أحسب أن المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام سيشعرون بالحاجة إلى إعادة النظر في مواضع الوهن من حججهم أمام تلك المجموعة المنكرة من القتلة الذين نفذ فيهم حكم الإعدام (الأربعاء ٢ / ١١ / ١٩٦٠).

لأنهم ينسون في جميع تقديراتهم أن هناك نفوسًا لا تستحق الحياة، وليس من حقها على المجتمع أن يحميها ويصون حياتها ويتكلف الجهد والمال لإبقائها، وقد حرموا على المجتمع حق حماية النفس، وحرصوا غاية الحرص على هذا الحق لحماية أنفس الجناة.

هذه مجموعة من القتلة لم يكن لها من بقية توصف بالإنسانية غير هياكل الأجساد: ولد يقتل أمه، ثم يقتلها مرة أخرى صادقًا أو كاذبًا بفضيحة عرضها وعرضه لينجو من العقاب، ولا فرق بين صدقه وكذبه في الخسة والإجرام.

وامرأة تدخل عليها الطفلة البريئة ضاحكة آمنة، فتخنقها ثم تلقي بجثتها جانبًا وتقبل على إعداد الطعام، كأنها لم تصنع شيئًا يصد النفس عن الطعام ساعة من النهار.

وأخرى تختار لقتل فتاة في ميعة العمر أن تصب على رأسها ماءً يغلي بما فيه من المحرقات الملتهبة، ثم تخنقها بيدها لتعجل بالذهاب إلى من تهواه.

ورجل يضيفه صديق فيخنقه ليسرق حطامه الزهيد.

إن دلالة الجريمة هنا أهون من دلالة وسائلها ودواعيها، وكلها تنم على عداوة للإنسانية أشد إيذاءً من عداوة الحشرة السامة والوحش المسعور.

ويرى المطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام أن أحدًا من هؤلاء لا يستحق أن يموت، ولا مانع أن يرى هو غير ذلك، فيسمح لنفسه بالحق المطلق أن يميت من يشاء كما يشاء!

كل هؤلاء معذور عند المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام، إلا الجماعة البشرية فلا عذر لها في طلب الخلاص منهم، بل يجب علينا أن نتكفل بهم مدى حياتهم، ولو طالت بهم مدة الحياة.

والمطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام يبحثون المسألة بالدم البارد كأنه فضيلة الفضائل، ولكننا لا نظنهم يصلحون المجرم أو يصلحون المجتمع، إذا أخرجوا من تقديرهم حساب الاشمئزاز والغضب على جناة الإجرام البشع والضراوة المرذولة؛ فإن المجتمع الذي يتجرد من شعور الغضب على أمثال تلك الجرائم، أسوأ حالًا من المجتمع الذي يصون حياة القاتل؛ لأنه ينظر إلى الجريمة نظرة الدم البارد أبدًا، ويأبى أن يضيف إلى سيئاتها وطبيعة وصفها مقدار ما تثيره في النفوس من السخط المشروع، وليست نتيجة هذا الجمود فيه أنه يحل حساب الفائدة محل حساب الغضب؛ لأن المجتمع الذي يفرض على العضو الصالح أن يعمل ويتعب ليأكل ويشرب، ويقاسي الحر والبرد والعجز والمرض، لا يعرف حساب الفائدة حين يجود على أراذل الخلق بما يضن به على أعضائه الصالحين النافعين، وربما كانت كفالة المجرم المرذول أغلى كلفة على الأمة من معيشة فرد صالح أمين!

والدم البارد — مع هذا — لا يقول لنا شيئًا يجهله أصحاب الشرائع وهم على أشد ما يكون «الآدمي» غضبًا على الإجرام.

إن القاتل — كما يقول المطالبون بإلغاء عقوبة القتل — لا يكون إلا واحدًا من ثلاثة: مريض نفساني، أو مندفع مع الثورة العاطفية، أو منتفع بالجريمة محترفًا بها ومترقبًا للفائدة من أثرها. فإذا كان مريضًا نفسانيًّا؛ فليس هو بمسئول، وإذا كانت الثورة العاطفية هي التي دفعته إلى القتل على كره منه؛ فقد يكون بغير تلك الثورة العاطفية من أسلم الناس، وإذا كان متجرًا بإزهاق الأرواح أو منتفعًا بالقتل؛ فمثل هذا لا تمنعه العقوبة القصوى أن يقارف جنايته، إذ هو قلما يخطر له أنه سيلقى تلك العقوبة لاعتماده على خبرته بأساليب الهرب والإفلات من قبضة المحققين والقضاة.

وبعد هذه التقسيمات وأشباهها، نعود فنقول: إننا لا نحتاج إلى الدم البارد لتقدير المسئولية على حسب العوامل النفسية، بل تقديرها في بعض الظروف تبعًا لبواعث الغضب وأعذار الثورة العاطفية التي تعرض للإنسان ولا يتهم من أجلها بالتجرد من الإنسانية، ولعل الخوف عليه في هذه الحالة من الدم البارد الذي يأبى عليه تلك الثورة كيفما كانت المثيرات!

وعلى أية درجة من درجات الحرارة الدموية لا خلاف في تقدير هذه التبعات، وإنما الخلاف فيمن تجرد من شعور الإنسان: هل يستحق الحياة على حساب المجتمع الذي هو خطر عليه؟

ربما أصاب من يقول: إن الجاني المتجر بالقتل أو المنتفع به يظن أنه بمنجاة من العقاب؛ لقدرته على الإفلات والاختفاء. ولكن هل معنى ذلك أنه إذا صدق حسابه نجا من العقاب، وإذا أخطأ حسابه نجا أيضًا من العقاب؟ وهل تراه إذا توقع السجن الطويل بدلًا من الإعدام يسرع إلى تسليم نفسه ويقلع عن تدبير الوسائل للإفلات والاستخفاء؟

إن افتنان المجرمين في تدبير وسائل الهرب من العقوبة لا يوجب على المجتمع أن يسقطها عنهم، وكل ما يوجبه عليه أن يجعل قدرته على اللحاق بالمجرمين أكبر من قدرة هؤلاء على الإفلات.

***

… كلنا نعلم ونوقن أن سيدنا إبراهيم الخليل لم يرزق من البنين إلا إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، ولكن جاء في الآية اﻟ (٧١) من سورة الأنبياء: ()، ونافلة طبعًا معناها الزيادة.

فهل يعقوب هو إسماعيل أو هو ولد ثالث لإبراهيم؟ أكون شاكرة لو تفضلت فأجبتني عن هذه الحيرة على صفحات جريدة الأخبار لأنني أتابع قراءتها …

حرم كامل منو، الجيزة

يعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

ومعنى الآية أن إبراهيم وامرأته سارة ظلا يرقبان الذرية حتى يئسا منها، فرزقهما الله الذرية المتتابعة وأعطاهما الحفيد بعد الولد، كما يفهم من معنى «نافلة» بمعنى الزيادة، ومن الآية في سورة هود: ()، والكلام هنا عن السيدة سارة زوجة إبراهيم، وقد ضحكت حين بشرت بإسحاق ومعناه بالعبرية يضحك كما هو مشهور.

والمعنى واضح من هذه الآيات ومن جملة الأخبار عن ذرية إبراهيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.