هذه ترجمة عربية للكتاب الذي نشره الاتحاد البرلماني الدولي عن أعمال مؤتمره السادس والثلاثين. وقد عقد هذا المؤتمر بالقاهرة، عاصمة مصر، فيما بين السابع والثاني عشر من شهر أبريل سنة ١٩٤٧، وإنما حرصت الشعبة البرلمانية المصرية على إتمام هذه الترجمة وطبعها؛ لأن المؤتمر السادس والثلاثين للاتحاد البرلماني الدولي هو أول مؤتمر للاتحاد عقد في دولة تتكلم اللغة العربية، ولأن بلاد جامعة الدول العربية مثلت في هذا المؤتمر خير تمثيل، ولذلك كانت أعمال المؤتمر من الوثائق التي يحرص الكثيرون منهم على الاطلاع عليها، والاحتفاظ بها.

ولقد حرصت الشعبة البرلمانية المصرية، منذ زمن غير قليل، على أن يعقد الاتحاد البرلماني الدولي أحد مؤتمراته بمصر. فمنذ سنة ١٩٣٨ وجه ممثلو الشعبة الدعوة إلى الاتحاد، حين انعقاد مؤتمره تلك السنة بلاهاي، كي يعقد مؤتمره في سنة ١٩٣٩ أو في سنة تليها بالعاصمة المصرية. ولما كانت النرويج قد وجهت الدعوة في المؤتمر نفسه للاتحاد، كي يعقد مؤتمره لسنة ١٩٣٩ في أوسلو، وكان الاتحاد قد قبل هذه الدعوة — فقد أعادت الشعبة المصرية الكرة في سنة ١٩٣٩ حين انعقاد المؤتمر بأوسلو، ووجهت الدعوة من جديد. لكن قيام الحرب العالمية الثانية بعد انفضاض مؤتمر أوسلو مباشرة، وقف نشاط الاتحاد، كما وقف كل نشاط سلمي في العالم، فلم يعقد الاتحاد بعد ذلك مؤتمره، بل لم يعقد مجلسه ولم يعقد لجانه، حتى وضعت الحرب أوزارها.

فلما استأنف الاتحاد نشاطه في أعقاب الحرب، تحدث ممثلو مصر، في اجتماع الاتحاد بكوبنهاجن، إلى زملائهم أعضاء البرلمانات الأخرى، يجددون الدعوة التي سبق توجيهها في لاهاي وفي أوسلو، وذلك بعد أن فوضت الشعبة المصرية ممثليها لدعوة الاتحاد إلى عقد مؤتمره السادس والثلاثين بالقاهرة. وقد قبل الاتحاد هذه الدعوة، ووافق عليها مجلس الاتحاد، وحدد لها أيام عيد الفصح من سنة ١٩٤٧، وأعلن ذلك حين انعقاد لجانه في سان مورتز. وكذلك عقد المؤتمر في الأيام التي تبدأ من السابع إلى الثاني عشر من شهر أبريل لذلك العام.

وقد كان السبب في حرص الشعبة البرلمانية المصرية على دعوة الاتحاد ليعقد أحد مؤتمراته بالعاصمة المصرية، هو بعينه الذي دعاها لتنضم إلى الاتحاد لأول ما صدر الدستور وانعقد البرلمان المصري في سنة ١٩٢٤، ذلك حرص مصر على الاشتراك بكل جهدها في الحياة الدولية في مختلف مظاهرها. ومن ثم كان حرصها على الاشتراك مع أعضاء البرلمانات من الأمم المختلفة في مؤتمرات الاتحاد السنوية وفي مجلسه ولجانه، للتعارف وللتداول في الشئون العالمية، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، رجاء أن تؤدي الاتصالات المباشرة بين أعضاء البرلمانات المختلفة إلى حل المشاكل الدولية بالوسائل السلمية.

كان الاتحاد البرلماني الدولي، أول تأليفه في سنة ١٨٨٨، يكاد يكون أوروبيًّا صرفًا، لكنه لم يلبث، حين انضمت إليه بعض الدول غير الأوروبية، أن بدأ يصير عالميًّا يضم ممثلين لشعوب العالم المختلفة في قاراته جميعًا. فلما أعلنت مصر نفسها دولة مستقلة ذات سيادة، ثم لما أصدر المغفور له الملك فؤاد الأول دستورها في سنة ١٩٢٣، ثم لما اجتمع برلمانها في ١٥ مارس سنة ١٩٢٤ — سارعت للانضمام إلى هذا الاتحاد الذي يعتبر بحق برلمانًا عالميًّا، لأنه يضم الشعب البرلمانية لجميع الدول المشتركة في الاتحاد، وإذ كانت كل شعبة من هذه الشعب البرلمانية تضم أعضاء من مختلف الأحزاب في البرلمان الذي تمثله، كانت مجموعة هذه الشعب تمثل العالم في مجموعه إلى حدٍّ كبير تمثيلًا صحيحًا؛ وكان مستطاعًا لذلك، عن طريق اتصال أعضائها اتصالًا مباشرًا ومناقشتهم المسائل التي تعرض عليهم مناقشة حرة، اتخاذ الوسائل المنتجة لتوطيد النظام في العالم بالتقريب بين أنظمته في البلاد المختلفة، تقريبًا ييسر التفاهم بينها، ابتغاء تذليل كل سبب لخلاف يمكن أن يؤدي إلى فرقتها وانقسامها.

