في مقدمة الواجبات التي تؤدِّيها الصحافة والإذاعة والتليفزيون إطلاع المواطن على الحقائق، سواء في وطنه أو في العالم. وغاية ما تظفر به في هذا المجال الثقة؛ بمعنى أن تجيء معلوماتها مطابقة للواقع والمنطق وانعكاسًا أمينًا للحوادث في جريانها الراهن أو المستقبلي. وإن ثبت للمواطن تهاون هذه الأجهزة في البلاغ أو تحيزها فيه أيقن أنها صوت رأي معين أو رؤية خاصة، وأنها تروم الاستحواذ على عقله لا إنارته؛ فينزع منها ثقته، ويلتمس الحقيقة لدى مصادر أخرى أجنبية يندر فيها الحياد فيتخبط بين الأطراف المتناقضة ثم يسقط في هاوية الشائعات.

ونحن في زمن يُطلَق عليه أحيانًا زمن المعلومات المتفجرة، فالجهل فيه بما يحدث ذنب لا يغتفر. ولا شك أن لكل أمة سياستها ورؤيتها، وأن من حقها الدعاية لها والدفاع عنها، ولكن ذلك لا يعني فرض حصار الجهل حول المواطن ولا تنويمه أو تخديره، مما يتضمن الاستهانة بعقله، والاحتقار لشأنه، والاستبداد بفكره، مهما ادَّعَيْنَا بعد ذلك من ديمقراطية وحرية، بالإضافة إلى أن الحقائق لا يمكن أن تخفى إلى الأبد في عصرنا، عصر المعلومات والاتصالات.

والأصوب والأشرف في الوقت نفسه أن تُذاع الحقيقة كما يراها أصحابها ثم نعلِّق عليها بما يدعم رؤيتنا الخاصة، وألا نُخفي وضعًا أو حالة بُغْية التخفيف أو بثًّا لأمل كاذب؛ فالأفضل أن نربي الناس على مواجهة الحقائق والتوثب لمواجهتها.

وقد مضى زمن ونحن لا نعلم عن مواقف المختلفين معنا إلا أنهم سفاكو دماء وعملاء وإرهابيون، وقد تكون لهم إلى جانب ذلك رؤية وسياسة، بل قد لا يختلفون معنا في بعض الأهداف وإن اختلفت الوسائل. ولم أذهب بعيدًا ونحن نشاهد على مسرح وطننا تحركات درامية غير مصاحبة بأي تفسير، فيذهب رجال ويجيء رجال وكأن الأمر لا يعنينا ولا علاقة له بنا. اللهم إني أُعِيذ الديمقراطية الحقة من أي مساس بالحق والحقيقة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.