لما تلقيت دعوتكم إلى الكتابة في هذا الموضوع حرت ماذا أصنع؟ أأعتذر؟ أم ألبي؟ فليس من الهَيِّنِ أن أكشف للناس عن كل هذا الحشد من العيوب ومواطن الضعف، وإني لأعلم أن النقص أصل في الإنسان، وأن الكمال — أو مراتبه — اجتهاد واكتساب، غير أن هذا العلم لا يسهل الأمر، وإن المرء ليشفق من مصارحة نفسه بعيوبه، فكيف بمصارحة الناس؟

على أني قلت لنفسي — بعد طول التردد — إن العيوب ضربان: واحد لي فيه حيلة، وفي وسعي علاجه، فأولى بي أن أضرب عن ذكره، وآخر لا حيلة لي فيه؛ لأني لم أخلق نفسي، ولم أختر أبويَّ، ولا كان لي رأي في بيئتي، فلا بأس من تناوُله لأن العذر فيه واضح.

وأبرز عيوبي — فيما أعلم — أني أعرف بها جملة وتفصيلًا، وأشد تفطنًا لها، وأعمق إحساسًا بها، من أن يسعني الإغضاء عنها، أو مغالطة نفسي فيها، ويا ربما تعجبت للناس كيف يطيقونني؟ وتثقل عليَّ وطأة هذا الإحساس فأحمل تسامحهم على محمل الكرم، فأتطامن وأثور في آنٍ معًا، أتطامن لأني أرى الدنيا تتسع لي، ولا تضيق بي صدور الناس، وأثور لأنه لا ذنب لي فيما ابتُلِيتُ به، ولأن «العطف» ثقيل بغيض، لا يطاق إلا بمشقة، ولأن التمرد ضرب من الدفاع عن النفس، ووسيلة إلى إنصافها. وقد كان شعوري بعيوبي بعض ما أغراني باعتزال الناس، على قدر ما يتيسر ذلك، والزهد في مخالطتهم، ورياضة النفس على احتمال الوحدة الموحشة.

وقد هيضت ساقي في شبابي، فظلعت، وما كانت لي في هذا رغبة، ولا كان من حق الناس أن يثقلوا عليَّ بفضولهم، فما بعجيب ولا من ذنوب الإنسان أن تكسر ساقه فتقصر، ولكن ماذا تقول في قلة الذوق؟ وصار الناس كلما ركبت الترام أو سرت في الطريق، يومئون إلى قدمي — فقد احتجت أن أجعل أحد الحذائين أعلى من الآخر، وأشبه بحذاء السيدات — ويتغامزون ويتهامسون، كأنما يبصرون عجبًا، أو يتحدثون عن تمثال لا يحس ولا يدرك، وقاومت ذلك زمنًا طويلًا، ثم ضقت ذرعًا بهذا الفضول، فاتخذت سيارة. والآن — وقد تعطلت السيارة لأني لا أجد لها عجلات — فإني أواجه، وأحتمل ثقل هذا الفضول مرة أخرى، والله المعين. وقد أورثني قلة حياء الناس وسوء أدبهم خجلًا من لقاء السيدات، وخوفًا وفزعًا من أن يلقينني «بالعطف» عليَّ من جراء ساقي المهيضة، بل أورثني ما هو شر، فصرت بليدًا متغطرسًا، أُغضي عن تحية من أعرف من السيدات، حتى يبدأنني هُنَّ بالتحية، ولا أُقبل عليهن، بل أدعهن يُقبِلْنَ عليَّ إذا شئن، وإلا فالله الغني، وعليهن السلام!

ويلي ذلك في المرتبة أني سريع النسيان، وهي آفةٌ قديمة، أذكر أني بعد أن تخرجت في مدرسة المعلمين العليا، وعُيِّنْتُ مدرسًا في المدرسة السعيدية الثانوية، وكان ذلك في سنة ١٩٠٩ —اتفق معي زميل فاضل من أساتذة المدرسة، عرف كرهي للعلوم الرياضية ونفوري منها وعجزي عنها، أن يعطيني كتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة طبعة ليدن، وأن أعطيه ما نسج العنكبوت عليه خيوطه أو بيوته من كتب الرياضة عندي، وأصبح فجاء بالكتاب الذي وعدنيه، وظل يتقاضاني إنجاز وعدي إلى آخر العام. ومن يدري؟ لعله لا يزال ينتظر؟ وإن كانت مكتبتي خالية من كتب الرياضة.

وما ظنك بحياة رجل يصبح ذاكرًا ويُمسي ناسيًا؟ كانت أمي رحمها الله تقول لي كل يوم — أي نعم كل يوم: «يا ابني، ماذا أخذ عقلك؟» لأنها كانت تكلمني في الأمر صباحًا، فأقول لها وأنا مشغول بارتداء ثيابي، مشفق من نسيان بعضها: «الظهر نعود إلى هذا»، فإذا جاء الظهر استأنفَتِ الكلام ووصلَتْ منه ما انقطع، فلا أفهم عنها، وتحتاج أن تبدأ من البداية، والغريب أن أذكر هذا، فلماذا لا أذكر ذاك؟

وكل كلام أسمعه يدخل من أذن ويخرج من أذن؛ فكأن إحداهما مجعولة للتلقي، والأخرى للإرسال، ولكني لا أنسى الصور مهما طال عليها الزمن، فكل ما تأخذه عيني يبقى ماثلًا، محفورًا على لوح الصدر، ويبقى هناك لا يذهب أو يبهت من ألوانه شيء، أما الكلام فيذهب كله، فذاكرتي يمكن أن توصف بأنها «فوتوغرافية».

