كنا نقرأ قبل الحرب العالمية الأخيرة تعاريف للحرية نعتبرها من البديهيات التي لا تحتاج إلى بحث أو تحليل، ولعل كثيرين ما يزالون يذكرون تعريفًا كان الناس يتداولونه على أنه حقيقة مقررة، وما يزال الناس في بعض الأمم يذكرونه إلى اليوم، ويرون فيه من الحق شيئًا كثيرًا؛ ذلك أن الحرية تتلخص في أن يفعل الإنسان ما يشاء على ألا يعتدى على حرية غيره. في هذه الدائرة له أن يفكر كما يريد، وأن يعمل كما يحلو له. هو ملك نفسه، ومن ثَمَّ كان له التصرف في نفسه بما يشاء، ومَا دَخَلَ في ملكه صار من حقه، وله أن يتصرف فيه بما يشاء، لا حدَّ لتصرُّفه هذا إلا حرية غيره، فليس يجوز أن يصيبها من جرَّاء تصرُّفِه مساس؛ لأنه حرم مقدس، كما أن حريته هو حرم مقدس.

ولقد دقق الكُتَّاب والفلاسفة في تحديد هذا التعريف. ذكر هربرت سبنسر — وكان من أشد المدافعين عنه — أن الذي يسير في الطريق فيشم بنزين سيارة يجري بها غيرُه يفقد من حريته بمقدار ما يدخل خياشيمه من هذا البنزين، وكان من الأمور المتفق عليها قانونًا أن للمالك من حرية التصرف في ملكه ما يبيح له أن يفسده أو يعدمه. ونظرية الحرية في العقود من النظريات التي لم تكن تعرف حدًّا من الحدود، وما يذكر اليوم من حدود الآداب والنظام العام كان غير معترف به في هذا الباب إلا على أنه استثناء وشذوذ يجب أن يطبق في دائرة الشذوذ والاستثناء. ولما كانت قوانين التملك والتعامل مقدسة إلى ما قبل الحرب العالمية، فقد بقي هذا التعريف للحرية مقدسًا هو الآخر في نفوس الناس جميعًا، خلا نفوس أولئك الثائرين الذين كانوا ينادون بالمبادئ الاشتراكية وما إليها، والذين لم يُتَح لهم في الحياة العملية حظٌّ يُذكَر من النجاح، وإذا قلنا النجاح قصدنا به تولي الأمر لتطبيق المبادئ على الجمعية بوجه عام.

على أن هذا التعريف للحرية وحق الفرد في التصرف المطلق بدأ ينكمش بعد الحرب العالمية، وبدأ الناس ينظرون للحياة الفردية وللحياة الاجتماعية بعين غير التي كانوا ينظرون بها من قبل، ويرجع السبب في ذلك إلى انهيار المبادئ التي كانت مقرَّرة للتملك وتوزيع الثروة، والتي كان معمولًا بها في أنحاء العالم كله على أنها المبادئ المتفقة مع سنة الطبيعة، والكفيلة بتحقيق أكبر حظٍّ مستطاع من النعمة للإنسان. من يومئذٍ جعل الناس يفكرون في مقاييس جديدة للحياة تنتظم شئون الفرد وشئون الجماعة وهم ما يزالون مختلفين، وما يزال خلافهم يؤدي إلى الاضطراب والثورة المسلحة حينًا والكمينة حتى تتسلح حينًا آخر.

