إنه فصل الربيع. تضع أنثى الهدهد — طائر يبدو وكأنه مِعوَل ملون بألوان النمر — بيضها في حفرة داخل شجرة. يخرج البيض بلون أزرق حليبي، ولكن سرعان ما يتغير لونه إلى البني الطيني. وهذا لا يحدث فحسب لأن الأعشاش متسخة كما تدَّعي ويكيبيديا حاليًّا؛ بل يتسبب في ذلك أيضًا سائل تنتجه الإناث.

الهدهد.
الهدهد.

انظر تحت ريش ذيل أي طائر وستجد الغدة الزمكية، أو غدة تنظيف الريش. إنها غدة تفرز زيوتًا وشموعًا تستخدمها الطيور لتنظيف ريشها وجعله صامدًا ضد الماء. ولكن خلال موسم التكاثر، تصبح الغدة الزمكية لدى أنثى الهدهد كبيرة للغاية وتفرز سائلًا بنيًّا داكنًا غريبًا تفوح منه رائحة اللحم العفن. هذه هي المادة التي تغير لون البيض.

أصبحتْ طبيعةُ هذا الإفراز حادِّ الرائحة أكثرَ وضوحًا قبل عَقْد من الزمن، عندما حقن العلماء غدة الهدهد بمضادات حيوية. فجأة، أنتجتِ الأنثى سوائل كانت مشابهة لتلك التي تنتجها الطيور الأخرى، فكانتْ أفتحَ في اللون، وأرقَّ في اللزوجة، وأضعفَ في الرائحة. اتَّضح أن الغدة تكون مملوءة تمامًا بالبكتيريا؛ أغلبها من المكورات المعوية، ولكن مع غيرها من الأنواع أيضًا.

كان مانويل مارتن-فيفالدي وخوان سولير من جامعة غرناطة يدرسان البكتيريا الموجودة لدى الهدهد لسنوات عديدة. واكتشفا أن الميكروبات تنتج مضادات حيوية قوية، وأن الهدهد يستخدم هذه المواد الكيميائية لمنع البكتيريا الآكلة للريشة من تدمير منابت الريش.

واكتشفا الآن أدلة على أن هذه الطيور تستخدم البكتيريا نفسَها لحماية صغارها حتى قبل أن تخرج للحياة. ومن خلال تصوير الإناث التي تقوم بالتعشيش، أكَّدا أن الطيور تنهمك في طلاء بيضها بإفرازات الغدة الزمكية.

هذا في حدِّ ذاته غريب؛ فقشرة بيض الطيور عادة ما تكون ملساء، ولن تلتصق بها زيوت تنظيف الريش على الأغلب. ولكن عندما فحص مارتن-فيفالدي وسولير بيض هدهد موضوع حديثًا تحت مجهر قوي، وَجَدَا عددًا كبيرًا من الحُفَر الصغيرة. هذه معلومة جديدة؛ فلم يرَ أحد على الإطلاق أيَّ شيء مثل ذلك على بيض الطيور من قبل. وفي الوقت الذي فقست فيه الطيور الصغيرة، كان ما يقرب من ٩٠ بالمائة من هذه الحُفَر مملوءًا بمادة عجينية غنية ببكتيريا المكورات المعوية.

على اليسار: حُفَر صغيرة في قشر بيض الهدهد. على اليمين: صورة مقربة للحُفَر حيث تبطنها البكتيريا.
على اليسار: حُفَر صغيرة في قشر بيض الهدهد. على اليمين: صورة مقربة للحُفَر حيث تبطنها البكتيريا.

إن الأنثى هي التي تملأ الحُفَر. فعندما أدخل مارتن-فيفالدي وسولير قسطرة في الغدد الزمكية لإناث الهدهد لمنعهن من الوصول إلى إفرازاتهن، لم تتمكن الطيور من ملء الحفر في بيضها، الذي انتهى به المطاف بوجود عدد أقل من البكتيريا على سطحه. ومع ذلك، كان يوجد «داخل» البيض بكتيريا أكثر. يبدو أن الميكروبات التي توجد في الحفر والمضادات الحيوية التي تنتجها تكون بمنزلة دِرْع حيوية. فهي تمنع البكتيريا الضارة من استعمار البيض والانتقال من خلال المسام الموجودة في القشرة وصولًا إلى الطيور الصغيرة في الداخل.

كيف يمكن أن يفيد ذلك الطيورَ الصغيرة؟ هنا، تصبح نتائج الباحثَيْن أكثر غموضًا قليلًا؛ فقد اكتشفا أنه عادة عندما كانت هناك بكتيريا أكثر في غدد الإناث، كان بيضها يحتوي على بكتيريا أكثر في الحفر وكانت احتمالات فقسه أكبر. وعندما لم تستطع الإناث أن تصل إلى غددها، اختفتْ هذه الارتباطات. ومع ذلك، فمجموعتا الإناث — الإناث العادية والإناث التي لم تستطع أن تصل إلى غددها — كانتا متساويتين في القدرة على تربية ما يخرج من البيض الذي يفقس بنجاح.

يعتقد الفريق أنه إذا كانت بكتيريا الغدة تحمي الطيور الصغيرة حقًّا، فربما يتطلب الأمر دراسةً أكبر للكشف عن أية فوائد. فمن الممكن أن تعتمد أهمية هذه البكتيريا فحسب على مستويات الميكروبات الأخرى المسببة للأمراض في أعشاش الهدهد. ومن الممكن أيضًا أن الميكروبات الضارة التي تتمكن من دخول البيض لا تغير احتمالات فقسه، ولكن تؤثر على الطيور لاحقًا في حياتها.

في الوقت الراهن، نحن نعلم أن أنثى الهدهد تَطلي بيضها بالبكتيريا. لماذا؟ هذا لا يزال غير واضح بشكل كامل. ولماذا الهدهد هو الطائر الوحيد الذي يتميز بيضه بهذه الحفر؟ يظن مارتن-فيفالدي وسولير أن ذلك بسبب أعشاشه المتسخة على نحو غير عادي.

يمكن لأفراخ الهدهد في أعشاشها الدفاع عن نفسها من خلال قذف دفقات من البراز على الدخلاء، وعلى عكس الطيور الأخرى، فإنها لا تنظف مخلفاتها من أعشاشها. ربما ينقذ إهمالُها حياتَها، لكنه مصحوب أيضًا بزيادة احتمالات الإصابة بالعدوى. وربما تطورت الطيور للتعامل مع هذا الخطر الزائد من خلال تشكيل شراكات مع ميكروبات دفاعية ووضع بيض مليء بأماكن عيش للبكتيريا.

قد يكون الهدهد هو الطائر الوحيد الذي يتمتع بهذه البِنَى، ولكنه ليس الحيوان الوحيد الذي يتمتع بها بأي حال من الأحوال؛ إذ يحتفظ النمل القاطع لأوراق الشجر بالبكتيريا المتسلسلة في غرف خاصة في جسده والتي تقتل الفطريات الطفيلية. وتحمل الخنافس الجوَّالة البكتيريا الزائفة التي تصنع مادة البديرين؛ وهو سمٌّ يرْدَع العناكب ويمكن حتى أن يهيج جلد الإنسان. عادة ما نفكر في البكتيريا على أنها «جراثيم» تسبب المرض، ولكنها من المحتمل أن تكون حُرَّاسًا تحمينا من المرض.

The Bird That Paints Its Eggs with Bacteria by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. June 27, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.