جوهان ولفجانج فون جوتا أو جويتي الأديب الشاعر العالم الألماني، ربما كان بين الناس من بلغوا منزلته، أو بَذُّوه في النثر أو الشعر أو العلوم المختلفة أو النقد، ولكن لم يكن بينهم من بلغ شأوًا كبيرًا في كل هذه العلوم والآداب كشأْوه الكبير، ومنزلته العظيمة؛ ومن أجل ذلك كان عجيبة زمانه. وليس عظم منزلته في فن أو علم أو أدب واحد، ولكن عظم منزلته في تبريزه فيها كلها، وقد كان شعاره تكميل النفس بالثقافة من كل مصدر وباب.

وله في العلوم كشوف لم تكن معروفة من قبله، ولو أنه أخطأ في تخطئة نيوتن العالم الإنجليزي، وكانت له رسائل في النقد في الفنون المختلفة والآداب، وقصصه التمثيلية بعثت فن التمثيل في ألمانيا، كما أن قصصه غير التمثيلية مهَّدت السبيل لفن القصص. ومن الغريب أنه اشتهر بيننا بأقل مؤلفاته منزلة عند النقاد، وأعني قصة أحزان ورتر التي تُرجمت إلى العربية، وكان قد ألَّفها في شبابه في العهد الذي أسْماه عهد العاصفة والشدة. وله محادثاته لأكرمان، ومراسلاته لشيلر الشاعر، وترجمة حياته التي سمَّاها «الحقيقة والخيال».

ولكن القصة الشعرية التي اشتُهر بها في ألمانيا وبين الأدباء والمفكرين هي قصة «فوست»، والجزء الأول أسهل من الثاني، ولم يتم الجزء الثاني إلا بعد أن بلَغ الشيخوخة، وأودعه فكره وفلسفته في قالب شعري خيالي. وقد كان جوتا يعيب على شعراء الرمزية جعْل الشعر أوهامًا وأضغاث أحلام لا حقيقة تحتها، ومع ذلك فقد لجأ إلى الرمزية للتعبير عن الحقائق التي كما قال: لا تُصوَّر إلا بها. ولم يكن يعيب الرمزية فحسب، بل كان يعيب المذهب الخيالي «الرومانتيكي».

وقد لفتَه صديقه شيلر إلى ما في شعره من هذا المذهب، ولا غرابة فإن من كانت نهمة بحثه وفكره وخياله لا تشبع، ربما لجأ إلى هذا المذهب. ولعل إمرسون الأديب الشاعر الأمريكي قد كان يعني ذلك في قوله: إن جوتا وصل في بحث ما يمكن عرفانه إلى حدود المجهول، ثم خطا خطوة وراء تلك الحدود وعاد سليمًا. وهذه مبالغة طريفة، ولكنَّ مَن يحاول أن تكون له ثقافة متنوعة كثقافة جوتا لا بد أن تَفْدَحَه وتَبْهَظَه. وله كلمة يعترف فيها أنه ركِب الشطط في طلب هذه الثقافة، وإنما يهمنا في هذه المقالات نظراته في النفس الإنسانية.

وهذه النظرات تعطيك في القراءة الثانية بصيرة من كتبوا في صفات النفوس، من أمثال مونتاني وباكون، أكثر مما تُعطيك في الأولى. وقد اخترتُ بعضها لأظهر أنه لم يكن أقل بصيرة ممَّن كتبوا في صفات النفوس؛ من أمثال مونتاني وباكون ولاروشفو كولد ولابرويير. ولا يعجبني مسلك النقاد الذين يريدون الحطَّ من قدر غيره ظنًّا أن ذلك يرفع قدره، ولا مسلك المُغالين في إعظامه حتى يكاد الإعظام يبلغ مرتبة التقديس والتنزيه، كما لا يعجبني مسلك الذين يحطون من قدره؛ لأن له مواقف غرامية كثيرة؛ أو لأنه لم يكتب قصائد ليشعل الحقد والبغض في نفوس الألمان وهم يحاربون الفرنسيين لطردهم من ألمانيا.