وليكون للاتصال المباشر أثره المنتج، يحسن أن يقف أعضاء الشعب البرلمانية المختلفة على شئون الحياة في الدول وبين الشعوب المختلفة. ولهذا يعقد الاتحاد كل سنة مؤتمره في بلد غير البلد الذي عقد فيه في السنوات السابقة، حتى يكون اتصال الأعضاء من غير هذا البلد بالحياة العامة والخاصة فيه — ولو اتصالًا سريعًا — مؤديًّا إلى إدراك أسباب التقارب والتفاهم بين الشعوب. ومن أجل هذا دعت الشعبة المصرية البرلمانية مؤتمر الاتحاد لينعقد بالعاصمة المصرية، ليرى الممثلون الأحرار للشعوب الحرة كيف يستطيع شعب تحرر من الحكم الأجنبي من زمنٍ قريب، ولا يزال لهذا الحكم الأجنبي فيه آثار ومعقبات، أن ينهض بشئونه المختلفة نهضة قوية لخير أبنائه جميعًا في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكيف يستطيع بذلك أن يشارك في النهضة العالمية مشاركة تفيد منها شعوب الإنسانية جميعًا.

لقد كانت الشعبة البرلمانية المصرية تدرك تمام الإدراك، يوم وجهت الدعوة لعقد مؤتمر الاتحاد البرلماني بمصر، أن أعضاء البرلمانات المختلفة لن يصرفهم المتاع بآثار ماضينا المجيد عن أن يلمحوا جوانب النقص التي لا تزال باقية في حياتنا العامة من نواحيها المختلفة، ولم يصدهم ذلك عن الحرص على دعوة الاتحاد إلى مصر، ثقة منهم بأن ممثلي الدول المختلفة سيرون آثار النهضة الحديثة التي تمت منذ تولى أبناء مصر حكم مصر. وسيقدرون الجهد العظيم الذي بذل لإقامة هذه الآثار الحديثة في هذا الزمن الوجيز، وسيحكمون لذلك بأن ما بقي من معقبات الحكم الأجنبي من تأخر في بعض النواحي لا تبعة على المصريين فيه، وأنه صائر إلى الزوال عما قريب. وسيكونون لذلك أنصارًا لحرية الشعوب المغلوبة على أمرها في أرجاء العالم كله، حتى تستطيع هذه الشعوب أن تنهض كما نهضت مصر، وأن تتمتع من الحرية بحظٍّ يتزايد على السنين بقدر ما يتم لها من تقدم في إدراك معنى الحرية، يتمتع بها الفرد في حدود النظام الذي يكفل لكلٍّ حريته التامة من غير أن يجني على حرية غيره.

ولهذا استقبلت مصر كلها، ملكها وبرلمانها وشعبها، هذا المؤتمر البرلماني الدولي بالتحية الصادقة والترحيب الحار، وقد وجه حضرة صاحب الجلالة ملك مصر، باسم الشعب المصري، لأعضاء المؤتمر جميعًا تحية يسرنا أن نسجلها في هذا التقديم؛ لأنها تعبر خير تعبير عما كان يجيش بنفس أهل مصر إزاء هذا المؤتمر البرلماني الأول، الذي عقد على ضفاف النيل وتحت سماء مصر. قال جلالته:

باسم مصر الخالدة، ولمناسبة اجتماع المؤتمر البرلماني الدولي، الذي يعقد بالقاهرة لأول مرة في العصر الدولي الذي تمخضت عنه الحرب العالمية الأخيرة — أحيي ممثلي برلمانات العالم الديمقراطي أطيب التحية.

إن شعب وادي النيل، الغني بتراثه، الفخور بحظه في مدنية المجتمع البشري منذ عهد ما قبل التاريخ، السعيد بنهضته الفتية في ميادين الرقي المادي والروحي — قد اعتزم أن يتعاون مع الأمم التي تمثلونها في سعيها المشترك لبناء نظام عالمي جديد، انصهر في أتون الحرب الجامحة الأخيرة، ولا قيام له إلا على المساواة التامة والعدالة الحقة بين الدول، وعلى الوحدة الأخوية بين الشعوب التي ربطت الأقدار بينها ولا انفصام لعروتها أبدًا.

