ليست هي الامتيازات التي يستمتع بها الأجانب في مصر، وتضيق بها ضمائر المصريين، وكثير من الضمائر الحية للأجانب أنفسهم، ويضيق بها العدل والحق والإنصاف، فكل المصريين محب لإلغائها، مُلِحٌّ فيه، يراه غرضًا من أغراض النهضة الوطنية، وواجبًا من الواجبات التي ينبغي أن يبذل المصريون فيها ما يملكون من قوة وجهد، والتي لا ينبغي أن يُعرِض المصريون عنها حتى يؤدوها كاملةً، في غير تهاون ولا تقصير ولا فتور. المصريون مُجمِعون على إلغاء هذه الامتيازات الأجنبية، ولكن هناك امتيازات أخرى ليست أقل خطرًا من امتيازات الأجانب، ولعلها أعظم منها خطرًا، وأقبح منها أثرًا في حياة الناس، وأخلاقهم وصلاتهم؛ لأنها امتيازات لا يقبلها العقل، ولا يطمئن إليها القلب، ولا يستريح لها الضمير الحي النقي، ولا تقرها أيسر قواعد الأخلاق.

هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من المصريين دون فريق، والتي لم يكسبها أصحابها بمعاهدة، أو قانون، أو عُرْف مقرَّر محترم، أو وراثة أو تقليد من التقاليد، وإنما جاءتهم وحدها طائعة راغبة فيهم مدفوعة إليهم دفعًا، برغم أنف المصريين جميعًا.

هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريق من الوزراء وكبار الموظفين، لا لشيء إلا لأنهم تولَّوا الوزارة أو تقلَّدوا مناصب الحكم، وهي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من الناس ليسوا وزراء ولا موظفين، ولكنهم يظفرون بعطف الوزراء والموظفين. هي هذه الامتيازات التي لا تقوم إلا على مخالفة للقانون وانتهاك حرمات الدستور، ولا توجد إلا حيث يضعف الشعور بالعدل، والتقدير للكرامة، والاعتراف بضرورة النظام. هي هذه الامتيازات التي تعفي فلانًا من أن يُسأَل عمَّا قال أو عمل، بينما يفرض القانون أن يُسأَل الناسُ جميعًا عما يتعَدَّون به حدودَ القانون من قول أو عمل. هي هذه الامتيازات التي تبيح لفلان أن يستمتع من أموال الدولة وجاهها وسلطانها، في غير حق ولا عدل، بما لا يُبَاح لغيره من الناس، بل بما يُعاقَب غيره من الناس على الاستمتاع به أو السعي للوصول إليه.

هذه الامتيازات الآثِمة خليقة أن تُلْغَى، وهي خليقة أن تُلْغَى قبل تلك الامتيازات الأجنبية. أقول هذا غير متحرج ولا متأثم ولا متردد؛ فإن شعور المصريين بكرامتهم، وحرص المصريين على حقهم، وجدَّ المصريين في استقلالهم؛ هي الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية من غير شك، وليس من الشعور بالكرامة، ولا من الحرص على الحق، ولا من الجد في الاستقلال أن يرضى المصريون أن يمتاز بعضهم من بعض، وأن يتفوق بعضهم على بعض، في غير عدل ولا دستور ولا قانون. وإذا رضي المصري أن يذله المصري، وأن يعتدي عليه، وأن يمتاز من دونه بما لا يطمع هو فيه، وأن يستمتع من دونه بالطيبات، وأن ينتهك من دونه حرمات القانون؛ فهو خليق أن يرضى بكل ما يصيبه من الظلم، وأن يذعن لكل ما ينزل به الجور، وأن يعجز عن إقناع الأجنبي بالرغبة عن الامتيازات، أو النزول عنها. فمَن رضي الظلم القليل خليق أن يرضى الظلم الكثير، ومَن احتمَلَ الهوان اليسير خليق أن يحتمل الهوان العظيم، ومَن عجز عن حماية نفسه في ظل القانون والدستور خليق أن يعجز عن حماية الأجانب في ظل هذا القانون والدستور، ومَن قَبِلَ أن يعبث به فلان وفلان دون أن ينتصف له القانون منهما، ضعيف أشد الضعف، عاجز أشد العجز عن أن يقنع الأجنبي بأن يسوي نفسه به، وأن يرضى أن يشاركه في حياته هذه التي لا تأمن من الظلم، ولا تبرأ من الذل، ولا تخلو من الفساد.

