ضمَّني مجلس كان بين حضوره مغنية للأوبرا الإيطالية بارعة، بديعة الصوت، ذائعة الشهرة، قضت عليها شهرتها ألا تستقر في مكان؛ فهي اليوم في ميلانو، وغدًا في القاهرة، وبعد أيام في فرنسا، أو في إنجلترا، أو في أمريكا الشمالية، أو في أمريكا الجنوبية، أو في أفريقيا الجنوبية. وقد ذكرت أنها أمضت عامًا كاملًا لم تستقر خلاله بمنزلها بإيطاليا غير عشرة أيام.

وفيما نحن نتداول الحديث، ويذكر أحدنا أنه يحب مهنته مهندسًا، ويذكر آخر أنه شديد التعلق بعمله في القضاء، قالت المغنية البارعة إنها كذلك شديدة التعلق بعملها … الغناء. وعلق أحد الحاضرين على قولها بأن الغناء هبة من عند الله؛ وهو لذلك ليس كالهندسة، أو الطب، أو القانون، أو ما إليها من سائر المهن والحرف. وابتسمتُ لما سمعت من ذلك وذكرت ما كنت أداعب به أمير الشعراء أحمد شوقي بك منذ أكثر من ربع قرن؛ إذ كنت أبدي له أعظم الإعجاب بشعره، ثم أردف هذا الإعجاب بأن فضله فيما يجود به خياله من الشعر كفضل النيل في فيضانه. الفيضان تمطره السماء بإذن الله، وشوقي يُلهَم شعره فينزل عليه كما ينزل المطر فيكون فيضانًا. ولست أدري أكان لهذه الدعابة أثر فيما قاله شوقي في إحدى قصائده:

وَتَرٌ في اللَّهاة ما للمغني

أيُّ فضلٍ في حُسنه وليانه

لكني ابتسمت يوم قرأت هذا البيت البديع، وخُيِّل إليَّ أن شوقي آمن معي بأن صاحب الموهبة لا فضل له فيها، وأنها تنزل عليه من عند الله فإذا هو الموسيقي البارع، أو الشاعر المبدع، أو الكاتب الملهَم، أو أيٌّ من هؤلاء الذين تَحْبُوهم الطبيعة بفيض من فضل الله لا تَحْبُو غيرهم بمثله، وأن الفضل فيما يصدر عنهم هو لذلك فضل الله يؤتيه من يشاء لخير الإنسانية كافة، لا لخير صاحب الموهبة وحده.

لكن المغنية البارعة التي سمعت عن موهبتها مثلما كنت أقوله لشوقي لم تتواضع تواضعه، ولم تقنع بهبة القدر إياها صوتها الملائكي، بل قالت: الصوت هبة لا ريب، لكنه لا يبلغ الكمال لأنه هبة وكفى، بل لا بد لكماله من جد متصل ودأب لا ينقطع، ولو أن الإنسان اكتفى بموهبته لما بلغ في سبيل الكمال خطوة، فأما الذين يبتغون الكمال فلا بد لهم من أن يهذبوا هذه الهبة ويصقلوها، ويداوموا على تهذيبها وصقلها، ذلك هو وحده الذي يجعل لما وهبهم الله قيمته، وما يجلوه للناس في خير صورة، فالجد والدأب لا بد منهما لكمال الهبة، وإلا علاها الصدأ، أو بقيت فطرية لا تتقدم.

وذكرت لقولها هذا كلمة للفيلسوف الفرنسي «أوجست كونت» يحفظها كثيرون، تلك قوله: «العبقرية فطرة في الصبا تنفذ حين الرجولة»، ثم ذكرت كذلك كلمة ﻟ «أناتول فرانس» يصف فيها الجامدين الذين لا يتقدمون، ويذكر أن حياتهم كحياة الحيوان؛ كلها تكرار وليست استمرارًا، وقلت في نفسي: صدقت هذه السيدة، إن مواهب الطبيعة إذا لم نداوم تعهُّدها بالصقل والتهذيب ومحاولة بلوغ الكمال، بقيت كالمعدن الخام لا تغني نفاسته عن صقله بعد فض الزيف عنه. فَهَبْكَ وَهَبَكَ الحظ منجمًا من ذهب، أتراك تفيد منه شيئًا بمجرد استخراجه من مكمنه، أم أنك يجب أن تتعهده بعمليات كثيرة متوالية قبل أن يلمع المعدن النفيس في يدك؟ والمعادن الخسيسة نفسها تحتاج إلى معالجة وتعهُّد، وهذا البترول يخرج من جوف الأرض مختلطًا بالقار أسود اللون لا يكاد يصلح لشيء، فإذا فُضَّ عنه ما خالطه خلص لك منه الكيروسين والبنزين، ولا أدري ماذا من هذه التي تجعل هذا المنجم يسيل نضارًا، بدل أن يسيل زيتًا وقارًا.

والأمر كذلك في مواهبنا الإنسانية؛ إذا لم تهذب وتصقل ولم نداوم على تعهدها وتوجيهها وجهة الكمال، كانت كهذا الخام يبرق من خلاله عرق الذهب، ولكنه يظل مختلطًا بالحصى والتراب. فأما إذا نحن تعهدنا هذه الموهبة وشعرنا طوال حياتنا بأنَّا لم نبلغ بها الكمال، وأنَّا يجب أن نديم الجهد لبلوغ هذا الكمال، فذلك هو الطريق إلى المجد، وإلى ذيوع الصوت، وإلى خدمة المجتمع وخدمة الإنسانية كافة.