ويجمل بنا إذا أردنا أن نعرف الأسباب التي أدت إلى انهيار هذه التعاريف للحرية أن نذكر أن التعاريف لا تزيد في الحياة الاجتماعية على تصوير الواقع، وترتيب النتائج التي تسمح بها حياة الجماعة في حدود هذا الواقع، وسيظل الأمر كذلك ما بقي العلم الاجتماعي وقوانينه أدنى إلى الفن منه إلى العلم، وما دمنا لا نستطيع أن نحدد سنن العلم الاجتماعي بالدقة التي نحدد بها سنن الطبيعة الثابتة، وإن قومًا ليذهبون إلى أننا لن نستطيع أن نحدد سنن الاجتماع بمثل هذه الدقة؛ لأننا لن نستطيع — وإن حاولنا — أن نُخضِع الاجتماع للملاحظة الموضوعية المجردة من كل عقيدة أو هوى ذاتي؛ فالعقائد والأهواء بعض غرائزنا الذاتية، والعقائد والأهواء من آثار الاجتماع ومن موروثاته، وهي من ثَمَّ بعض سنن الاجتماع، فمن العسير علينا أن ننظر إليها ونحن بعيدون عنها كما ننظر إلى الأفلاك والأجرام، ومن العسير كذلك علينا أن نثبت لها سُنَنًا لا تتغير نحن خاضعون لها بتغير نظرنا وملاحظتنا بتغيرها.

على أننا مع ذلك بحاجة إلى التماس ما يتصل بهذه السنن مما يكيف حياتنا الفردية والاجتماعية لنفيد من الحياة خير ثمراتها الروحية والعقلية والمادية، ودأبنا في التماس المعرفة هو بعض هذا الخير، وتتبُّع ما ظنَّته الإنسانية حقائق في مختلف العصور، وما وضعت له التعاريف على أنه حقائق بعضُ ما يدنينا من هذه المعرفة، فلنلتمس على هدي هذه التعاريف معنى للحرية الإنسانية غير ما ألفناه، وغاية ما نطمع فيه أن يتفق هذا المعنى وصورة الواقع في زمننا، وأن يكون له نظائر في الماضي تؤيد ثباته، وتجعل له شيئًا من الصحة عند من يخلفنا.

ويُخيَّل إليَّ أن الحرية الإنسانية في أحسن صورة لها تنحصر في أن يكون الكلام أداة الناس إلى التفاهم والنضال والغلب، وإلى تقدير ما يعتقدونه الخير للفرد والجماعة، وفي إذعان المغلوب بسلطان الكلام بعد أن تلزمه الحجة كإذعان المغلوب بالقوة المادية والحيوانية، وبعبارة أخرى: ألا يلجأ الإنسان في النضال الإنساني إلى غير السلاح الإنساني … إلخ، وهو الكلام. فمن التعاريف التي حفظها الناس: أن الإنسان حيوان ناطق، نطقه أثر من آثار تفكيره، فإذا هو اقتصر على أن يجعل النطق سلاحه في الحياة كما يجعل الحيوان نابه وظفره وقوة عضلاته سلاحه في الحياة، فهذه غاية الحرية. أما إذا ما لجأ الناس في نضالهم إلى الأسلحة المادية والحيوانية، فقل على الحرية السلام؛ لأن الحرية تصبح كلمة يحترمها الناس ما لم تعارض هواهم، فإن عارضت هذا الهوى نزعوا ثوب إنسانيتهم، وانقلبوا حيوانات تناضل بالظفر والناب، أو بما تناضل به الحيوانات ذات الظفر والناب من سيوف ومفرقعات وغازات وما إليها.

إلى أن يستطيع الناس أفرادًا وجماعات وأممًا أن يجعلوا الكلام أداتهم إلى التعامل في الحياة، وأن ينبذوا القوة الحيوانية والقوة التي يناضلون بها الحيوان كأداتهم في التعامل، فستبقى الحرية اسمًا شعريًّا يختلف الناس على مدلوله، ويحدده الخيال أكثر مما يعرف الناس له حدودًا في الواقع. فالحرية يحميها القانون كما يقولون، لكن القوانين إنما يضعها القوي وينفذها بقوة السلاح، وهو يحترمها بمقدار ما يستطيع الآخرون مقاومته إذا اعتدى عليها، فإذا ضعفت المقاومة نفذها على هواه، ووضع قوانين غيرها، ووجد لتسويغ وضعها منطقًا. يصدق ذلك على أفراد الأمة الواحدة في تعاملهم، فالقوي يملي إرادته حين التعاقد مع الضعيف كما يشاء، ويصدق على الهيئات المختلفة في الأمة الواحدة حين يضع الأقوياء ذوو الغلبة التشريع الذي يرونه كفيلًا ببقاء غلبتهم، ويصدق على الأمم في معاملاتها حين يقهر القوي الضعيف باسم تحضيره أو بأي اسم آخر.