وأحسب أن من كان هذا حاله لا يصلح للحب؛ فإن إنصاف المرأة المحبوبة يتطلب ذاكرة مؤاتية، لا غربالًا واسع الخروق لا يمسك شيئًا.

وشر ما أعانيه من ضعف الذاكرة أني أنسى الأسماء، أول ما أنسى، حتى ليكبر في وهمي أنه سيجيء يوم أنسى فيه اسمي! ويغيب من أعرف، سنة أو سنين طويلة، ثم ألقاه فلا أنسى وجهه، ولكن ذاكرتي تخونني وتخذلني فلا تسعفني باسمه! وآه، إذا أقبل علينا ثالث، وصار الموقف يقتضي مني القيام بواجب التعريف!

وأقرأ الكتاب، ثم أنساه، ثم أراه على رَفِّهِ فأستغرب، وأتساءل متى اقتنيته؟ وأعود إليه فكأني اشتريته الساعة، وكأن عيني ما وقعت عليه من قبل.

وأهم بالرقاد، وأستلقي على السرير، وأشعل سيجارة، فيخطر لي معنى يبدو لي جميلًا، أو عميقًا، أو جديرًا بالتدوين على كل حال، فأفرح، وأقول: «في الصباح نكتبه إن شاء الله» ولكن الله لا يشاء لي أن أفعل مع الأسف، ويطير المعنى الذي نمت به قرير العين.

ومن العجيب بعد ذلك أني أعتمد على الذاكرة! وأني لا أدون أو أثبت شيئًا في دفتر أو غيره! فإذا لم أكن أنا أحمق الناس، فمن ترى يكون غيري؟

ومن مزايا هذه الآفة ومحاسنها — فما في الدنيا شَرٌّ صرف — أني أنسى حتى غضبي وحقدي وموجدتي، وأنسى أحلامي في منامي، فأصبح غير ذاكر شيئًا منها، فلا أعني نفسي بها، ولا يقلقني ما يزعج منها، وأنتقل من أية حالة نفسية إلى أية حالة أخرى بلا عناء، وفي أوجز وقت. بل تكفي كلمة واحدة لنقلي من حالة إلى أخرى؛ فأكون محنقًا مغيظًا فأسمع كلمة مضحكة، فأذهل عما كان قد استثارني، وأذهب أقهقه!

وأنا أتفاءل وأتطير، وفي بيتي وجهان أكره أن أصبح عليهما، أحدهما وجهي أنا، والثاني وجه خادمة لا أذم عهدها، ولا آنس إلا بها، ولا أحمد إلا خدمتها، ولكن وجهها أعوذ بالله منه! ومن أجل هذا لا أنظر في مرآة، وأحتال كل صباح حتى لا أرى وجه هذه الخادمة أول ما أرى، ومن عادتي أن أستيقظ في البكرة المطلولة — قبل الفجر في الأغلب — وليس من اللائق أن أزعج أحدًا في هذه الساعة المستحيلة، ولا سيما في الشتاء، فتراني أمشي على أطراف أصابعى — حافيًا — وأحسر عن وجه زوجتي، في رفق حتى لا أوقظها، وأتملى بالنظر إليها هنيهة، ثم أفرك كفي وأقول الآن لا بأس من رؤية أحد الوجهين الآخرين، أو كليهما!

ويشرح صدري جدًّا أن أرى الهلال في أول الشهر القمري، ومعي شيء من الفضة، وأوثر أن يحدث ذلك عفوًا لا عمدًا ولا بتدبير، وأستبشر بذلك، ويشيع في نفسي الاغتباط، وأحس أني أواجه الدنيا بأمل جديد، ولا أعرف تعليلًا لهذا الشعور، ولكني أرى القمر يحدث في البحر مدًّا، وأرى المرأة تتأثر به، وأعرف أن كثيرًا من اللغات اقترن فيها لفظ القمر بمعنى من معاني الخبل والجنون، وهذا بعض ما عرفنا من أثره في الأرض وحياة الإنسان عليها؛ فليس من السخف أن أسر بهلاله، وأن أتقي إدامة النظر إليه في الليل.

ومن عيوبي التي تثقل على غيري ولا تثقل عليَّ: إسرافي وجبني؛ فكل مال أفيده «يجب» أن تخلو منه يدي في أقصر وقت، وإلا شقيت، واضطربت أعصابي، أقول هذا جادًّا لا مازحًا، ومن أجل هذا جعلت وكدي كلما عدت إلى البيت أن أفرغ فيه جيوبي، هو مال مقضيٌّ عليه بالضياع على كل حال — قل أم كثر — فضياعه في البيت أولى وأرشد من إنفاقه في «الفارغ البطال» كما تقول العامة.

شهدنا مرة رواية لنجيب الريحاني موضوعها أنه ألفى نفسه مُكْرَهًا على إنفاق مائتي جنيه كل يوم، فحار كيف يفعل، فالتفتت إليَّ امرأتي وقالت «علِّمه!» قلت: «يا امرأة هذا في الطباع وليس باكتساب، موهبة من الله كالشعر والفلسفة وجمال الصوت، فلا تكوني جاهلة!»

وأما الجبن، فإني أشتهي كل ما يشتهيه البَرُّ والفاجر، ولكني أفطم نفسي جبنًا واستحياء، وإشفاقًا من سوء وقع الخيبة، فأنا كما يقول ابن الرومي:

وبعد فهل يكفي هذا القدر؟ إن كنتم تريدون الزيادة، فليس فيَّ بخل، فقد أوسعت نفسي بحثًا وتمحيصًا، وأرحت الملكين الموكلين بي — لإحصاء خيري وشري، وحسناتي وذنوبي! أو لعلي غالطتهما!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.