ومن الغريب أنه جمع بين سهولة الأدب الكلاسيكي القديم والطريقة الفلسفية أو الخيالية الألمانية المعقدة. وقد اعترف بنزعة المفكرين الألمان إلى هذا التعقيد، فكأن مؤلَّفاته بناءٌ جمع بين الطريقة الإغريقية التي كانت تنحو نحو السهولة، وبين طريقة البناء القوطي التي تنحو إلى غير ذلك. وقد درج بعض الكتاب على انتقاص لارشفو كولد ومدح جوتا، بدعوى أن الأول يكثر من اتهام النفس الإنسانية بالأثرة، كأن جوتا لا يفعل مثل فعله، وسيتضح أنه يفعل ذلك. ولا بد لباحث النفس أن يفعل.

وهذه بعض نظراته مع التعقيب عليها:

(١) في النفس قاعدة سيكلوجية، وهي أنها تحاول أن تُحوِّل موضع ضعفها ونقصها إلى مبدأ عام ممدوح، ومن أمثال ذلك: أن بعض الناس يحسبون التأني الذي سببه الخوف الكامن قوة لا يغلبها غالب، ولا يقهرها قاهر، مع أن إحجامهم قد لا يكون تبصرًا وحزمًا، وكذلك نرى الضعفاء الذين يعتنقون الآراء الثورية يحسبون أنهم يكونون أسعد حالًا باعتناقها، ويكون الناس كذلك في أرغد عيشٍ وحال، ولا يفطنون إلى أن ضعفهم يمنعهم من حكم أنفسهم، ومن حكم الناس.

وفي هذه النظرة أكثر من ذلك، فكما أن القاعدة أن النفس تزين موضع ضعفها، فهي أيضًا تُقَبِّح وتُصَغِّر ما ليس فيها من الصفات التي تستطيع التخلُّق بها، فإن من لا يساعده طبعه على التخلُّق بآداب السلوك، يرى أن آداب السلوك ضعف ومذلة ونقص، وتقبيح ما ليس في نفسه من صفات الحمد في بعض الأحايين؛ كي يحسب الناس أنه إنما مدحها لأنها من صفاته؛ إذ إن النفس لها وسائل مختلفة متناقضة تحاول بها كسب المدح والإعظام.

(٢) مهما عاش الإنسان في عزلة عن الناس منفصلًا عنهم بأفكاره وإحساساته وأعماله، فإنه لا بد أن يكون إما مدينًا، وإما دائنًا لغيره في تلك الأمور كلها أو بعضها، ولكن القاعدة هي أن الناس إذا قابلوا إنسانًا مدينًا لهم بفضل تذكروا ما هو مدين لهم به، وكانوا أسرع إلى التفكير فيما دانوه به من الفضل. أما إذا قابلوا إنسانًا هم مدينون له فإنهم يذكرون فضله عليهم، أو إذا ذكروه أسرعوا إلى تجاهله، ويضايقهم ما يلح في تذكيرهم به.

(٣) إن صفات النفوس تظهر في أعمالها ومعاملاتها، ومن أجل ذلك يخطئ من يظن أنه يستطيع أن يعرف صفات نفسه بالفكر وحده، وبالتأمل في نفسه من غير أن ينظر إلى صفاتها في أعمالها. والواقع أن النفس تحاول أن تفصل عمدًا بين الأمرين، وهذا الفصل قاعدة سيكلوجية فيها؛ لأنها تعرف أن العمل قد يغريها بالتخلق بصفاتٍ ذميمة، ما كان يتخلق بها المرء لولا اضطراره إلى العمل والمعاملات؛ فكثيرًا ما يتجاهل المرء عمدًا صفات نفسه التي يظهرها اضطراره إلى العمل والمعاملات، ويكتفي بالحكم بصفات نفسه غير المضطرة، وهي صفات أرقى وأطهر.

