بهذا العدد تفتتح «السياسة الأسبوعية» سنتها الرابعة مملوءة رجاءً في المستقبل، مغتبطة أن قامت في السنوات الثلاث الماضية ببعض الجهود التي أخذت نفسها أن تقوم بها لتوطيد روابط العلاقة العقلية والروحية بين الشعوب التي تتكلم العربية، ولنشر الثقافة العامة في مختلف أنحاء الشرق العربي، بإذاعة ما تستطيع إذاعته من تفكير الشرق والغرب جميعًا، وببث ما تعتقده أقوم مبادئ حرية الرأي التي تحل من نفوسنا محل القداسة والإجلال.

ويشجع السياسة الأسبوعية على المضي في رسالتها ومتابعة مجهودها ما يتولاها به قراؤها من تشجيع وما يؤازرها به أصدقاؤها من معونة صادقة في تحريرها، فليس عدد من أعدادها إلا يحتوي بحوثًا وتفكيرات ممتعة من ثمرات أقلام هؤلاء الأصدقاء الذين وجدوا فيها المجال للتعاون على إنهاض هذا الشرق العربي نهضة فكرية هو الآن في أشد الحاجة إليها، وليس يقف أمر هذه البحوث والتفكيرات عندما يرسل به بنو مصر، بل إن لبني فلسطين وسوريا والعراق فضلًا نقدره ويقدره القراء على حقيقته، هذا إلى جانب ما يوقفنا عليه مراسلونا في مختلف الأقطار من سير النهضات في الشرق ومن أسباب التطور في الغرب، وكذلك ترانا نشعر في كل عدد من أعداد هذه الجريدة بوسط قوي صالح من الأنصار والمؤيدين يعززنا، ويقوي همتنا، ويبعثنا على المزيد من الجهد في سبيل أداء الغرض الذي أخذنا به أنفسنا منذ أصدرنا العدد الأول من السياسة الأسبوعية.

وهذا الغرض هو الذي يجعلنا نتوخى جهد الطاقة ألا نميل بهذه الجريدة إلى ناحية حزبية، سواء في مصر أو في أية أمة من الأمم التي تقرؤها، ذلك بأننا لا نريد بها مناصرة فريق على فريق، ولا طائفة على طائفة؛ ولا نبتغي بها أن تكون في صف زيد أو عمرو، وإنما نبتغي بها مناصرة فكرة لا تتزعزع في نفوسنا، ولا تتصل بحزب من الأحزاب أو بطائفة من الطوائف، تلك الفكرة هي ما قدمنا من تأييد حرية الرأي، والعمل على نشر الثقافة، وتمكين أواصر القربى العقلية والروحية في نفوس أهل الشرق العربي جميعًا، لذلك لا يمنعنا مانع من أن ننشر رأيين مختلفين، ولا رأيًا يخالف رأينا، ما قام الرأي على أساس من سلامة التفكير والتنزه عن الأغراض الذاتية، وإذا كنا قد جعلنا هذا رأينا في الاجتماعيات والعمليات فهو كذلك رأينا في الشئون السياسية، فليس يحول دون نشر رأي من الآراء أنه يخالف رأينا ما بدا هذا الرأي منزهًا عن الغرض سليم التفكير في مقدماته ونتائجها، وهذه الحرية التامة التي نبتغيها هي التي أتاحت لنا أن ننشر الرأيين المتناقضين، وأن نترك لصاحب كل واحد منهما أن يؤيد رأيه بما يرى تأييده به من حجة ودليل قائمين على الأساس السابق ذكره.

وأشهد لقد جنى هذا الاحترام التام لحرية الرأي على السياسة الأسبوعية في بعض الأحايين، وبلغت جنايته أن أضاع بعض أصدقائها ممن كان لأقلامهم أثر فيها، لكننا لم نأسف يومًا من الأيام على ما حدث من ذلك، فنحن أكبر تقديرًا لحرية الرأي من الذين ينقمون هذه الحرية ولو أدى ذلك إلى ضياع ما بينهم وبين هذه الجريدة من صداقة وصلة، ولو أدى إلى إعلانه عليها حربًا لن تنال منها؛ لأنها بنزعتها السامية أبعد منالًا من أن تسيء إليها الشهوات الخاصة، أو تزعزع عقيدتها في مبدئها وغايتها الأغراض والمآرب الذاتية.

