إذا لم تكن قد سمعت من قبلُ عن دبور الجوهرة الزمردي، فدعْني أعرفك على صديقي الصغير هذا.

يعيش هذا الدبور (واسمه العلمي: أمبولِكس كومبريسا) المرحلة الأولى من حياته في صورة طفيل ينمو داخل جسد صرصور حي. يبدو الأمر في حد ذاته مروِّعًا بدرجة تستدعي الاهتمام، لكن الأشد ترويعًا وإثارة للاهتمام هو الطريقة التي يدخل بها الدبور جسد الصرصور منذ البداية؛ إذ يتعين على أمه أن تلعب دور جراح الأعصاب.

أمبولِكس كومبريسا.
أمبولِكس كومبريسا.

تبحث أنثى الدبور عن صرصور عائل، وتتربص به حتى تهاجمه وتغرس إبرتها في صدره لتحقنه بجرعة من سم يشلُّ حركته لبضع دقائق، ثم تسحب إبرتها كي تغرسها هذه المرة في رأس الصرصور لتحقنه مجدَّدًا بمزيد من المواد الكيميائية في موقعين من دماغه.

هذه العملية يترتب عليها تحوُّل الصرصور إلى جثة متحركة، فعندما تُشفى الضحية التي خاضت جراحة عصبية تعديلية من الشلل، تصبح غير راغبة في الهرب أو التعارُك؛ ومن ثَمَّ تسحب أنثى الدبور الصرصورَ من أحد قرنَيِ استشعاره وتقوده — مثل الكلب المربوط — إلى جُحر، وعندها تُلصق بيضة أسفل جسده ثم تغادر الجُحر وتغلقه تمامًا. وفي الظلام يقِف الصرصور بلا حراك بينما تفقس البيضة وتخرج يرقة الدبور وتمضغ جسده من الأسفل مُحدِثَة ثقبًا تتغذى عبره لبعض الوقت ثم تنزلق من خلاله إلى داخله. وفيما بعدُ تندفع خارج جسده حشرةً تامة النضج.

عكف فريدريك ليبرسات وزملاؤه في جامعة بن جوريون على دراسة دبور الجوهرة الزمردي لما يزيد عن عشرين عامًا، وما زالوا يكتشفون معلومات جديدة عنه. وقد نشروا مؤخَّرًا في دورية بلوس وان تفاصيل لم تكن معلومة من قبلُ عن الجزء الأكثر رعبًا من هجوم الدبور، وهو حقنه لدماغ الصرصور بعقاقيرَ تُحَوِّلُه إلى جثة متحركة.

لكي تدرك بالضبط مدى صعوبة هذه العملية، تخيَّلْ المجهود والإجراءات التي يحتاجها الأطباء من أجل حقن عقاقير معينة في دماغ بشري. هم يُجرون مسحًا دماغيًّا للمريض كي يحصلوا على خريطة ثلاثية الأبعاد لتشريح الدماغ، ثم يضعون رأس المريض في قفص، ويحفرون ثقبًا في الجمجمة كي يدفعوا عبره ببطءٍ أُنبوبًا إلى داخل الدماغ. ينجز الدبور العملية ذاتها في دقيقة تقريبًا، دون أن يحتاج أبدًا إلى إلقاء نظرة سريعة على المسح الدماغي لضحيته.

في بعض الأيام أتمنى لو كنت دبورًا من نوع دبور الجوهرة.
في بعض الأيام أتمنى لو كنت دبورًا من نوع دبور الجوهرة.

تُنجز أنثى الدبور هذا العمل الفذ عبر إبرتها غير العادية. يبلغ طول إبرتها ملِّيمترين؛ مما يمكنها من غرسها في عنق الصرصور ودفعها لأعلى وصولًا إلى الدماغ. يحوي طرف الإبرة مجموعتين من الصمامات، إحداهما تحوي مستلزمات وضع البيض، بينما تحوي الأخرى مستلزمات حقن السم. تتشابك الصمامات بطريقة اللسان والأخدود بحيث تستطيع الانزلاق فوق بعضها؛ مما يتيح للأنثى وضع البيضة أو استخدام نفس العضو في اللسع.

جزء من إبرة الدبور، تشير الأسهم الحمراء إلى نتوءات حساسة للَّمس على شكل أجراس، بينما تشير الأسهم السوداء إلى نتوءات حساسة للَّمس وللمواد الكيميائية على شكل قباب.
جزء من إبرة الدبور، تشير الأسهم الحمراء إلى نتوءات حساسة للَّمس على شكل أجراس، بينما تشير الأسهم السوداء إلى نتوءات حساسة للَّمس وللمواد الكيميائية على شكل قباب.

اكتشف العلماء كذلك أن إبرة اللسع مرصَّعة بنتوءات صغيرة، بعضها على شكل أجراس والأخرى على شكل قباب. يتمتع كل نتوء جرسي الشكل بعصب حساس للَّمس ينتهي بداخله، بينما تتميز النتوءات التي على شكل قبة بعصب حساس للَّمس ينتهي بأربعة أو خمسة أعصاب حساسة للمواد الكيميائية.

