قرأت في «الأخبار» كلمةً بعنوان «معنى الشعبية والملوكية عند سلامة موسى» للكاتب الأديب الأستاذ أنيس منصور، وفيها يلخص الأستاذ أنيس رأي الأستاذ سلامة موسى فيقول: «فمن رأيه أن العقاد وطه حسين والمازني وهيكل والحكيم وشوقي والجارم، كل هؤلاء ليسوا أدباء شعبيين، ولكنهم بطانة ملوكية إقطاعيون ساعدوا على الظلم والطغيان …»

ويلي ذلك كلام في هذا المعنى خلاصته أن سلامة موسى — في رأي سلامة موسى — هو الأديب الوحيد الذي يكتب للشعب من الشعب، وأن من عداه من الأدباء حاشية ملكية إقطاعية … إلى آخر ما قال.

والأستاذ أنيس منصور لم يتابِع كلامَ الأستاذ سلامة موسى من بداءة عهده، ولم يَفُتْهُ شيء فيما نعتقد ولا كان يفوته شيء لو أنه لم يقرأ تلك الصفحات التي نقل عنها خلاصة الرأي السلامي الموسوي في الملوكية والشعبية، ولكنه لو قرأ ما كتبه سلامة قبل عشرين سنة لعلم أن كلامه اليوم رأي جديد لم يكن يراه بالأمس، بل كان يرى ما يناقضه مناقضة القطبين؛ إذ كان يرى أن الثورة الحقيقية إنما تأتي من جانب الملوك والأمراء، وأن الزعيم الثائر يكفي أن ينتسب إلى الشعب ليخيب ويستحق سخط الناقد الأديب اللبيب الأريب العجيب!

قال الأستاذ سلامة موسى في فصل عن مبادئ الثورة: «إن أكبر ثائر قام في مصر في العصور الحديثة هو في اعتقادي إسماعيل باشا؛ فقد حاول أن يجعل مصر الشرقية الآسيوية المستكينة النائمة أمةً غربيةً حديثةً يلبس أهلها لباس الغربيين، لهم حكومة برلمانية مثل الحكومات الأوروبية، يأكلون ويشربون ويسلكون في سائر شئونهم مثل الأوروبيين، بل لقد بلغت ثورته في ذلك أنه حض المصريين على التزوج من الغربيات؛ وذلك لكي يجعل بيوتنا وعاداتنا المنزلية غربية. وقد وُفِّقَ إسماعيل باشا إلى شيء كثير مما أراد، ويجب ألا ننسى أن أول يَدٍ حركت الثورة العُرابية كانت يده، ولكن عرابيًّا كان من العامة فلم يفلح في ثورته، وانعكست على يده الغاية منها، وهذا ما نريد إثباته، وهو أكبر أصل من أصول الثورة: أن يكون القائمون بها من الخاصة سادة الأمة لا من العوام الصاخبين.»

وهذا الكلام منقول من الصفحتين الخامسة والخمسين والسادسة والخمسين من مجموعة مقالاته «في الحياة والأدب» التي أصدرها من مطبعة المجلة الجديدة.

وليس كلامه هذا فلتة عرضية لم تتكرر في غير هذا الموضع، بل هو رأي مُقَرَّرٌ أثبته في الصفحة الثلاثين بعد المائتين من كتاب اليوم والغد إذ يقول: «ثم استمررنا نتراوح بين الشرق والغرب حتى زمن إسماعيل حين رأى بنافذ بصيرته أنه لا بد لنا من أن نتفرنج ونقطع الصلة بيننا وبين آسيا …»

وقال قبل ذلك عن محمد علي: «ولكنه مع كل هذه الأعمال كان يؤمن بالحضارة الغربية؛ فأسس المصانع على النمط الأوروبي، وأوجد في الأهلين روح العمل بعد أن كانت طبائع الاستعداد الشرقية قد طبعت في الناس حبَّ الخمول والدعة …»

وهذه الآراء المقررة — المكررة — صريحة في معنى الشعبية السلامية الموسوية؛ فهي شعبية لا تفلح حتى في الثورة على سادتها ما لم يكن لها من أولئك السادة مُعين أو معينون، ولم يفرط أحد في تقديس الملوك كإفراط هذا الكاتب الشعبي الوحيد الفريد الجديد، في القريب والبعيد.

