هي كلية الآداب، وإن شئت فقل هي الجامعة، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد الذي يُشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقًّا، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقًّا، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير.

مسكينة كلية الآداب، فقد قُصَّ جناحها حتى لم يبق فيه ريش! وقد ثقلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسًا ولا حياةً صالحة. ولولا أن مصر لا تعرف اليأس، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال. لولا هذا كله لقلنا للمصريين: أعظم الله أجركم في كلية الآداب …!

لقد أفكر فأطيل التفكير، وأروي فأنعم في التروية، وأُؤوِّل فأذهب في التأويل مذاهب شتى، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحركة المنكرة التي ما تزل تشب على كلية الآداب من الجامعة، ومن وزارة المعارف، ومن الحكومة، ومن البرلمان.

كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب، فكان من المعقول بعد أن أُقصيَ هذا الرجل عن كلية الآداب وعن الجامعة أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ومن الحكومة نكرًا ولا شرًّا، وأن لا تصلى كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارًا ولا عذابًا، ولكن النكر ما يزال يُصب على كلية الآداب، ولكن الحرب ما زالت تشب على كلية الآداب. فماذا جنت هذه الكلية البائسة؟ وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبًا، ويؤجج حولها لهيبًا، ويجعلها غرضًا للسهام، وهدفًا للأحداث؟

إلى أين نمضي؟ إلى أمام أم إلى وراء؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيَّقوها، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه. أفهم يستكثرون علينا العلم أيضًا؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة؟ أفهم يأبون علينا إلَّا أن نُردَّ إلى الجهل بعد العلم، وإلى الظلمة بعد النور؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلَّا شعبًا جاهلًا لا يستطيع أن يفهم، ولا أن يفقه، ولا أن يقدر ما يُراد به؟

وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي، لم تكد تنشأ حتى حدث في توسيع أفقها، وتعميق الدرس العلمي فيها، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل، ومضى الكثيرون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين، يدفعهم الأمل إلى أمام، ويشجعهم الفوز على المضي.

فما بالهم يردُّونها اليوم عن طريقها ردًّا عنيفًا؟! وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن نستغني عن معونتهم لنا، ونستقل بعد ذلك ونداني الغَرْبيِّينَ فيما انتهوا إليه من رقي، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب.

أهذا كله ليس شيئًا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين، أيهما أهون على مصر: إلغاء التمثيل في الأوبرا، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب؟ أيهما أهون على البرلمان؟ أن تُغلق دار للرقص والغناء، أم أن تضيق دار العلم والتعليم؟ وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمنا وحديثنا، وأشد أنواع التعليم اتصالًا بقوميتنا.

بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان، والذي ألحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة. ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدًا شديدًا تتقي ما يهاجمك من الجزع، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين.

كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر، فردَّت في القانون الجديد إلى تسعة. وهل تدري أي الكراسي أُلغي؟ كرسي فقه اللغة العربية، فستدرس إذن آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها، وألغي كرسي اللغات السامية، فستصبح إذن دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية، ستصبح تكميلًا بعد أن كانت أساسًا، ستصبح فرعًا بعد أن كانت أصلًا، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودًا في كلية الآداب، كما هو محدود في دار العلوم.

وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية، وسنظل عيالًا على المستشرقين الأوروبيين، كما كنَّا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى. وأُلغيَ كرسيان من كراسي التاريخ، فلم يبق لهذا العلم إلَّا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن، وأخرى للتاريخ الحديث، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى.

وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مُشوَّهًا ممسوخًا سطحيًّا كما كان في مدرسة المعلمين، وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور، وشكلًا من الأشكال، ومظهرًا من المظاهر يخدع الأبصار ولا يدل على شيء. وسيظل المتحف المصري محتاجًا دائمًا إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجًا دائمًا إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية.

وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورًا دائمًا على الأجانب، يدرسونه ويؤلفون فيه، وسنظل عيالًا على الأجانب في هذا كله، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودًا مقصورًا على الظواهر والقشور؛ لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام.

أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد، ولا بدَّ من أن يُعدَّل نظام الدرس وبرنامجه تعديلًا يلائم هذا الإلغاء، ولا بدَّ من أن يهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنَّت في إقامته، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة، ولا بدَّ من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها.

ولقد يكون من الحق عليَّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرًا طارئًا في هذه الأيام، وإنما هو أمر دبِّر من عهد بعيد، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن، وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة، وخروجي من كلية الآداب، سيردَّان الأمر إلى نصابه، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة.

وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كانت فنًّا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يُراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال. فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرًا، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر، وإذا الأمر كيد قد دبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب وإذاعة الثقافة العالية فيه.

على أني إن لمت في ذلك أحدًا، فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون، ولا ألوم الإنجليز؛ فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعدما نبت فيها الريش ونما، دون أن يبصِّروها بمواضع الخطر في هذا الأمر.

كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر، ويُكاد لها هذا الكيد، فينظروا ثم لا يقولوا؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي، فمنحتها منها ما شاءت، وكلية الآداب يلغى ثلث كراسيها إلغاءً؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيًّا، منها أربعة للقانون المدني، وثلاثة للاقتصاد السياسي، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعًا من أربعة عشر، بينها كرسي واحد للغة العربية، وكرسي واحد للتاريخ؟

أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية، وكرسي واحد للتاريخ؟

أين التضامن الجامعي؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي، وتُرِكت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبًا للعابثين؟! كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلَّت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطَّاع الطريق؟ ولكن لكلية الآداب حاميًا هو فوق الحماة، وكافيًا هو فوق الكفاة، أنشأها وتعهدها برعايته السامية، فمن الذي يُبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.