من أجل تحديد وظيفة تلك النتوءات وضع العلماء أقطابًا كهربائية داخل جهاز الدبور العصبي، ثم دفعوا إبرة اللسع تجاه كتل مطاطية تحاكي دماغ الصرصور. تفجرت أعصاب الدبور بالنشاط عندما اندفعت النتوءات الموجودة على طرف إبرة اللسع تجاه الكتلة. تشير هذه الاستجابة إلى استخدام الدبور لإبرته كي يتحسس طريقه عبر دماغ الصرصور.

لاختبار صحة هذه الافتراضية، انتزع العلماء نتوءات إبرة اللسع من الدبابير ثم تركوها تهاجم صرصورًا. وجدوا عندئذٍ أن متوسط الوقت الذي أمضته الدبابير في تحسُّس دماغ الصرصور ارتفع بصورة جنونية من دقيقة أو أكثر بقليل إلى ما يقرب من ٢٠ دقيقة، وهو أمر متوقع؛ إذ عجزت الدبابير فجأة عن تحديد طريقها داخل دماغ الصرصور.

علاوة على ذلك، أجرى العلماء نوعًا آخر من التجارب؛ إذ قدموا لدبابير سليمة صراصيرَ معدَّلة بطرق متنوعة، إذ نزعوا أدمغة بعض الصراصير وتركوها برءوس فارغة، وفي حالات أخرى استبدلوا دماغ الصرصور بكتلة مطاطية (بعض الكتل كانت صُلبة والأخرى لينة). كذلك حقنوا دماغ بعض الصراصير بسم أوقف خلاياها العصبية عن العمل، بينما في حالات أخرى أدخلوا مقصًّا داخل رءوس الصراصير وقطَّعوا أدمغتها حتى أصبحت عجينة متجانسة.

وجد العلماء أن بعض تلك الصراصير المعدَّلة — وليس كلها — شكلت تحديًا للدبابير. فإذا لدغت أنثى الدبور صرصورًا دون دماغ قضت ما يزيد عن عشر دقائق تتحسس رأسه. كذلك تسببت الكتلة المطاطية اللَّيِّنة في تمديد الوقت الذي استغرقته الدبابير في لدغ الصرصور العائل، وبعد ذلك الكفاح الطويل سحبت الدبابير إبرتها مهزومةً دون أن تحقن ضحيتها بالسم الذي يحولها إلى جثة متحركة.

لكن عندما وجدت الدبابير كتلة مطاطية صُلبة — من ذات نسيج دماغ الصرصور — فإنها لم تستغرق سوى دقيقة في اختراق جسم الصرصور وبعدها وجد العلماء السم في رأس الضحية.

كذلك لم يلاحظ العلماء أي اختلاف عندما قدَّموا للدبابير صراصير دون نشاط دماغي؛ مما يشير إلى أن الدبابير لا تعتمد على استشعار النشاط الكهربائي كي توجِّه إبرتها. ومن ناحية أخرى، ارتبكت الدبابير عند التعامُل مع الصراصير التي قُطِّعَت أدمغتها، مما يشير إلى أنها لا تحتاج فحسب إلى تحسُّس دماغ الصرصور، بل تحتاج إلى تحسس مناطق مختلفة منه كي تحدد المكان الذي ترغب في الوصول إليه.

هذه النتائج مجتمعة تقدم صورةً لعضو حسي متطور على نحو استثنائي، وهو عضو غير مهيَّأ لإدراك حسي شامل، بل مهيأ خصوصًا من أجل التنقل داخل دماغ الصرصور عبر حاسة اللمس. رغم ذلك لا تزال القدرات الرائعة لهذا العضو الحسي المبهر تحتاج لمن يكشف النقاب عنها. فالدراسة الجديدة التي أجراها ليبرسات وزملاؤه لم تحدد الغرض من وجود النتوءات قبابية الشكل الحساسة كيميائيًّا.

هل تتذوق الدبابير دماغ الصرصور كي تتمكن من تحديد طريقها؟ هذا احتمال قائم، لكن ربما تزودها النتوءات القبابية بأنواع أخرى من المعلومات. يتكهَّن بعض العلماء باحتمال تذوُّق تلك النتوءات القبابية لسم الدبور ذاته أثناء إفرازه داخل دماغ الصرصور، بحيث يستطيع الطفيل التحكُّم بدقة في القَدر الذي يحقن به ضحيته (لكن ذلك من اختصاص علم الفارماكولوجيا العَصَبِيَّة‎). أو ربما في وسع أنثى الدبور تذوق نكهة يرقات الأنواع الأخرى من الحشرات الطفيلية، وفي تلك الحالة قد تهجر هذا الصرصور المصاب بحثًا عن عائل جديد سليم.

Crawling through the Brain without Getting Lost by Carl Zimmer. The Loom. February 27, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.