فالأستاذ أنيس منصور يجد كثيرًا حين يحاسب الأستاذ سلامة موسى هذا الحساب؛ لأن الآراء السلامية الموسوية تدور على لوالب كثيرة لا تستقر على حال، وربما استفاد منا الأستاذ أنيس فائدة تُذكر بمقدار ما نذكر أية فائدة تتعلق بالأستاذ سلامة بن موسى، وهي فائدة يفهم منها كيف يتكون رأي صاحبنا في شأن من الشئون خلافًا أو وفاقًا لما كان يراه قبل حين.

يكفي أن يُذَمَّ كاتبُ هذه السطور — عباس محمود العقاد — في صفحة من كتاب ليطير سلامة بن موسى على الأبراج والهضاب مناديًا من يسمع ومن لا يسمع: «الحق أنت وهو.» طيروا يا خلق … اركبوا القطارات والسيارات والدراجات والطيارات لتدركوا نسخة من هذا الكتاب … فإن لم تدركوها فاستعيروها، فإن لم تستعيروها فتوسلوا بكل الوسائل إلى نقلها وحفظها وترتيلها كل صباح وكل مساء.

وأكاد أقول إنني أستطيع أن أجعل صاحبنا يعدل عن آرائه واحدًا واحدًا لو أنني أعلنت الإيمان بها وتأييدها، بل أكاد أقول إنني لو مدحت سلامة بن موسى اليوم لأصبح سلامة بن موسى غدًا وقد غير رأيه في سلامة بن موسى وجعله غير ما أقول ونقيض ما أقول، ولو خالف كل منقول ومقول ومعقول!

لا عليك إذن يا سيد أنيس من الجد في متابعة هذه الآراء وهذه المذاهب وهذه الدعوات.

إن صاحبنا سلامة بن موسى لا يعنيها ولا يلبث أن يتحوَّل عنها إذا تحولت دواعيها، ولا أخاله يفهم معنى ما يقول ساعة يقوله؛ لأن بواعث القول عنده غير الفهم وغير التفكير وغير الدراسة، وكلها تنبعث مما يطويه لهذا أو ذاك أو لهؤلاء وأولئك من خفايا الشعور.

الشعبية أبدية

وبعد هذا ننتقل إلى الجد في تفسير معنى الأدب الشعبي منذ وُجد الأدب وكما يوجد الآن، وكما سيوجد وسوف يوجد إلى غاية ما ندركه من العهود.

لقد كان الأدب «شعبيًّا» منذ وجد في أمة من الأمم الغابرة أو الحاضرة.

كان شعبيًّا في بوادي العرب وحواضرهم، وكان شعبيًّا في الدولة العربية، وكان شعبيًّا في لغة الإغريق، وكان شعبيًّا في اللغات الأوروبية الحديثة، وهو غدًا شعبي، وبعد غدٍ شعبيٌّ، وفي كل عصر شعبي شعبي شعبي. ولا يمكن أن يكون شيئًا غير ذلك وإن أريد عليه بالإكراه، ولن يدوم إكراه للأدب ولو اجتمع عليه الثقلان.

هل قال امرؤ القيس شعرًا لا يتغنى به الأعرابي السوقة في البادية والحاضرة؟

وهل كانت قصائد المديح تستحق درهمًا من الخليفة الأموي أو العباسي لو كان الخليفة هو قارئه الوحيد، ولم يكن له من الشعب قالة ورواة ونقاد ومقرضون؟

والمسرحيات الإغريقية، من كان يشهدها ويمثلها ويحفظها ويتحدث بما فيها؟

أكان ذلك مقصورًا على «خمسة ستة» من الفرسان أو الكهان أو الرؤساء والأعيان؟

ومسرحيات شكسبير، أكانت توضع لتسلية العامة أم لتسلية الملوك؟

لقد كانت أوصاف الملوك فيها أقبح الأوصاف من الغدر إلى الخسة إلى الخطل إلى الجهالة والعدوان والخطف والانتهاب؟

فمن كان يريد التشهير بالملوك فماذا كان عساه فاعلًا غير ما فعل شكسبير؟ ومن كان يريد أن ينظر إليهم بالنظرة الشعبية فكيف كان ينظر إليهم إن لم ينظر إليهم بعين الشاعر المحسوب على الملوك والأمراء؟

