هي هذه التي اجتمعت حول صدقي باشا حين وثب إلى الحكم، وتفرقت عن صدقي باشا حين أنزل عن الحكم، وتجتمع الآن حول عبد الفتاح يحيى باشا؛ لأن أمور الحكم ألقيت إليه، وستتفرق غدًا عن عبد الفتاح يحيى باشا؛ لأن أمور الحكم ستصرف عنه.

كانت مستعدة في كل يوم لتأييد كل راقٍ إلى الحكم، وخذلان كل هاوٍ عنه، وهي مستعدة دائمًا لتصعد مع الصاعدين وتنهزم عن الهابطين. تتهافت على رؤساء الوزارات كما يتهافت الفراش على النار، ولكنها لا تحترق في هذه النار؛ لأنها قد أحرقت نفسها منذ زمن بعيد، فلم يبقَ منها ما يحرق، لكثرة ما اجتمعت وتفرقت، ولكثرة ما نصرت وخذلت، ولكثرت ما قامت وقعدت، في غير نفع ولا غناءٍ.

عصبة تذوب كلما نهض إلى الحكم رجل من هؤلاء الناس الذين يستمدون القوة من الشعب، ومن أنفسهم القوية، والذين يعتمدون في تصريف أمور الحكم على رضا الأمة وتأييدها، لا على هذه الدعائم المصطنعة المتكلفة التي لا قوام لها ولا ثبات. تذوب هذه العصبة وتستخفي حين ترد أمور الشعب إليه وحين ينهض رجال الشعب بتدبير أمور الشعب، تذوب أو تستخفي في دورها، لترافق فيها هذه الأحزان المرة، التي تملأ قلوب العاجزين، وهذه الأحقاد الممضة التي تحرق نفوس الذين لا يستطيعون أن ينهضوا بشيء، ولا أن يسعوا في شيء، ولا أن يغنوا عن أنفسهم إن تركوا لأنفسهم. وإنما هم هكذا حمل ثقيل، يظل ملقًى حيث هو إلى أن يأتي من يتكلف حمله ليوهم الناس أنه قوي ويخيل إلى الناس أن له أعوانًا وأنصارًا.

تستطيع أن تستقصى الوزارات التي نهضت بأمور الحكم في مصر منذ كانت الثورة، فسترى هذه العصبة مستخفية، منحلة، ضعيفة، كلما ظهرت الأمة ونهضت بأمورها في ظل الحرية الصحيحة، والقانون الذي ترعى حرماته وتنفذ أحكامه، في غير اعوجاج ولا التواء. وستجد هذه العصبة ظاهرة بارزة تركب أعناق الناس، وتنتحل لنفسها، أو ينتحل لها سادتها، ما شاء الله من الأسماء والألقاب، من الوسائل والأسباب، على حين تؤخذ الأمة بما لا تريد، وتكره على ما لا تحب، وتصبح الحريات ألفاظًا لا تدل على شيء. على هذه العصبة اعتمد صدقي باشا حين وقف من أمته موقف الخصم العنيد، فغير من أمورها ما غير، وبدل من شئونها ما بدل، وأمطر عليها وابلًا من هذه الآلام التي ما تزال تشقى بها إلى الآن. وقد طال العهد بصدقي باشا في الحكم، فغره الغرور بنفسه وبعصبته حتى ظن أنه رئيس حزب، وحتى ظنت عصبته أنها حزب، وكانت الأيام تقيم الدليل في أثر الدليل، والحجة في أعقاب الحجة، على أن هذه العصبة التي كانت تلتف حول صدقي باشا — لأنه لفها حوله — لم تكن حزبًا يؤيد وينصر، وإنما كانت عصبة تنتفع وتستفيد. وما رأيك في قوم لم يقولوا لرئيسهم قط: أخطأت! على كثرة ما أخطأ، ولم ينكروا على رئيسهم قط شيئًا، على كثرة ما أتى مما يستحق الإنكار؟! وإنما كان الرجل يقول فيسمعون، ويأمر فيطيعون، ويخطئ فيقولون: أصاب! ويسيء فيقولون: أحسن! وكان هو يظن أن هؤلاء هم الأنصار والأعوان، وأن انقيادهم له واستسلامهم لسلطانه هو النصر والتأييد وأن اندفاعهم معه فيما يندفع فيه مظهر من مظاهر قوته، وآية من آيات بأسه وسلطانه، حتى خُيِّل له أنه زعيم، وحتى خُيل له أن له حزبًا كما أن لغيره من الزعماء أحزابًا.

