يُقال: إن شئون السياسة الخارجية قد أصبحت في هذه الأيام من الأمور ذات الخطر التي لا ينبغي لقادة الرأي أن يهملوا تنبيه الشعوب إليها، وتبصيرها بما قد يكون فيها، مما يؤثر في مستقبلها القريب أو البعيد تأثيرًا لا يمكن استدراكه إلا بعد الجهد والعناء، وكثير من التضحيات التي يمكن أن تتقى إذا استقبلت الشعوب أمرها عن بصيرة وروية، إذا تحدث إليها قادتها، وساستها في صراحة وصدق وإخلاص.

والذين يقولون هذا يستدلون عليه بهذه الأحاديث الكثيرة المتصلة التي تجرى في شعوب الدول الكبيرة والصغيرة على السواء. فالأحاديث عن مؤتمر سان فرانسيسكو لا تنقطع في إنجلترا وأمريكا، وفي البلاد الأوروبية المحررة التي تصل إلينا أنباؤها في شيء من النظام. وليس أدل على ذلك من بعض الأنباء التي نشرت صباح اليوم عن عناية الخطباء الأمريكيين بالترويج لمؤتمر سان فرانسيسكو في المدن والقرى، وفي بيئات الطلاب والتلاميذ، ومما يذيعه الراديو الفرنسي في كل يوم من الأحاديث التي يراد بها تبصير الشعب الفرنسي بما سيدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو من المشكلات، وإقناعه، وإقناع الشعوب الأخرى بما اتخذته الحكومة الفرنسية من موقف حين قررت أنها لا تريد أن تتقيد بشيء من التعهدات إلا عن بصيرة ودرس واقتناع. وقد بالغ الفرنسيون في ذلك حتى ظنت بهم الظنون، وحتى اضطر سفيرهم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ينفي ما تلهج به بعض البيئات السياسية من أن فرنسا تريد أن تقود البلاد المحررة في معارضتها للدول الثلاث الكبرى.

وليس أدل على ذلك أيضًا مما نشر في أمريكا أول أمس، ونقل بعضه إلينا أمس من أن الرأي العام البلجيكي لا يؤمن بمؤتمر سان فرانسيسكو، ولا ينتظر منه خيرًا، وإنما ينظر إليه على أنه اجتماع سيلقي فيه ممثلو الدول الكبرى الثلاث دروسًا في الآداب الاجتماعية والسياسية على جماعة من الأطفال القاصرين. والذي دفع البلجيكيين إلى هذا التشاؤم الشديد أمران: أحدهما موقف الدول الثلاث الكبرى من المشكلة البولندية، والثاني ما وقع في نفوس الشعوب المحررة من خيبة الأمل بعد تحريرها، فقد كانت تنتظر واثقة أن ترد إليها حريتها كاملة، وأن يرد إليها رخاؤها موفورًا متى طرد الألمان من بلادها. وهي تنظر فترى حريتها مقيدة بظروف الحرب، وترى أن بينها وبين الرخاء، بل إن بينها وبين ما يقيم أودها أمدًا لا يزال بعيدًا.

وإذا كانت هذه هي حال البلاد الأوروبية المحررة التي لا تزال الحرب تدور في أرضها أو قريبًا من حدودها، وإذا كان موقفها من ميادين القتال لا يمنعها من أن تتحدث في هذه الشئون بهذه الحرية وبهذه الصراحة، فقد يخيل إليَّ أننا نحن نستطيع أن نتحدث بمثل ما تتحدث به تلك الشعوب من الحرية والصراحة أيضًا. وقد أظهر الساسة الأمريكيون — وهم يميلون دائمًا إلى الحرية — حرصهم على أن يكون المشروع الذي سيُدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو موضوعًا للدرس الحر الذي تظهر فيه إرادة الشعوب واضحة جلية، أو تظهر فيه على أقل تقدير آراء القادة الذين يرشدون الشعوب، ويبصرونها بما تقدم عليه، أو تحجم عنه من الأمور. ومن أجل هذا قلت، وما زلت أقول: إن مصائر الأمم لا ينبغي أن تقرر في ظل الأحكام العرفية، ولا ينبغي أن يقضى فيها دون أن يتاح للناس أن يقول بعضهم لبعض، ويسمع بعضهم من بعض، وأن يقولوا لحكوماتهم، ويسمعوا منها، وأن يقدموا على ما يقدمون عليه، أو يحجموا عمَّا يحجمون عنه، وقد رضيت نفوسهم، واقتنعت عقولهم، واطمأنت قلوبهم إلى الإقدام أو الإحجام.