ولِمَن كتب دانتي قصيدته التي نظمها باللغة الشعبية؟ ولمن كان يكتب فرجيل وهوراس وجوفينال يوم كانوا يكتبون باللاتينية الفصحى؟

وعندنا في مصر: من كان يقرأ ملاحم الزير سالم وأبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن وأشباههم من أصحاب السير والغزوات؟ أكانت للملوك تُنظم وتُنشد أم كانت تنظم وتنشد للشعب وجمهرة المستمعين؟ إن أمراء مصر يوم رواج هذه السير كانوا تركًا أو شراكسة أو أكرادًا أو ألبانًا لا يستمعون لشعراء القهوات، ولا يفقهون ما يسمعونه لو أنَّهم أصغوا إليه.

فالشعب هو قِبْلَةُ الأَدَبِ في كل عصر وكل أمة وكل لغة. وليس من الأمناء المنصفين للشعب من يحسبه معرضًا عن كل معنى إنساني غير ما يقال عن حشو المعدات وغطاء الجلود … إن الشعب «إنسان»، وهؤلاء إنما يتكلمون عن مخلوق لا يحسب من بني الإنسان.

وبعد هذه الحقيقة التي نقررها لحضرات القراء نُتبعها «بحقيقة» سلامية موسوية يجري عليها تطبيق المذهب الذي يذهب إلى اليمين حيث نذهب إلى الشمال، ويغوص في جوف الأرض حين نصعد إلى السماء:

الأدب لا يكون أدبًا إلا إذا كتب باللغة العامية التي لا يفقهها أحد غير الأميين، ولا يبدأ القارئ بالاطلاع عليها إلا خرج من عداد الأميين.

وانتظر يا سيد أنيس شهرين أو سنتين؛ فإنك سامعٌ — ولا ريب — قولًا جديدًا عن الشعبية والملوكية من الثائر رقم (٢) سلامة موسى بعد الثائر رقم (١) إسماعيل بن إبراهيم.

***

والأدب الجامعي وابنة الإقليمي

أما الأدب الجامعي الذي يسألنا عنه الأديب «صابر غيث»، فلا بد من التفرقة فيه بين نوعين قد يقال عن كل منهما إنه «أدب جامعي»، ولا وحدة بينهما على الإجمال.

فمنهما الأدب الذي ينشئه أستاذ الجامعة أو طالبها صاحب الملكة الموهوبة في الشعر أو النثر أو النقد أو القصة، ويصدق عليه كل ما يصدق على الأدب تحت عنوانه العام؛ إذ قد ظهر مِنْ دَرْس الأدب الذي ينتجه هؤلاء الأدباء الموهوبون أنه — على الأقل — ضعيف الصلة بالتحلة الجامعية.

والأدب الآخر الذي يُفهم من عنوان الأدب الجامعي هو الأدب الذي يُدرَّس أو يؤرخ في المعاهد على اختلافها، سواء نسب إلى الجامعة أو لم يُنسب إليها.

وهذا الأدب قليل العمل جدًّا في إنتاج الآداب؛ لأن عمله مقصور على الترتيب والتبويب وإطلاق العناوين على الأبواب والأقسام. ويدور معظمه على إلحاق الخاتمة المعهودة ببعض الأسماء وهي اﻟ ISM أو الياء والسين والميم بالإفرنجية.

وإحدى لوازمه المعهودة أنه شديد الولع بالتطبيقات اللفظية التي لا وجود لها في عالم الواقع، ومن ذلك تطبيق الآداب الإقليمية على الديار المصرية.

فالأدب الإقليمي معقول في أمريكا الشمالية أو الجنوبية؛ حيث يكون جنوب الولايات المتحدة مثلًا أرضًا زراعية يسكنها قوم محافظون يكثر بينهم الزنوج ونبلاء القارة الأوروبية من بقايا القرن السابع عشر، وحيث يكون الشمال بلادًا صناعية تجارية مختلفة السكان والمواقع الجغرافية، وحيث يكون الغرب سهوبًا من البراري يعمرها الرعاة وأصحاب الماشية، وحيث يكون القوم في هذه الأقاليم أخلاطًا من الإنجليز والألمان والفرنسيين والهولنديين وأبناء السويد والنرويج وأبناء البحر الأبيض المتوسط من الطليان والإسبان.