وقد شبَّه جوتا نوعي الصفات بالسَّدى واللُّحمة في النسيج، أو بالزفير والشهيق في تنفس الإنسان الحي، وقال: إنه لا يستطيع معرفة النسيج من السَّدى فحسب، أو من اللُّحمة وحدها، بل من الاثنين معًا؛ ومن أجل ذلك يغيظ المرء أن تُذكِّره بصفاته التي تُظهرها أعماله ومعاملاته؛ لأن هذا الفصل بين نوعي الصفات يساعد المرء على التخلُّق بما يشاء من صفات السوء وهو مُطمئنٌّ راضٍ عن نفسه.

(٤) لو كان انحياز الإنسان للباطل سببُه خطأ الفكر من غير أن يكون الباطل متصلًا بميول نفسه ونزعاتها وعواطفها وأخلاقها، لسهُل تصحيح الباطل وتلافيه، ولكن اتصاله بها يجعل تصحيحه وتلافيه أمرًا شاقًّا أو مستحيلًا؛ ومن أجل ذلك إذا استعصى على الإنسان تصحيح خطأ أو باطل في نفس إنسانٍ آخر؛ خدع نفسه وأوهمها أن ذلك الخطأ وأن ذلك الباطل من ضلال فكر صاحبه، ومن أغلاطه العقلية غير المتصلة بإحساساته ونزعاته. وإنما يغالط نفسه هذه المغالطة كي يجعلها تأمُل إزالة ذلك الباطل، إذا كان لها خير في إزالته؛ إذ إنه يدرك بالفطرة أن مكافحة الخطأ الفكري الخالص من شوائب النفس أقل مشقة وأيسر مئونة وكلفة.

وهذا يعلل أمل بعض الناس في التفاهُم مع من لا يُرجى التفاهم معهم، وإقناعهم بما لا يمكن إقناعهم به، ولا سيما أن الأمل في التفاهم إذا ازداد صَيِّر توقُّعه؛ حدوث التفاهم، كأنَّه قد حدث، كما هو شأن الأمل في أي أمرٍ آخر. فإذا استجدَّتْ أسباب تُغير من نزعات من لا يريد التفاهم ومن ميوله النفسية حتى يرى في التفاهم نفعًا له؛ لبس الزَّهو مجادله، ونسَب هذا التغير إلى قدرته على الإقناع بالفكر، ولباقته وكياسته فيه.

(٥) إن الفكر قد يصحبه شعور شديد، وهذا الشعور له أثر عظيم في الحياة، وهو نافع إذا استطاع المرء أن يمنع نفسه وهو يفكر من الانسياق في تيار سيله؛ لأنه إذا لم يستطع حكم شعوره وضبطه لم يستطع أن يصحح رأيه، وأن يعالج ميل نفسه إذا حادت عن الصواب، وأن يعرف حدود فكره، ولكن من العجيب أن المرء كلما انساق وجرفه تيار سيل الإحساس في مجادلاته ومناظراته قال الناس: إنه صادق السريرة؛ إذ لولا اقتناعه بصواب رأيه ما انساق مع الشعور الشديد في التعبير عنه، وفي مناظراته، ثم يتخذون حكمهم بصدق سريرته حكمًا بصواب رأيه.

والشعور المنفعل في إنسان قد يستنبط مثله في غيره بالقدوة والإيحاء. وقد أوضح شارلز لامب في رسالة الأغلاط الشائعة بطلان هذا الرأي وهذا الحكم؛ لأن الشعور الشديد قد يكون ناشئًا من النزعات النفسية التي قد تتخذ الفكر مَطِيةً لتبلغ به غايتها، وإن كانت غاية باطلة، أو لتتخذه ستارًا يحجب عن صاحبها وعن الناس كنهها وحقيقتها المستترة وراء لا فكر. وصدق السريرة — إذا فرضنا وجوده في صاحب الشعور الشديد — لا يمنع من الانحياز للباطل كما قال جوتا: أستطيع أن أَعدَ أن أكون صادق السريرة، ولكني لا أستطيع أن أعد بأن لا أنحاز مع صدق السريرة إلى الباطل؛ لأن صادق السريرة يجهل انحياز نفسه إليه بحكم صدق سريرته.