وإني لأرجو للاتحاد البرلماني الدولي أن يمضي قدمًا في أداء رسالته لتوطيد التعاون بين الشعوب، حتى يتجنب العالم ويلات انفجار جديد يودي بالسلام.

وكانت أعمال المؤتمر، كما سيراها القارئ في هذا السجل، جديرة بهذه التحية وهذا الترحيب. فرغم ما كان يسود جو السياسة العالمية من الاضطراب الذي لا يزال إلى يومنا الحاضر يهدد طمأنينة العالم، حضر مؤتمر القاهرة ممثلون برلمانيون لأربع وعشرين دولة، بينهم ممثلو الولايات الأمريكية المتحدة. ومع أن روسيا السوفييتية لم تلب الدعوة التي وجهت إليها للاشتراك في المؤتمر، اشترك فيه ممثلون لعدة من دول أوروبا الشرقية الموالية للجمهورية السوفييتية. وقد ترددت المخاوف في صدور بعض رجال الاتحاد مما عساه يقع من خلاف بين الدول السوفييتية وغير الدول السوفييتية، ثم تمت أعمال المؤتمر في جو من المودة والصفاء، لم تشبه شائبة تسوغ قليلًا ولا كثيرًا من هذه المخاوف. بل لست أحسبني أغلو إذ أقول: إن جو المؤتمر كانت ترفرف عليه روح إنسانية سامية غاية السمو، تريد السلام وتريد التعاون العالمي مخلصة أصدق الإخلاص للسلام والتعاون، ولا عجب في ذلك. وقد كان الذين شهدوا المؤتمر يتكلمون جميعًا باسم الشعوب لا باسم الحكومات. والشعوب إذا تركت لسجيتها، فلم تحركها مطامع الأفراد ومنافع الجماعات، راغبة أبدًا في السلم والتعاون، حريصة أبدًا على أن يسود العدل ربوع العالم بأسره.

وسجية الطيبة وحب العدل وحسن التقدير، هي التي جعلت إخواننا أعضاء الشُّعب البرلمانية، الذين اشتركوا في مؤتمر القاهرة، يذكرون هذا الاجتماع السلمي الأول بعد الحرب العالمية الثانية بروح ملؤها التفاؤل والود. وسيرى القارئ فيما سيتلوه عن ذلك في غضون هذه المجموعة، ما يغنيني عن الإشارة إليه، على أنني لن أستطيع أن أغفل ما كان زملاؤنا الذين حضروا مؤتمر القاهرة يلقوننا به من عبارات التحية والتقدير، كلما التقينا في أمريكا أو أوروبا أو أية بقعة أخرى من بقاع الأرض. ولست أسوق هذا القول إشادة بفضل مؤتمر نظمته مصر، ثم لم يكن لها من فضل فيه بعد التنظيم أكثر مما لأية شعبة برلمانية اشتركت فيه، وإنما أسوقه دليلًا على أن الناس يستطيعون أن يعيشوا في سلام وإخاء وحرية، ما أرادوا أن يعيشوا في ظلال هذه المبادئ السامية التي تتحقق في رحاب العدل المجرد عن الهوى، والتي تكفل لبني الإنسان حيثما كانوا خير متاع بما في الحياة من أسباب المتاع.

وكم تود الشعبة المصرية لو أن ما يصدره الاتحاد البرلماني من أعمال مؤتمراته ومجلسه ولجانه يترجم إلى اللغات المختلفة، ومنها العربية، لتكون هذه الأعمال من دواعي التقريب والتفاهم بين الشعوب. ومع تقديرنا لما يقتضيه هذا العمل من جهد ونفقة، فإنا لنرجو، والاتحاد البرلماني يسير بخطواتٍ واسعة ليصبح عالميًّا بأوسع ما لهذه الكلمة من معنى، أن يتمكن في يوم قريب من نشر أعماله بمختلف اللغات. ولعل ترجمتنا لأعمال مؤتمر القاهرة تكون خطوة أولى في هذا العمل الجليل الفائدة.

وأحسب القراء يشاركوننا هذا الرأي، وأنهم يزدادون تأييدًا له، حين يطالعون ما تحتوي عليه هذه المجموعة من أعمال مؤتمر القاهرة؛ وأنهم لهذا يشكرون هيئة التحرير والترجمة، وبخاصة الدكتور سيد نوفل والأستاذ إلياس دبوس.

فإذا صدق حسابنا، وكان لهذا العمل أثره في توجيه الاتحاد هذه الوجهة، كان ذلك خير ما نبغي لخير الإنسانية جمعاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.