أما في مصر فطبيعةُ الإقليم متقاربة جدًّا بين الغربية والمنيا، أو بين أسيوط وجرجا، أو بين الشرقية والبحيرة، وما يوجد من الاختلاف بين الأناشيد والأغاني فإنما هو اختلاف النسب والسلالة لا اختلاف الأرض والنهر والجبل والصحراء.

ونأخذها من الجنوب حيث يقيم النوبيون ولهم أغانيهم وألحانهم ولهجاتهم وأساليبهم في التعبير، ولا يمكن أن يقال إن ذلك كله من عمل الإقليم في مركز عنيبة، ولكنه من عمل النسب والسلالة، ويجاورها في المركز نفسه أبناء وادي العرب والعلاقي والمضيق والنجوع التي تتكلم العربية ولا تشبه النوبة في الأنغام ولا في معاني الكلام وإن تجاوروا في إقليم واحد.

وإذا مضينا شمالًا إلى الأقاليم التي يسكنها الفلاحون ويسكنها إلى جوارهم قبائل هوارة وزناتة ولواتة، وجدنا فرقًا يرجع إلى النسب والسلالة ولا يرجع إلى طبيعة الأرض والنهر والصحراء.

وإذا رجعنا إلى الأدب الذي سبقت الإشارة إليه في هذا المقال، وهو أدب القصص اليمنية والهلالية، فهناك أدب واحد شاع في القطر من أقصاه إلى أقصاه، وكانت نشأته من سلالة يمنية أو عربية على الإجماع، ولا فرق فيه بين أقاليم الوجهين البحري والقبلي أو أقاليم الصحراء.

إلا أن الولع بالتطبيق اللفظي يجعل لنا آدابًا إقليمية في بلاد لم تتوحد طبيعة الإقليم قط كما توحدت فيها، ولم يختلف فيها بيت من الزجل أو «الموال» أو مثل من الأمثال لأنه قيل في أرض بلا نهر أو أرض بلا صحراء، ولكنه يختلف لعلاقته من جانب السلالة والنسب بقبيلة مختلفة، وإن تجاورت القبيلتان في القرية الواحدة، فضلًا عن جوار الأقاليم.

ومن لوازم الاسم ISM أن نعطي المذاهب الأدبية فوق حقها من الأثر في الآداب القديمة أو الحديثة؛ فإن الآداب العليا لم تنشأ قط من عمل أناس يطلقون على أنفسهم اسم المذهب ثم يقولون بعضهم لبعض: تعالوا ننظم أو ننثر على هذا المذهب ولا ننظم أو ننثر على ذاك.

وهذا أدب شعراء اليونان في عصر واحد ولا تجمعه مدرسة واحدة مسماة قبل وجودها، وهذا أدب شكسبير ومارلو وبن جونسون لا «إزم» ISM بينه في رأي أصحابه أو في رأي أحد غير المبوبين والمرتبين، وقد عاش هذا الأدب وماتت مدارس «الإزم» التي أعلن عنها أصحابها وقالوا إنهم يتبعونها ويوصون غيرهم باتباعها.

فإذا وُجد المذهب فإنما يوجد في التفرقة التاريخية أو النقدية بين أعمال النوابغ المبتدعين غير المأخوذين بمحاكاة منهج من المناهج كيف كان.

ونود أن يعلم الأديب صاحب الخطاب أن عمل المؤرخين الأدبيين هنا تابع للإنتاج وليس بخالق للإنتاج؛ فليس المؤرخ صاحب بستان ينبت الثمرات والحبوب والغلال … كلا … ولا هو صاحب المخزن الذي يملك ما فيه بعد تحصيله من البستان، ولكنه صاحب البطاقات التي يلصقها على أبواب الحجرات ويَعُدُّ ما فيها من السلال والأقفاص والأكياس.

ونحن لا نقول جديدًا حين نقول إن أدب الإنتاج غير أدب التحصيل، وإن هذين الأدبين غير أدب الإحصاء والتقسيم في كل لغة وكل إقليم …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.