تمر أمام ذهني وأنا أكتب هذا الكلام صور مما في الحياة يُضفي عليها أصحابها معاني الظلم أو العدل، والواقع أنها أدنى لأنْ تكون معاني الجمود أو معاني التقدم. يشكو موظف من أن زميله الذي تخرَّج معه في يوم واحد وحصل على الشهادة التي حصل عليها قد تجاوزه في الترقية عدة مراحل، وينسب ذلك إلى المحاباة أو إلى المحسوبية. وقد يكون ما يقوله بعد ذلك صحيحًا، لكنه يكون صحيحًا في الأقل النادر، أما في أكثر الأحيان فيكون زميله الذي تخرج معه وحصل على مثل مؤهله العلمي قد دأب بعد تخرجه وثابر على الدرس وعلى تهذيب نفسه وعقله، بينا اكتفى هذا الشاكي بشهادته التي حصل عليها، والتي شفعت له في الحصول على الوظيفة التي عُيِّنَ فيها، ثم بقي بعد ذلك مطمئنًّا إلى نفسه، لا يحاول الاستزادة من المعرفة، ولا من الدقة في الفرع الذي اختص فيه مكتفيًا بما يسميه أقدميته. والواقع أن الأقدمية وحدها ليست مقياسًا حساسًا للرُّقي في الحياة، وآية ذلك أن الذين يعملون في الحياة الحرة لا يتحدثون عن أقدميتهم، بل يتحدثون عن إقدامهم وعن مجهودهم وعن جسارتهم، وعن الجهد المتصل الذي بذلوه طول حياتهم في عملهم، فإذا كان هذا شأن الحياة الحرة، فما له لا يكون شأن الحياة في وظائف الدولة ما تحرى المسئولون العدل ولم يلينوا مع الهوى؟!

وأعود إلى حديث مغنية الأوبرا الإيطالية. فالمواهب التي لا يديم صاحبها تهذيبها وصقلها وتعهُّدها معرضة لأنْ تصدأ وتتعطل، وليست هذه المواهب قاصرة على ما يتصل بالفنون الجميلة كالغناء والموسيقى والشعر، ولكنها تتناول شئونًا كثيرة أخرى، فأنت ترى صانعَين يبدآن عملًا واحدًا، ثم إذا أحدهما قد تفوق فيه وبرز على صاحبه وعلى جميع أقرانه؛ وانتقل بذلك من صفوفهم إلى صفوف أعلى، حتى لقد يصل إلى الصف الأول في هذه الحرفة التي يزاول. هذا الصانع موهوب لا ريب، لكن الهبة وحدها لم تكن تسمو به إلى حيث يتخطى الصفوف واحدًا بعد الآخر ليصبح رئيسًا أو مديرًا للمصنع كله، ولكنه العمل المتصل لصقل هذه الهبة حتى تؤتي أكرم ثمراتها هو الذي أدى به إلى ما وصل إليه. وأنت لذلك في حِلٍّ من أن تقول إن القوة على العمل هبة لذاتها إذا اقترنت بهبة أخرى في ذكاء وحسن اتساق بلغت بصاحبها إلى أسمى مراتب الرُّقي.

واقتران العمل بالموهبة لتبلغ الكمال بعض سنن الكون. إنهم يُعلِّمون الناشئة في مبادئ الاقتصاد السياسي أن الإنتاج يفتقر إلى عوامل ثلاثة: الطبيعة، والعمل، ورأس المال. وإذا قدرنا أن رأس المال ليس إلا الثمرة المكدسة لنتائج الطبيعة والعمل، كان من حقنا أن نقول: إن هذين العنصرين: الطبيعة والعمل، هما أساس كل إنسان. والطبيعة هي كل ما في الكون من قوى فطرية تحتاج إلى العمل لتؤدي أغراضنا الإنسانية. وإذا كان الاقتصاديون يقصرون الطبيعة على الماديات: كالأرض، وما في باطنها من مناجم، فمن حقنا أن نقول إن كل ما تهبه الطبيعة للإنسان هو بعض هذه العناصر التي تحتاج إلى العمل لتنتج ثمراتها. وهذه المواهب التي نسميها العبقرية هي بعض هبات الطبيعة التي تعدل الهبات المادية، بل تزيد عليها أضعافًا مضاعفة، لكنها تحتاج كذلك إلى العمل والدأب فيه لتبلغ أسمى المراتب.

هذا كله واضح غاية الوضوح. ولو أننا أردنا أن نلتمس الأمثال على صحته لوجدنا العشرات والمئات حاضرة بين أيدينا. فعلينا — والحال هذه — أن نقدِّر أن العمل ومداومة الجد فيه أساس كل نجاح، وأن الذين يحسبون الأمور رهينة بالحظ وحده يُسيئون إلى أنفسهم، وإلى وطنهم، وإلى الإنسانية؛ فالعمل أول واجباتنا في الحياة، والحياة نفسها واجب قبل أن تكون حقًّا، وليس يجوز لإنسان أن يطمع في حق قبل أن يؤدي واجبه، وليس لموهوب أن يطمع في المكانة السامية التي تؤهله لها موهبته إلا إذا هذب هذه الموهبة وصقلها ليبلغ بها غاية الكمال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.