هذه حقائق مُرَّة، ولكن مرارتها لا تمنع من أن تُقَال، بل مرارتها تفرض علينا أن تُقَال، فلَئِنْ يتحدث بعضنا بهذا خير من أن يتحدث به إلينا الأجانب، لئن يقول بعضنا لبعض: إن في مصر ظلمًا يجب أن يُرفَع، وامتيازات جائرة يجب أن تُمحَى، خير من أن يقول لنا الأجانب: أنصفوا أنفسكم من أنفسكم، ثم فكِّروا في إنصاف أنفسكم منا، وخير من أن يقول لنا الأجانب: ثقوا بأنكم قادرون على إنصاف أنفسكم من أنفسكم، ثم تحدَّثوا إلينا بعد ذلك بأنكم قادرون على أن تضمنوا لنا حياةً قوامها العدل والرعاية والإنصاف، وليس من الشجاعة أن نخفي عيوبنا أو نتستر عليها، وإنما الشجاعة الصحيحة هي أن نُلقِي عيوبنا وجهًا لوجه، وأن نجاهدها ونتخلَّص منها. فَلَئن نُظهِر عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُظهِرها لنا الناس، وَلَئن نُصلِح عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُصلِحها لنا الناس. وهذه الامتيازات التي يستمتع بها إلى الآن صدقي باشا، وأمثال صدقي باشا، عيوب في حياتنا السياسية والخُلُقية يجب أن نُظهِرها ونُنبِّه إليها، ونجهر بالدعوة إلى إصلاحها؛ فَلَذلك خير من أن يُفاجِئنا بها الأجانب على غير انتظار.

وإني لأُوثِرُ ألف مرة ومرة أن أتحدث بهذه العيوب إلى المصريين، وأن يتحدث بها المصريون إليَّ، وأن يُثقِل بعضنا فيها على بعض، أُوثِرُ هذا ألف مرة ومرة على أن أتحدَّث يومًا من الأيام إلى بعض الأجانب في إلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فيصدمني بهذه الجملة القاسية اللاذعة التي يتصبَّب لها جبين الرجل الكريم عرقًا: إنما يحسن بكم أن تطلبوا إلغاء الامتيازات حين تستطيعون إقناعنا بأنكم قادرون على ألَّا يظلم بعضكم بعضًا، ولا يمتاز بعضكم من بعض، ولا يرتفع فريق منكم فوق القانون. ويستطيع صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وتستطيع الوزارة وأنصار الوزارة أن يقولوا ما يشاءون، ولكنهم سيعجزون دائمًا عن أن يُقنِعوا أحدًا بأن صدقي باشا ليس مستمتعًا الآن بطائفة من الامتيازات، لا ينبغي أن يستمتع بها رجل في بلد يخضع لحكم الدستور والقانون.

رجل يقال فيه وفي تصرفاته كلُّ ما قيل، ويُنشَر عنه وعن تصرفاته كلُّ ما نُشِر، وتُؤلَّف لجنةٌ للتحقيق في طائفة من التصرفات هو الذي أجازها وأمضاها؛ فتحقِّق وتدقِّق، وتسأل الناس، ولكنها لا تستطيع أن تبلغه، ولا تستطيع أن تصل إليه؛ لأن الدستور يحول بينها وبين ذلك. ثم يقال له: قَدِّمْ أنت إلى اللجنة ما يزيل عن موقفك كل لبس، ويمحو عن تصرفاتك كل شك؛ فلا يتحرك كأنه لا يسمع. ثم يقال للحكومة: أنفذي فيه حكم الدستور، ودعي البرلمان يسأله عن تصرفاته هذه؛ فلا تتحرك الحكومة، كأنها لا تسمع؟ ثم يقال للبرلمان: أنفذ في هذا الرجل حكم الدستور، سَلْهُ عن هذه التصرفات ليزول عنها كل لبس، ويُمحَى من حولها كلُّ شك، وتبرأ سمعة الوزارة وأعضاء البرلمان من كل شائبة؛ فلا يتحرك البرلمان، كأنَّ أحدًا لم يقل له شيئًا.

