رغم أن التواصل الآلي يصطبغ بصبغة رسمية صارمة، إلا أنه يفتقر إلى اللباقة. عندما تتحاور أجهزة الكمبيوتر، فإنها تتخلَّى عن الكِيَاسة، والتطرُّق إلى مواضيع جانبية تخص العائلة وأحوال الطقس، وكافة أشكال الخروج عن الموضوع الأصلي، وتلتزم بالبروتوكول بإصرار سيبدو على الأرجح في السياق البشري التقليدي أقرب إلى العنف. لا تتيح إمكانية التراسل في الوقت الفعلي متَّسعًا من الوقت للتفاصيل الصغيرة؛ فأي شيء يقلِّل من الكفاءة يهدِّد كفاءة شبكة الإنترنت؛ لذا يتعيَّن على المرء أن يدخل مباشَرةً في الأمر الذي يريد مناقشته، وأن يبقى في صلب الموضوع.

أشرت هنا إلى السياق البشري «التقليدي»؛ لأن هناك تساؤلًا حقيقيًّا بشأن الصلاحية المستمرة لهذا السياق فيما يتجه المزيد من الحوار البشري نحو دائرة التواصل العالمي في الوقت الفعلي. وبينما نكيِّف أنفسنا مع إيقاع الآلة، هل يمكننا أن نتحمل غياب الكِيَاسة؟ يناقش نيك بيلتون في إحدى المقالات التي نُشِرت مؤخرًا في صحيفة «ذا نيويورك تايمز» أن «الأعراف الاجتماعية تبدو غير ذات معنًى في نظر الأفراد المستغرقين في عالم التواصل الرقمي»، ويشير إلى إننا ندين لبعضنا بتعظيم كفاءة التواصل الشخصي فيما بيننا، بالتحول من الأسلوب التخاطبي القديم إلى الأسلوب الآلي الحديث؛ فما كان يميِّز الأسلوب المهذَّب في الماضي — استخدام كلمات مثل «مرحبًا»، و«تصحبكم السلامة»، و«عزيزي»، و«سيادتكم»، بل وحتى استخدام الاسم الأول والأخير — أصبح سمةً للفظاظة في وقتنا الحالي؛ لأن مثل هذه التفاصيل المعتادة «تُهدِر» وقت مُستقبِل الرسالة. بل والأكثر من ذلك — كما يشير بيلتون — تتطلب الحاجة إلى الكفاءة العظمى إضفاء لهجةٍ وأسلوبٍ محدَّدَيْن لكافة المحادثات؛ فلا يجدر بنا أن نسأل الطرف الآخَر عن التوقعات الجوية لليوم التالي ما دامت تلك المعلومة متاحة بسهولة على الإنترنت. ولا يجدر بنا أن نسأل شخصًا غريبًا عن الاتجاهات ما دامت متاحةً بسهولة في برنامج جوجل مابس، ولا يجدر بنا إجراء مكالمة صوتية طالما أن البريد الإلكتروني سيفي بالغرض، أو استخدام البريد الإلكتروني طالما أن رسالة نصية ستفي بالغرض. ويقتبس بيلتون قول بارتوند ثورستون: «لا أتحمل التواصل الذي لا حاجة له؛ لأنه يمثِّل عِبْئًا كما أنه مكلِّف.»

صُدِم التقليديون من مقال بيلتون؛ فكتب أحد القراء — والذي وصف بيلتون بأنه يعاني «اضطرابًا اجتماعيًّا» — يقول: «في الوقت الذي أثني فيه على جهود صحيفة «ذا تايمز» الواضحة للتواصل مع الأطفال، فإن الأمر يتخطَّى الحدود المقبولة عند إتاحة الفرصة لهم على صفحات الجريدة للتعبير عن آرائهم التي تشوبها كافة ملامح السماجة وغياب النضج التي تتصف بها فئتهم العمرية.» لكن بيلتون على حق؛ أظن أن معظمنا شعر بالضيق الذي يصاحب تسلُّم رسالةِ بريدٍ إلكتروني أو رسالةٍ نصيةٍ محتواها كلمة «أشكرك» فحسب! فتبدو الرسالة وكأنها مقاطَعة لا داعي لها، مزيد من إهدار الوقت في عالم لا يقدِّر قيمة الوقت.