والإنسانية اليوم في مرحلة من مراحل حياتها غلبت فيها الحيوانية، وأصبحت لقوة الأذرع والمدمرات الكلمة الأخيرة. فهذه الثورات الأهلية التي ما فتئت تقوم منذ الحرب، وهذه الحروب بين الأمم على رغم عهد العصبة التي أنشئت باسم عصبة الأمم لضمان السلام، وهذا الاضطراب فيما يسمونه التوازن الدولي، وهذا كله نذير بأن الإنسانية ما تزال بعيدة عن أن تحتكم إلى العقل وإلى حجته ومنطقه، وما تزال حيوانيتها أشد غلبة عليها من إنسانيتها؛ لذلك كانت حريتها حرية حيوانية، وكان حديثها عن الحرية حديثًا حيوانيًّا، وكانت المعاني الإنسانية للحرية ما تزال ألفاظًا يتخذها أصحابها ستارًا لأغراضهم الحيوانية.

وأنت واجد دليلًا على ذلك في فهم الناس معنى الحرية، فالحرية عندهم مادية حيوانية بحتة، وأيضًا أن يأكل أحدهم ما يشاء، ويشرب ما يشاء، ويلعب كما يشاء، ويتملك قدر ما يشاء. أما الحرية الفكرية، وأما حرية العقيدة، فكلام يقولونه ولا يكادون يسيغونه، وهم لذلك يحاربونه بكل وسائل الحرب المادية مسلحة وغير مسلحة، والرأيُ والعقيدة عندهم يجب أن يتصلا بمصلحةٍ أو سلطان، فأحدهم لا يرى الرأي لغيره أو للجماعة أو للإنسانية كلها، قبل أن يفكر فيما يجره هذا الرأي من خير، وقبل أن يفكر في وسيلة تغليب هذا الرأي بالقوة المادية إن عجز عن تغليبه من طريق الحجة والإقناع، بل هو يتخذ الحجة وسيلة لتأليب القوى المادية على أنها أدنى الوسائل إلى إلزام الحجة، وإذا كانت صورة السيف في قول أبي تمام: «السيف أصدق أنباء من الكتب» قد أصبحت لا تصف حياة عصرنا بطياراته ومفرقعاته، فما يزال هذا المعنى صاحب السيادة في الإنسانية، وما تزال القوة المادية صاحبة الكلمة الأخيرة.

إذا أدت أن تكون حرًّا في هذا العالم الإنساني الذي نعرفه، فكن إذن قويًّا، ولتكن قوتك المادية حاضرة دائمًا إلى جانب حجتك الكلامية لتنصرها، حجتك الكلامية قوية بها، ضعيفة من غيرها، ولكن لا تتكلم، إذا كان هذا رأيك عن حرية الآخرين، وإذا تحدثت عنها على أنها سخرية يجب أن يؤمنوا بحقيقتها في كنفك أنت، وهم لا يأبون هذا الإيمان إذا رأوا القوي يطعمهم ويُكسِيهم. فهم بعدُ أدنى إلى الحيوان منهم إلى الإنسان، والطعام عندهم كل شيء، والمعدة عندهم باب العقل ومصدر الإيمان.

هذه حرية رخيصة، لكنها حرية هذا العالم الذي نعيش فيه، فأما الحرية الصحيحة فهي التي صورتها من قبل، هي الحرية الإنسانية التي تجعل من الكلام أداةَ التعامل الإنساني، فإذا وصلت الإنسانية إلى هذا الإدراك لمعنى الحرية كان للحرية معناها الصحيح.

أما إلى يومئذٍ فالحرية كلمة متغيرة المدلول مضطربة الحدود، وحدودها القانون الذي يضعه الأقوياء، وقوامها لذلك القوة المادية التي تؤازر الحجة والبرهان وتجعل من ضعفها قوة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.