ولا بد من أن تقرر حقيقة واقعة، وهي أن من الخطأ أن يظن أن مؤتمر سان فرانسيسكو يلقى من البلاد المحررة، ومن الشعوب التي تُسمى الشعوب الصغيرة الاستقبالَ الحار الذي كان ينتظر أن يلقاه، ويشيع في نفوسها الابتهاج العظيم الذي كان ينتظر أن يشيعه فيها.

وذلك لأن الدول الثلاث الكبرى لم تستطع أن تكون سمحة، ولا أن تلائم بين ما كانت تبذل من الوعود أيام الشدة، وما اتخذت من القرارات أيام الرخاء. فقد كانت الدول الثلاث الكبرى سخية بالوعود أيام الشدة حتى استوثقت الشعوب المغلوبة، والشعوب الضعيفة بأن الأرض ستمتلئ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، وأن نظام العالم الجديد لن يفرق بين شعب قوي وشعب ضعيف، ولن يتيح للدول الكبرى أن تستأثر بالأمر من دون الدول الصغيرة.

ولست أدري كيف استطاعت الشعوب في هذا العصر الحديث أن تستجيب لمثل هذه الأماني دون أن تستفيد من التجارب الكثيرة التي مرت بالإنسانية، ولكنها على كل حال قد استجابت لها، ووثقت بها كما استجابت لها في أعقاب الحرب الماضية، ووثقت بها أيضًا. مع ملاحظة هذا الفرق، وهو أن أحاديث السلم وتنظيم العالم قد ظلت أسرارًا مكتومة في الحرب الماضية حتى أعلنت الهدنة. أمَّا في هذه الحرب، فقد اقتضت ظروف السياسة الأمريكية أن يكثر الكلام عن العالم الجديد، وعن الحريات الأربع، وعن ميثاق الأطلنطي، والحرب في أشد أطوارها عنفًا، وأعظمها خطرًا. والغريب أن التشاؤم وسوء الظن ليسا مقصورين على الأمم المحررة والشعوب الضعيفة، ولكنهما يجدان من يصورهما في بلاد الدول الكبرى الثلاث.

ولست أضرب لذلك إلا مثلًا واحدًا هو هذا الكتاب الذي أرسله الأستاذ بيفردج إلى جريدة التيمس، ونشر في أواخر الأسبوع الماضي، والذي ينقد فيه الأستاذ طريقة التصويت في مجلس الأمن، ويرى أن هذه الطريقة إذا لم تغير، فستنتهي إلى نتيجة محتومة خطرة، وهي أن الدول الصغيرة ستضطر إلى أن تلجأ إلى المحالفات تعقدها مع الدول الكبيرة، وسيكون من الآثار المحتومة لهذا أن يقسم العالم إلى مناطق النفوذ، وأن تعود المنافسة بين الدول الكبرى حول مناطق النفوذ هذه إلى شر مما كانت عليه قبل الحرب، وهذا سيسرع بهذه الدول الكبرى إلى الحرب الثالثة. كذلك قال الأستاذ بيفردج، وقد أسرع الدعاة الفرنسيون إلى هذا الكتاب، فأذاعوه في الراديو يؤيدون به مذهبهم في الاعتراض على نظام التصويت في مجلس الأمن.

على أن من الخطأ أيضًا أن يظن أن ما اتفق عليه رؤساء الدول الثلاث في مؤتمر القرم يمكن أن يكون حلًّا نهائيًّا لما عرضوا له من المشكلات، فالرؤساء الثلاثة مهما يعظم حظهم من نفاذ البصيرة، وحصافة الرأي، والقوة المادية المنتصرة في الشرق والغرب ليسوا أقوى من طبائع الأشياء، ولا من الحقائق الواقعة. ويكفي أن ننظر إلى المشكلة البولندية؛ لنرى أنها ما زالت قائمة كما كانت يوم أصدر الثلاثة قرارهم في مؤتمر القرم. فحكومة بولندا المقيمة في لندرة لم تغير من موقفها قليلًا ولا كثيرًا، وهو موقف الإنكار والاحتجاج، وحكومة بولندا المقيمة في فارسوفيا، والتي تُعرف بحكومة لوبلين لا تزال كما هي، ولم يتقدم تأليف الحكومة الجديدة خطوة واحدة، حتى أصبح الحلفاء يخشون في كثير من القلق أن ينعقد مؤتمر سان فرانسيسكو دون أن تشهده بولندا مع أنها أولى ضحايا الحرب، وأشد البلاد المغلوبة تأثرًا بأهوالها. والأمر الواقع هو أن بولندا لم تُدع بعد إلى المؤتمر؛ لأن الحلفاء لا يعرفون إلى من يوجهون الدعوة، وقد يعرفون ذلك في يوم من الأيام.