ولولا أن السلطان يُطغي بعض النفوس، ويذهلها عن الحق، ويسحرها بالباطل، لعرف صدقي باشا من أصحابه هؤلاء حين جمعهم حوله، ما كان يعرف منهم حين كانوا يجتمعون حول غيره من الحكام، ولرتب صدقي باشا أموره على أنه رجل فرد لا مؤيد له ولا ناصر، إلا أصدقاؤه الإنجليز. ولرتب صدقي باشا أموره على أن هؤلاء الذين يلوذون به، ويفنون فيه، لا يلوذون بشخصه ولا بمبدئه — إن كان له مبدأ — وإنما يلوذون بهذا السلطان الذي يصرفه ويشرف عليه. ولكن صدقي باشا نسي قصة هؤلاء الناس، مع الذين سبقوه إلى هذا النوع من الحكم، وظن أنهم سيسيرون معه سيرة خاصة لم يسيروها مع أحد قبل؛ لأن صدقي باشا كان يؤمن بنفسه، ويسرف في الإيمان بها، ويرى أنه شخص ممتاز، ليس كغيره من الرؤساء الذين حكموا مصر على غير هوى مصر. ويرى أن لحديثه العذب، ووجهه الطلق، وابتسامته الساحرة، ووعوده الخلابة تأثيرًا في النفوس لم يكن، ولن يكون لأحد قبله أو بعده.

وكذلك عاد الرجل من أوروبا بعد أن سبقه النذير إلى مصر بأنه سيستقيل، وقدر الرجل أن هذه القوة الهائلة العنيفة التي خلقها خلقًا وجمع أجزاءها من كل صوب، ستمده بالتأييد وتنفحه بالنصر، وتفرضه على الحكم فرضًا؛ فأقبل متكبرًا متجبرًا، يمد إلى الحكم عينًا، ويغمض عن الحكم عينًا. وأصحابه يظهرون له المودة، ويعلنون إليه التأييد؛ فيظن ذلك منهم صدقًا وإخلاصًا، وحبًّا لشخصه الكريم، ولا يقدِّر أن القوم إنما كانوا يخشون ويأملون: يخشون أن يبقى؛ فهم يظهرون له التأييد ليأمنوا غضبه، ويأملون أن يبقى؛ فيظهرون له التأييد انتظارًا لرضاه ونفعه. حتى إذا كان ما لم يكن منه بد واستقال الرجل أو أقيل، ظهرت السرائر، وبانت الدخائل، وأعلنت الطبائع عن أنفسها، وصرحت الضمائر عما خفي فيها، ونظر صدقي باشا فإذا هو وحيد فريد، لا ناصر له ولا معين، وهمَّ صدقي باشا أن يذكر الحزب لخليفته، فراعه ما سمع من خليفته حين قال له: إن هذا الحزب — حزب رئيس الحكومة — قد كان لك أمس، وهو لي منذ اليوم.

وكان صدقي باشا خليقًا أن يعلم هذا كله، ويؤمن به، ولا يتعلمه من خليفته، ولكن الحياة الدنيا غرور، والسلطان مذهل للنفوس، مضلل للعقول. ولم يتم صدقي باشا شهرين اثنين بعيدًا عن الحكم حتى استيقن أنه سيقال من الحزب، إن لم يستقل، كما استيقن من قبل أنه سيقال من الوزارة إن لم يستقل، فأسلم أمره إلى الله، واستقال من رياسة حزب الشعب، كما أسلم أمره إلى الله، واستقال من رياسة الوزراء، وعاد إلى داره فريدًا كما كان فيها قبل أن يثب إلى الحكم. ولكنه عاد هذه المرة متعبًا مكدودًا قد أضناه ذلك الجهد الضائع المسيء، وأنهكه ذلك العناء الذي أنفقه في غير خير.

