يظهر أن شعبنا المصري يحب الوزارة حبًّا جمًّا، ويؤمن بها إيمانًا لا حد له، ويمنحها ثقة لم يمنحها وزارة من قبل، ويوليها اطمئنانًا لم يوله أحدًا من قبل، فإذا قالت له الوزارة: افعل، لم يتردد في الطاعة والإذعان، وإذا قالت له الوزارة: لا تفعل، لم يتردد في الامتناع والانتهاء، بل هو يمضي في حب الوزارة والإعجاب بها، والإيمان لها إلى أبعد من هذا الحد، إلى حد لم تكن الوزارة تنتظره ولا ترجوه، إلى حد لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر، فهو يتحسس نية الوزارة، ويتبين مع الجهد والمشقة ما ستريده في المستقبل القريب أو البعيد؛ لتنفيذ إرادتها، وما ستأباه في المستقبل القريب أو البعيد؛ ليسبق إلى الامتناع والانتهاء، فيريحها بذلك من مشقة الأمر والنهي، ويحط عنها ثقل العمل وأعباء التبعة، ويتيح لها أن تستريح.

لا تأتي من الأمر إلا أن تفكر فيما تحب، فإذا الشعب يحبه معها، بل يسبقها إلى الحب، وفيما تكره، فإذا الشعب يكرهه معها، بل يسبقها إلى الكره. وهذا فيما نعتقد أعظم ما يمكن أن تبلغه الوزارات من ثقة الشعوب وتأييدها، ومن رضا الشعوب وإيمانها، وما نعلم أن وزارة ظفرت بمثل هذا الحب من الشعب منذ وجدت الوزارات، ومنذ عرفها التاريخ، وما نظن أن وزارة ستظفر بمثل هذا الحب في بلد من البلاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ومصدر هذا الحب الرائع، الذي لا نظير له فيما كان، ولا فيما هو كائن، ولا فيما سيكون، هو في أكبر الظن أن وزراءنا جميعًا رجال طيبون، لا تضمر قلوبهم للشعب إلا حبًّا ونصحًا، ومودة وإخلاصًا، ولا يقصدون حين يقدمون على شيء أو يحجمون عن شيء إلا إلى تحقيق إرادة الشعب كاملة، ورفع رأس الشعب عاليًا، وحفظ كرامة الشعب موفورة، عرف الشعب منهم ذلك مرة، ومرة، ومرة، آمن لهم، واطمأن إليهم، وألقى إليهم القيادة وقال لهم: سيروا بي حيث شئتم، فأنا لكم تابع، وافعلوا بي ما شئتم؛ فأنا لكم مذعن، ومروني بما شئتم؛ فأنا لكم سامع مطيع.

ولعلك من الذين يجحدون البديهيات، ويشكون في الأوليات، ولا يؤمنون بما آمن به الناس جميعًا، ولا يصدقون بأن الشمس طالعة، وإن كان ضوءُها يبهر الأبصار، وإن كان حرها يصهر الأجسام، وإنما تلتمس الدليل فيما لا يحتاج إلى الدليل، وتسأل عن الحجة فيما لا يفتقر إلى حجة، لعلك من هؤلاء الوفديين الذين لا يزالون يظنون أن الشعب لا يحب الوزارة، ولا يطمئن إليها، ولا يستجيب لها إذا دعت، ولا يسمع لها إذا قالت، فإذا كنت من هؤلاء، فقد تستطيع أن تسمع لهذا النبأ العجيب، وأن تتعظ به، وأن تقنع نفسك بأن أيام الوفديين قد انقضت، وبأن نجمهم قد أفل، وبأن ليس لهم في البقاء السياسي أي مطمع.

زعم رئيس الوفد وأصحابه أعضاء الوفد أن من حقهم أن يدعوا إلى مؤتمر وطني يعقدونه في الشهر المقبل، وأعلنوا رأيهم هذا، فلم يحفل بهم أحد، ولم يلتفت إليهم أحد، ولم يتقدم أحد للاشتراك في هذا المؤتمر الذي لا يريدون أن يدعوا إليه إلا نفرًا قليلًا جدًّا لا يبلغون أصابع اليدين، فهم عشرة آلاف، أو هم كانوا عشرة آلاف منذ أسبوع، ولو كان الوفد مسموع الكلمة الآن كما كان مسموع الكلمة من قبل لأسرع الناس إلى مؤتمره إسراعًا، ولما انتهى المستجيبون لدعوته إلى هذا العدد اليسير الضئيل الذي لا يغني شيئًا، ولا يدل على شيء، والذي لا يحصى بالعشرات، ولا يحصى بالمئات، وإنما يحصى بالألوف.

ومصدر هذا الإعراض عن الوفد، والتنكر له، أن الشعب قد علم بأن الوزارة لا تحب الوفد، فمحا حب الوفد من قلبه محوًا، وأن الشعب قد سمع بأن الوزارة لا تحب المؤتمر الذي يدعو إليه الوفد، فزهد في هذا المؤتمر زهدًا، ولم يرسل إليه إلا عشرة آلاف.