وإنَّا لنعاهد قراءنا في مفتتح هذه السنة الرابعة من حياة السياسة الأسبوعية على أن نكون دائمًا عند ظنهم بنا، فلن نألوا جهدًا في سبيل تحقيق غاياتنا، ولن نجعل لاعتبار فوق حرية الرأي قيمة، ولن نتغير عما كنا، نعاضد البحث والتفكير ونعمل على نشر ما يصل إليه العلم من نتائج، وإنَّا لنعاهدهم كذلك على أن نكون في المستقبل، كما كنا في الماضي، أنصار النزاهة المطلقة في التفكير والقول والكتابة، ثم إنَّا لنعاهدهم أيضًا على أن نتعاون وإياهم على بعث حضارة الشرق من جديد بعثًا نراه قريبًا وإن رآه بعضهم بعيدًا، ونراه يقينا وإن رآه بعضهم حلمًا من الأحلام، ونراه هادي الإنسانية ومرشدها إلى السلام وإن خيل لبعضهم أن الإنسانية لن تزال في ضلال ولن يُروى ظمؤها للخراب والدمار؛ وإذا كان ما نعاهد قراء السياسة الأسبوعية عليه أمرًا شاقًّا عزيز المنال، فإنه لذلك جدير بالجهود والسعي المتواصل؛ ولقد طالما حسب المترددون الذين إذا ذكر الحق تزعزعت عزائمهم أمرًا من الأمور محالًا، فإذا هذا المحال أدنى لأن تحققه العزيمة الصادقة مما يظنون، وهذا إيماننا، وهو الذي يجعلنا على ثقة من أنا بالغون في المستقبل القريب كل هذه الغايات التي نصبوا إليها ونتجه إلى تحقيقها.

ويزيد هذا الإيمان في نفوسنا قوة على قوته ما بلغته السياسة الأسبوعية من قوة في السنوات الثلاث التي انقضت منذ نشر أول عدد منها، فثلاث سنوات من حياة أي مجهود من المجهودات ليست شيئًا مذكورًا، وكم مضت أمثال هذه السنوات الثلاث وأضعافها على عمل في جسامة السياسة الأسبوعية، ثم إذا به ما يزال يضطرب بين الاستقرار والهزيمة، فأما هذه الجريدة فقد قوبلت من الجمهور في مصر والشرق العربي وفي البلاد الغربية النائية التي تضم طائفة من قراء العربية بتعضيد عظيم جعلنا نعتقد أن الحاجة كانت ماسة إليها، وأن الأغراض الماثلة في نفوسنا ماثلة في نفوس الألوف والملايين من أهلنا وجيراننا، وأنها ما كادت لذلك ترى هذا المجهود يشرق فجره حتى تعاونت لتزيده ضياءً على ضيائه، إذن فالغايات التي نريد بلوغها ليست غاياتنا وحدنا، ولكنها غايات عامة تجيش بها نفس الشرق كله والشرقيين جميعًا، وإذن فالمجهود الذي نقوم به يلقى جوابه في نفوس الملايين من أهلنا وبني عمومتنا، وإذن فهذا البعث الذي نطمع فيه كثمرة لحرية البحث العلمي والرأي الناضج، والذي نرجو أن يبعث من روح الشرق الخالدة إلى حضارة الغرب المظلمة في كثير من أنحائها ضياء الحق وأن يحقق للإنسانية ما تصبو اليوم إليه في توق ولهف من هداية وسلام، هذا البعث هو كذلك موضع إيمان الكثيرين وموضع رجائنا أجمعين.

فليكن عهدنا الذي عاهدنا عليه قراءنا هو إذن مفتتح كلمتنا لهذه السنة الرابعة من سني السياسة الأسبوعية، وإن لنا لأكبر الثقة في معاضدة أنصارنا وأصدقائنا الروحيين والعقليين على تحقيقه. وإنه لعهد لو تعلمون عظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.