِبْرة بمصير الهنود الذين اتصلوا بالرئيس ويلسون قبل الهدنة بشهور!

***

وفي شهر سبتمبر الذي ذكره القصاص الكبير مصطفى النحاس كانت الفكرة تَجُول في الرءوس، وكان سعد يدعو أصحابه «محمد محمود باشا، وأحمد لطفي السيد بك، وعبد العزيز فهمي بك» إلى مسجد وصيف للتحدث فيما ينبغي عمله … فأجاب الدعوة محمد محمود باشا وأحمد لطفي السيد بك، واعتذر عبد العزيز بك لمرضه.

قلنا بعد ذكر هذا في كتابنا عن سعد زغلول:

… ثم ذهب سعد إلى الإسكندرية في الثاني عشر من شهر أكتوبر مدعوًّا إلى الوليمة التي أقامها رشدي باشا للاحتفال بعيد الجلوس؛ فقابل هناك الأمير عمر طوسُن، وسمع منه أنه يُفَكِّر في قيام طائفة من المصريين للمطالبة بحقوق مصر في مؤتمر الصلح … فقال سعد زغلول كما كتب في مذكراته: «إنها فكرة جميلة قامت في بعض الرءوس مِنْ قَبْلُ.» وأفضى إلى الأمير بموافقته وارتياحه، وتدبَّر معه فيما يحتاج إليه تنفيذ هذه الفكرة من المال الكثير …

هذه المذكرات التي أشرنا إليها مُودَعة عند مصطفى النحاس، فهل كلَّف نَفْسَه أن يرجع إليها قبل استرساله مع خياله القصصي المبدع الخلاق؟!

سواء رجع إليها أو لم يرجع، لا نحسب أنه يرجع عن عادته التي فُطِر عليها، وقال له سعد من أجلها ذات مرة: «أنت … فلا أدري كيف كنت قاضيًا في يوم من الأيام!»

وسيكتب التاريخ ذات يوم أن مِصْرَ لم تعرف من العاملين في سياستها إنسانًا جنى عليها كجناية مصطفى النحاس.

لقد جنى على قضية الوطن، وجنى على الأخلاق، وجنى على نزاهة الحكم، وها هو ذا يجني على التاريخ نفسه، فويل له من التاريخ!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.