ولعل هذا الدليل لا يقنعك، فإليك دليلًا آخر أبلغ منه في الدلالة، وأقدر منه على الإقناع، فقد نشرت صحف وزارية أن الوزارة تفكر في أن تمنع اجتماع المؤتمر بغضًا له، وإشفاقًا منه على الأمن طبعًا، فلم يكد الشعب يتبين رأي الوزارة هذا، ويسمع بأن الوزارة قد تريد منع اجتماع المؤتمر، حتى سبق إلى تحقيق إرادتها، والاستجابة لدعائها، فزاد إعراضه عن المؤتمر، واشتد قعوده عنه، وتلقى سكرتير الوفد في يوم واحد ألفي طلب للانضمام إلى المؤتمر والاشتراك فيه.

نعم، تلقى ألفي طلب في يوم واحد، بعد أن أشيع وأذيع أن الوزارة لن تسمح بانعقاد المؤتمر؛ فأي دليل على إخفاق الوفد أوضح من هذا الدليل؟ وأي حجة على فوز الوزارة أنصع من هذه الحجة؟ لو كان الوفد منتصرًا في هذه الأيام كما كان منتصرًا من قبل لتلقى سكرتيره في يوم واحد طلبين اثنين، أو عشرين طلبًا، أو مائتي طلب، ولكن الوفد منهزم ممعن في الانهزام، فلا تكاد الإشاعات تنبئ الناس بكره الوزارة لمؤتمر الوفد حتى يبطئ الناس عن هذا المؤتمر، فلا يتقدم إليه في اليوم الواحد اثنان ولا عشرون ولا مائتان، وإنما يتقدم إليه ألفان.

وستمضي الإشاعة في الترويج لبغض الوزارة للمؤتمر، وسيمضي الناس في السبق إلى تحقيق إرادة الوزارة، وفي القعود عن المؤتمر، وسيتلقى الأستاذ الكبير مكرم عبيد، سكرتير الوفد، في كل يوم طلبات لا تعد بالآحاد، ولا بالعشرات، ولا بالمئات، وإنما تعد بالألوف، وسيحار الوفد في أمر هؤلاء المشتركين: أين يجمعهم؟ وكيف يجد المكان الذي يحتويهم؟ وسيؤمن رئيس الوفد آخر الأمر بما لا بد له من الإيمان به؛ وهو أن الشعب قد زهد فيه، وتفرق من حوله، ورغب في رئيس الوزراء والتف حوله، وأصبحت زعامة رئيس الوفد حديثًا من الأحاديث، ونبأ من الأنباء، وأصبحت زعامة رئيس الوزراء الرجل الطيب حقيقة واقعة لا تقبل شكًّا ولا مراء، يؤمن بها الإنجليز قبل أن يؤمن بها المصريون.

أتريد دليلًا آخر على انهزام الوفد وانقضاء زعامة النحاس؟ لقد اعترف النحاس نفسه بهذا الدليل، وسجل الهزيمة على نفسه تسجيلًا، فأنبأنا بأنه كان في كازينو سان ستيفانو ذات يوم، وكان رئيس الوزراء أيضًا في الكازينو، وكان الناس يحتفلون بعيد من أعياد الخير، فنظر النحاس ونظر الناس فإذا الشعب حول النحاس؛ لأنه يبغضه أشد البغض، ويرفض زعامته كل الرفض … وإذا الشرطة، والشرطة وحدها، حول رئيس الوزراء؛ لأن رئيس الوزراء هو الزعيم الأوحد، وهو الرئيس الجليل!

فلما كان الغد كان النحاس في الكازينو، وكان الشعب يحتفل بهذا العيد نفسه، وهم الشعب أن يلتف حول النحاس ليظهر له البغض، وليعلن إليه أنه رفض زعامته رفضًا، ولكن وزارة الرجل الطيب كانت طيبة مثله، فرحمت النحاس من هذا الخذلان، وأشفقت عليه من بغض الشعب، وفرقت الناس من حوله تفريقًا.

ما أشد حاجة جماعة من المصريين إلى مقدار يسير من الحياء، وإلى شعور يسير بما يحسن أن يقال وما لا يحسن أن يقال!

ألست ترى معي أن الوزارة إذا أمرت بشيء كان أمرها صدًّا للناس عنه، وإذا نهت عن شيء كان نهيها إغراء للناس به؟ ألست ترى معي أن ما أذيع من مكر الوزارة للمؤتمر قد أغرى الناس بهذا المؤتمر إغراء، ودفع الناس إلى الاشتراك فيه دفعًا؟ فكيف إذا أعلنت الوزارة حربها الشعواء على هذا المؤتمر؟

إن أحسن حرب تستطيع الوزارة أن تعلنها على خصومها، وعلى الوفد خاصة بين خصومها، هي ألا تحاربهم ولا تكيد لهم، ولا تظهر لهم بغضًا؛ فإن الناس قد عاهدوا أنفسهم وقلوبهم وضمائرهم أن يمضوا إلى اليمين إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى الشمال، وأن يمضوا إلى الشمال إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى اليمين …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.