نعم، وعاد إلى داره في هذه المرة مثقلًا بهذه الأعباء العنيفة التي احتملها أكثر من ثلاثة أعوام، والتي سيحتملها إلى آخر أيامه، والتي تتألف من كل تلك الإساءات التي قدمها إلى أمة أحسنت إليه، وكانت تنتظر أن يحسن إليها، أو كانت تنتظر ألا يسيء إليها على أقل تقدير. عاد إلى داره مريضًا مثقلًا متعب الضمير، مروع القلب تمر أمامه في اليقظة والنوم هذه الصور البشعة؛ صور الندم واليأس، والحزن والأسى، والعجز المطلق عن إصلاح ما مضى واستدراك ما فات. وانصرفت عصبته عنه إلى خليفته؛ تنظم أمرها من حوله: أتنتخبه رئيسًا؟ وكيف تنتخبه رئيسًا؟ أتمنحه رياسة موقوتة؟ أم تجعله رئيسًا إلى آخر الحياة كما جعلت صدقي باشا من قبله رئيسًا إلى آخر الحياة؟!

ليس شيئًا ما لقيه صدقي باشا من هذه العصبة، فهو لا يجني إلا ثمرة ما غرس، وهو قد أقدم على تأليف هذه العصبة وهو يعلم حق العلم ما يقدم عليه. ولن يكون شيئًا ما يلقى عبد الفتاح يحيى باشا من هذه العصبة يوم يدع الحكم وتتفرق عنه عصبته؛ فإن عبد الفتاح يحيى باشا خليق أن يعتبر بما أصاب الرؤساء من قبله، حين اعتمدوا على أمثال هؤلاء الذين يريد أن يعتمد عليهم، وحين اغتروا بهم وبأنفسهم، فظنوهم أعوانًا وأنصارًا، وظنوا أنفسهم قادة وزعماء. إنما الشيء الذي يثير الحزن حقًّا، ويملأ قلوب المخلصين لهذا البلد لوعة وأسًى، وإشفاقًا على سمعته، أن تقوم في مصر عصبة منظمة على هذا النحو، تسمي نفسها حزبًا سياسيًّا، وتتكلف سيرة الأحزاب السياسية، وينظر بعض الناس إليها كما ينظرون إلى الأحزاب، وتظهر بهذا المبدأ الخطر الذي لا ينبغي أن يقبل في بلد له حظ من التربية السياسية؛ وهو أنها حزب يؤيد رئيس الوزارة مهما يكن لأنه رئيس الوزارة وكفى! قيام هذا النوع من الأحزاب فضيحة سياسية، وفضيحة خلقية في وقت واحد. فضيحة سياسية؛ لأنها تصور جماعة من المصريين في هذه الصورة المنكرة، صورة الذين لا يفهمون من الأحزاب السياسية إلا طاعة الحاكم وتأييده والفناء فيه. على حين يجب أن تفهم الأحزاب السياسية فهمًا مخالفًا لهذا كله أشد الخلاف. على حين يجب أن تكون الأحزاب السياسية قوة غايتها الأولى والأخيرة تقويم الحكام سواءً أكانوا منها أم لم يكونوا. على حين يجب أن تكون الأحزاب السياسية قوة تقدر أنها ستقف موقف المعارضة، أكثر مما ترقى إلى مناصب الحكم. وفضيحة خلقية؛ لأنها تصور جماعة من المصريين في صورة الذين يضعون المنافع العاجلة الزائلة الخاصة في المرتبة الأولى، ولا ينظرون إلى المنفعة العامة الباقية إلا من وراء أشخاصهم وما يحيط بأشخاصهم من الظروف. لو أن هذا البلد يستمتع بحريته حقًّا، لو أن هذا البلد يقضي في أموره حقًّا؛ لما استطاعت هذه العصبة أن تنظم نفسها على هذا النحو، ولا أن تجهر بسيرتها على هذا النحو، ولا أن تقدم نفسها إلى صدقي باشا حتى إذا انصرف الحكم عنه قدمت نفسها إلى خليفته.

ومن يدري لعل الله أن يرفق بهذا البلد فيعصمه من أن تقوم فيه مثل هذه العصبة، ومن أن يوصم بعض أهله بمثل هذه الوصمة في السياسة والأخلاق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.