رجل هذه حاله، وهذا موقفه من الدولة، وهذا موقف الدولة منه، ممتاز من غير شك، ومن أين جاء هذا الامتياز؟ لم يجئه من القانون، ولا من الدستور؛ لأن القانون والدستور يُحَتِّمَان سؤالَ الوزراء عمَّا فعلوا وهم وزراء. ولم يجئه من ورائه، فما نعلم أن في مصر نظامًا يحمي الباشوات وكبار الناس من احتمال التبعات. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بينه وبين الدولة تضمن له أن يكون فوق السؤال والجواب. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بين الدولة وبين دولة أخرى تجعله فوق السؤال والجواب، وإنما جاءه من أنه صدقي باشا ليس غير، جاءه من أنه كان وزيرًا، والوزراء لا يُسأَلون إلا أمام البرلمان، والدولة لا تريد أو لا تريد إلى الآن أن تسأله أمام البرلمان، ومع ذلك فالدولة معنية بقصة الكورنيش، حريصة فيما تقول على أن تحقِّق أمرها، وتأخذ المسئولين فيها بالعقاب، فإذا سألت الدولة مَن المسئولون؟ فستجيبك هم الذين ستُظهِرهم اللجنة. فإذا زعمت الدولة أن هناك وزيرًا مسئولًا أجاز بعض هذه التصرفات، سكتت الدولة، وسكت صدقي باشا، وسكت الناس جميعًا. والغريب أن امتياز صدقي باشا لا يفرض نفسه على الوزارة وحدها، ولا يفرض نفسه على البرلمان وحده، وإنما يفرض نفسه على الصحف أيضًا. فهل تذكر كل تلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، وتناله بأقسى ألوان النقد والتشنيع، حين كانت الوزارة جادة في خصومته؟ هل تذكر تلك الصحف التي أثارت قصة الكورنيش وخاضت فيها فأكثرت الخوض؟ إنها الآن صامتة ساكنة لا تتحرك ولا تقول، ومع ذلك فلم يجد شيء يغيِّر من أمر قصة الكورنيش، فما زالت هذه القصة فضيحة منكرة، ذهبت فيها مئات الألوف من الأموال العامة، وما زال حول هذه القصة تحقيق، وقد خرج صدقي باشا من السؤال والجواب، كما تخرج الشعرة من العجين، وتلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، مطمئنة مستقرة، لا تظهر الآن غيرةً على الحق، ولا حبًّا لوضوحه، ولا حرصًا على معرفة المسئولين جميعًا. فما مصدر هذا الامتياز الذي يستمتع به هذا الدكتاتور العظيم؟ وما مصدر تلك الضجة الهائلة التي أثيرت حول صدقي باشا والكورنيش، ثم سكتت عن صدقي باشا والكورنيش؟ وأين قانون التضمينات هذا الذي يرفع صدقي باشا عن السؤال والجواب، لا لشيء إلا لأنه كان وزيرًا؟

وأغرب من هذا كله أن السياسة تتحدث إلينا اليوم بأن الجنة التحقيق سألت بعض الناس، أو بعبارة أدق سألت بعض الموظفين في إقليم البحيرة عن أمور تمس صدقي باشا ومقاول صدقي باشا الذي هو مقاول الكورنيش؛ فأجاب الموظف عمَّا سُئِل عنه، وأظهر استعدادًا للإجابة عما يُسأَل عنه. قالت السياسة: فنُقِل هذا الموظف إلى أقصى الصعيد، أهذا صحيح؟! وإذا كان صحيحًا فما تأويله؟ وما تفسيره؟ وما موقعه من الحق والعدل؟ وما ذنب هذا الموظف الذي لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، والذي لم يزد على أن سُئِل فأجاب، ثم تزعم لي بعد ذلك أن المصريين سواء أمام القانون لا يمتاز بعضهم من بعض، ولا يتفوق بعضهم على بعض، وزير لا يُسأَل، وموظف يُسأَل فيجيب، فيُنقَل إلى أقصى الصعيد.

أما أنا فإني أتمنى أن يكفي الله لجنة التحقيق عواقب هذا التحقيق، فهي قد سألت عن أمور تمس صدقي باشا، وصدقي باشا رجل فوق السؤال، فلعل اللجنة لا يمسها لوم ولا عقاب لأنها سألت عن أمور رجل هو فوق السؤال والجواب. هذه الامتيازات وأمثالها — وثِقْ بأن أمثالها كثير — هي التي يجب أن تُلْغَى وأن تُلْغَى قبل كل شيء، وأن تُلْغَى قبل أن نطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فقد نظن أن من الحق علينا أن نكرم على أنفسنا لنكرم على الناس، فإذا هنَّا على أنفسنا فَلْنَقْبَلْ راضين وكارهين أن نهون على الناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.