يقول القانوني الكبير الأستاذ حمادة الناحل، في خطابه تعقيبًا على ما كتبته عن مهرجان الشعر بدمشق: «… أنا معكم في وصف هذا الإقبال بأنه يعبر عن سليقة جميلة، وأنه شهادة جنسية عربية، وأنه أريحية عربية في الصميم، فلماذا لا تلقى المهرجانات الشعرية مثل ذلك في غير دمشق؟ أهو نقص في هذه السليقة؟ … أو هو عجز في قدرة الشعر والشعراء عندنا عن التعبير والتجاوب معها …؟»

وأقول للأستاذ الكبير: إن ملاحظته تتكرر في أحاديث الأدباء والصحفيين، وإنني خاطبت فيها فئة من قادة الصحافة عندنا، بعد الاحتفال بذكرى مطران منذ شهور، وإنني سمعت نقد الناقدين واجتهاد المجتهدين في التعليل والاعتذار، ولا بد أن يكون لهذا التساؤل أثره عما قريب.

ولست أعتقد أن الأمر يرجع إلى عجز شعرائنا عن التعبير والتجاوب؛ فإن هؤلاء الشعراء هم بأعينهم شعراؤنا في مهرجان دمشق، وشعراؤنا في معظم الحفلات.

ولكن البداوة والحضارة قد انفصلتا في وادي النيل منذ مئات القرون، ولا تزال الصلة بينهما تتجدد في الفيحاء والشهباء كل يوم وكل ساعة، وربما أضفنا إلى ذلك أن إحساس العصبية العربية بالخطر عليها أيام الحكم التركي المباشر كان أشد من هذا الإحساس في وادي النيل؛ إذ كانت غلبة التركية على العربية خطرًا بعيدًا لا يستثير العصبية ولا يستحضرها في كل مقام.

ولا ننسى — بعد هذا — أن الخصائص الفنية قابلة للتنويع بين أبناء اللغة الواحدة، وأن فن الغناء الشعبي من أقدم العصور كان من خصائص العامة والخاصة بين أبناء الوادي القديم إلى العصر الحاضر، ويلحق بالغناء توابعه من الأناشيد الشعبية التي تشيع على الأثر بعد كل حادث من الحوادث الكبرى في بلادنا، ويذكر الأستاذ من قبيل ذلك:

بلدي يا بلدي والسلطة خدت ولدي

وسلم على كوبري اسنا ضربنا الهوا نعسنا

ودنشواي الحزينة، وبورسعيد السعيدة، وبناء السد، ويوم الجد، وغيرها وغيرها من الأناشيد المألوفة منذ خمسة آلاف سنة إلى هذه الأيام.

فإذا كان انفصال البادية والحاضرة قد جعل للسليقة الفنية ترجمانها في هذه الأناشيد، فهي إذن سليقة حية يعرض لها التنويع من حقبة إلى حقبة، وتقبل الترجمة الصادقة بأقرب الفنون إليها، على حسب الدواعي والأوقات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.