(٦) إن معرفة الصواب لا تمنع من مُواقَعة الأخطاء التي يصححها ذلك الصواب إذا كانت أخطاء متصلة بميول النفس، فتكون حبيبة إلى النفس، وتأبى العواطف على المرء إلا أن تعود إليها، وكذلك الخطأ في الأمور النظرية أو العملية التي ليست متصلة اتصالًا وثيقًا بعواطفنا، تعود إليه بعد معرفة الصواب إذا لم يُفسَّر وجهٌ الخطأ وسببه ومكانه وحدوده تفسيرًا مقنعًا يؤدي إلى رسوخ الصواب؛ فإن من يكتفي بشرح الصواب من غير نظر إلى الأخطاء التي يقع فيها الناس، ومن غير تفسيرها، قد يبذل جهدًا عظيمًا ويتكلف مشقة هائلة، ولكن قد يكون عمله كله عملًا ضائعًا لا أثر له.

وقد يتعجب لضياع عمله وجهده ويدهش؛ لأن تعبه في شرح الصواب لم يُثمر؛ وذلك لأنه لا يفطن إلى أن شرح الصواب لا يكفي إذا لم يشرح الخطأ أو الأخطاء إذا تعددت. وهذه قاعدة هامة في التعليم، إذا أهملها المعلم ضاع عمله وحبط كل الحبوط؛ ومن أجل ذلك قد يظن المناظر ظنًّا باطلًا أنه فنَّد رأي مجادله أو مناظره إذا شرح رأي نفسه، ولم يلتفت إلى رأي منافسه في المناظرة ولم يُبيِّن أوجه الخطأ فيه. وقبل أن يفعل ذلك، ينبغي لكل مناظر أن يذكر رأي خصمه بدقة، حتى يثق من أنه يعرفه تمام العرفان، فلا يجادل فيما هو خارج عن الموضوع، وهو يحسب أنه موضوع رأي مناظره. وجوتا يحتم هذه الطريقة؛ لأن الخروج عن الموضوع أمر كثير الحدوث.

(٧) إن الأفكار الصحيحة والمبادئ العامة المقبولة إذا اقترنت بغرور الإنسان سببت أضرارًا مخيفة؛ فهو يحسب أنه يعمل لهذه الأفكار والمبادئ، ولكنه في الواقع يعمل حسب ما يوحي إليه غروره؛ فتكون عواقب أفكاره وأعماله وخيمة. ولا شيء أضيع من فكرة ناضجة في ذهنٍ غير ناضج، فإنها تكون مهما عظمت وجلت عاقرًا، أو تنتج غير المنظور منها. وكل فكرة عظيمة عند بدء ظهورها تكون لها سيطرة طاغية؛ ومن أجل ذلك قد تنقلب مزاياها كلها أو بعضها إلى نقائص. وهذا يُسبِّب اندفاع النفس في العمل لها من غير فطنةٍ إلى الأفكار والحقائق الأخرى التي تحدها.

(٨) إذا أكثر إنسان من مجالسة غيره وأطال الحديث ولم يتملقه، تصريحًا أو تعريضًا، بأية وسيلة على أي شكلٍ كان التملُّق، حتى ولو كان مجاملة، ولم يشعره السرور في نفسه بنفسه بأية واسطة، فإن جليسه لا يُسرُّ بمُجالسته، وقد يظن به الظنون ويشعر بانحرافٍ عنه؛ ومن أجل ذلك كانت المجاملة بالتملُّق من أهم أركان المجالسة والمعاشرة، ولا بد أن تكون من الطرفين لا من ناحيةٍ واحدة من ناحيتيها. ومن حاول أن يستغني عنها في معاشرة الناس، حتى الذين يذمون التملُّق، وجَد نفسه مكروهًا، ومَجالِسَه كريهةً بغيضة.