لكن ثمَّة نقطة لا يفطن إليها أحدٌ في وجهة نظر بيلتون؛ فالسؤال المهم ليس «هل تغدو الكِيَاسة في المحادثات غير ضرورية، بل وحتى مزعجة؟» فإجابة هذا السؤال هي «أجل»، إنما السؤال المهم هو «ما دلالة أننا بدأنا نرى المجاملات الحوارية غير ضرورية، بل وحتى مزعجة؟» ما معنى أننا لا نتحمل «التواصل غير الضروري»، حتى عندما يشمل هذا أولئك المقربين إليك؟ وردًّا على بيلتون، أشار إيفان سيلنجر أنه من الخطأ أن تحكم على «آداب السلوك الاجتماعي» من خلال معايير الكفاءة؛ «فهي ترتبط في الواقع ببناء شخصية مفكِّرة وذات نزعة اجتماعية». ويسترسل سيلنجر قائلًا إن المطالَبَة بتواصُلٍ فعَّال من جانب الآخرين يعكس «رغبةً أنانية في إملاء شروط العلاقة». فثمة نوع من الاضطراب الاجتماعي عندما نبدأ في تقييم المحادثات عن طريق مدى اقتحامها لكفاءتنا الشخصية؛ إذ إننا نحوِّل تكوين العلاقات الاجتماعية إلى امتدادٍ للأمور الاقتصادية.

ومن الصعب أن نُلقِي باللوم على شبكة الإنترنت؛ إذ إن النزعة التي تطالِب بالكفاءة في حياتنا الاجتماعية تتكون منذ وقت طويل. وقد جاءت أفضل استجابة لبيلتون من تيودور أدورنو في كتابه «الأدب الصغير» الذي صدر في عام ١٩٥١:

في حين أن نُظُم الحياة العملية تدَّعِي أنها تفيد الإنسان، فإنها تخدم اقتصاد الربح كي تعوق الخصال البشرية، وكلما توغَّلت، تمكَّنت أكثر من القضاء على كلِّ ما هو رقيق؛ لأن الرقة بين الأفراد ليست سوى وعي بإمكانية إقامة علاقات دون أن يكون الهدف منها هو المنفعة … فإذا كان الوقت يساوي نقودًا، يبدو أنه من حُسْن الخلق أن ندَّخِر الوقت، لا سيما وقت المرء الخاص، وهذا البخل الشديد يبرِّره وضع الآخرين كذلك في الاعتبار. إن المرء بطبيعته صريح، وكل غطاء يُقحَم بين الأفراد في تعاملاتهم لهو تعكير لصفو أداء الآلة التي لا يمتزجون بها فحسب، وإنما يتوحدون معها في فخر.

وما الذي يفعله بيلتون وثورستون سوى أنهما يتوحَّدان مع آلة التواصل؟

لذا فإن التخلي عن اللباقة، ومعاملة بعضنا بعضًا ﺑ «لا مبالاة معتادة»، وإرسال رسائل «بدون عنوان أو توقيع»؛ فهذه جميعها كما يقول أدورنو: «أعراض عشوائية لمرض في التواصل.» وإذا كنا نضيق ذرعًا بالأحاديث غير المباشرة، وبالحوار الذي يتدفق دون أن يكون له غرض عملي، فإننا نتبنَّى وجهة النظر القائلة بأن «الخط المستقيم هو أقصر طريق بين فردين، كما لو كانا نقطتين».

وقد رأى أدورنو أن وراء التأكيد المتزايد على الكفاءة في التواصل الشخصي «قسوة» بازغة، ولكن قد يكون هذا مبالغًا فيه. لكننا نجازف فعلًا بتخدير قدرتنا الطبيعية على اللطف والكرم عندما نرى الثرثرة غير الهادفة والمجاملات غير الضرورية على أنها مجرد أعباء وتكلفة تهدر وقتنا الثمين. كتب بيلتون يقول: «في الرسائل النصية، ليس عليك أن تُعلِن من أنت أو حتى تقول مرحبًا.» وبالنسبة لأولئك الذين يتركز تفكيرهم على الكفاءة، قطعًا سيبدو أن هذا يمثِّل تقدُّمًا في وسائط المراسلة، لكن في هذه الحالة، قد يُنظَر إلى السماح لآلية التواصل بتحديد مصطلحات التواصل أيضًا على أنه تجسيد لما أطلق عليه أدورنو «أيديولوجية معاملة الناس كأشياء».

Conversation Points by Nicholas Carr. Rough Type. March 28, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.