وقد كان يُظن أن مسائل البلقان قد فُرغ من تنظيمها بين الدول الكبرى الثلاث في مؤتمر القرم، ولكن الظاهر أن مشكلات البلقان لا تنتهي. وقد كان من أحاديث مجلس العموم أمس ما وقع من تغير الحكومة في رومانيا، فقد يظهر أن الحكومة الرومانية التي كان يرأسها الجنرال رادسكو لم تخلص للديمقراطية، وأشفق الروس منها على مواصلاتهم فأسقطوها، وخاف رئيسها على حياته فالتجأ إلى المفوضية البريطانية. وكره الروس من حلفائهم حمايتهم لهذا اللاجئ فاحتجوا، وقد صرح المستر أيدن أمس بأن هذه المسألة موضوع بحث ومشاورة بين الحكومة البريطانية، والحكومة الأمريكية، والحكومة الروسية بالطبع.

وما تزال الأنباء تأتينا بأن الأمور في اليونان بعيدة عن الهدوء والاستقرار، بل بأن بعض اليونان لم يضعوا السلاح، وما يزالون يقاومون في بعض الأقاليم، ومعنى هذا كله أن اتفاق الدول الثلاث الكبرى له خطره العظيم من غير شك، ولكنه ليس هو الذي سيحل المشكلات العالمية، أو المشكلات الداخلية في البلاد المحررة، أو البلاد المغلوبة. وإذا كان التطور الحديث قد حقق للإنسانية شيئًا من الرقي، فهو أن مصائر الأمم لا يمكن أن يقضي فيها الأفراد، وإنما تقضي فيها الأمم نفسها، وأن مصير العالم لا يمكن أن تقضي فيه الأمم الكبرى، وإنما يجب أن يقضي فيه العالم نفسه، وأن يكون قضاؤه فيه على أساس من الحق، والعدل، والمساواة بين القوي والضعيف، وبين الصغير والكبير، وبين الدول ذات الجيوش الضخمة والدول التي لا جيش لها.

ومن المحقق أن هذا الأصل شيء قد اقتنعت به الشعوب، ولكن تنفيذه قد يحتاج إلى وقت يطول أو يقصر، وقد تعترضه المصاعب، وتقوم في سبيله العقبات، ولكن الطبيعة منتهية إلى غايتها، ومحققة الحرية والمساواة بين الدول، كما حققت الحرية والمساواة بين الأفراد في كثير من البلاد الديمقراطية المتحضرة.

ويكفي أن نلاحظ أن الفرد القوي الغني ذا القوة والبأس، وذا السلطان والجاه لا يستطيع أن يعتدي في بلد متحضر على الفرد الضعيف الفقير الذي لا حظ له من قوة أو جاه، دون أن يجد من السلطان رادعًا له عن هذا الاعتداء قبل وقوعه، ومعاقبًا له على هذا الاعتداء بعد وقوعه.

فعلى هذا النحو، وعلى هذا النحو وحده، تفهم الشعوب ما ينبغي أن يقوم من العلاقات بينها في النظام الدولي. ولن تستطيع الشعوب أن تفهم أن تمتاز الدول الأربع، أو الدول الخمس بهذه العصمة التي تمنع الدول الصغيرة من أن تنتصف منها إن مستها بما لا تحب.

فإذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذه الدول الكبرى ذات الجيوش، وذات الأساطيل في البحر والجو، والدول الصغيرة التي لا تستطيع أن تثبت لها في ميدان الصراع المادي — أقول: إذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذين النوعين من الدول، فلن يصنع مؤتمر سان فرانسيسكو شيئًا، ولكنه سيقوي هذه الظاهرة التي أفسدت حياة الشعوب الداخلية، وجعلت تفسد الحياة الدولية نفسها، وهي ظاهرة الصراع بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات في الشعب الواحد، وصراعًا دوليًّا بين طبقات الدول القوية والدول المتوسطة والدول الضعيفة. وليس من أجل هذا كان ما كان من الحرب، وما احتملت الشعوب من أهوالها.

وإذن، فما عسى أن يكون موقفنا نحن من هذا كله؟ لست أدري ماذا سيتخذ الوفد الذي أُلف أمس أو أول أمس، ولكن الذي أعلمه، وأعتقد أنه وحده يلائم المصلحة، هو أن مصر الضعيفة الطامحة إلى الاستقلال الكامل لا ينبغي أن تتقيد بشيء مهما تكن الظروف إلا أن يكون استقلالها الكامل حقيقة واقعة بمأمن من كل اعتداء. والذي أعلمه وأعتقد أنه يلائم كرامة الوطن الكريم هو أن كلمة لا إذا قيلت في إبانها؛ تحمي الشعوب والأفراد والأجيال المقبلة من أخطار جسام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.