(٩) إن الحياء والشجاعة صفتان لا يمكن أن يحاكيهما إنسان إذا خلا منهما، ولكلٍّ منهما مظهر واحد لا كبعض الصفات التي تتخذ مظاهر وألوانًا متعددة. ومع ذلك فإن بعض الناس مخدوع بهما، فيحسب الحياء جبنًا وذلة، ويعد الصفاقة والقحة شجاعة. ولولا كثرة المخدوعين في هذه الصفات ما زهد كثيرون في الحياء، ولا تنافسوا إلى الصفاقة والقحة؛ فإن التقاتل على الحياة يدعو الإنسان إلى الفرار مما يعد ذلَّة؛ كي لا يستذله الناس، ويُرغِّبه فيما يخال شجاعة؛ كي يخيف به الناس.

لا شيء يغيظ الناس مثل وجدانهم الشجاعة عند ذوي الحياء إذا اعتدوا عليهم اعتمادًا على حلم حيائهم، وعلى عدهم الحياء ذلة، فلا يجدون ذلة ولا استكانة، بل إن بعض ذوي الحياء إذا لم يجد محيصًا عن ذلك يبذُّ ذوي السلاطة في سلاطة لسانهم. وقد فطن شعراء العرب إلى اقتران الحياء والشجاعة، وعدوا ذلك الاقتران مثلًا أعلى كما قال الفرزدق:

يُغْضِي حياء ويُغْضَى مِن مَهابته

فلا يُكلَّم إلَّا حين يبتسم

وقالت ليلى الأخيلية فيمن حياؤه يخال سقمًا وهو في الحرب زعيم:

ومُخَرَّق عنه القميصُ تَخالُه

بين البيوت من الحياء سقيمًا

حتى إذا رفع اللواء رأيته

تحت اللواء على الجيوش زعيمًا

وفي رواية «علي الخميس»؛ وهو الجيش، ومثل هذا أو أكثر مبالغةً قول مُتمِّم بن نويرة في رثاء أخيه، وكان المَرْثيُّ سيدَ قبيلته:

فتى كان أحيا من فتاة حَيِيَّةٍ

وأشجع من ليث إذا ما تدرَّعا

ومثله قول الآخر:

إذا قيلت العوراء أغضى كأنه

ذليلٌ بلا ذل ولو شاء لانتقم

(١٠) الحقيقة هي أن أغلاط المرء وأخطاءه وعيوبه هي التي تُحبِّبُه إلى الناس ما داموا واثقين أنها لا تضرهم؛ لأنه بها ينخفض إلى مستواهم، ولا يرتفع عنه. أما لو كان معصومًا مُنَزهًا من العيوب أنكره الناس أو حسدوه أو كرهوه؛ ومن أجل ذلك كثيرًا ما يلبسون الفضل ثوب العيب كي يكون حُجَّة لكرهه، أو كثيرًا ما يضحون بأناسٍ كي يثبتوا أنهم أنفسهم على غير الصفات البغيضة التي يدَّعون كرههم من أجلها. وهذا الإسراع إلى إثبات خلوهم منها يريب؛ إذ لولا وجودها فيهم ما تسرَّعوا بخلعها على غيرهم وكرههم بسببها، مع أن القاعدة السيكلوجية هي أن النفس ترتاح إذا عرفت أخطاء المرء أو عيوبه، حتى إنها من ارتياحها واطمئنانها تعطف عليه في سريرتها، وتود لو شكرته؛ لأنه بعث إليها الاطمئنان بنفسها على عيوبها التي تعرفها منها.

(١١) التملق دليل على أن المتملق لا يشعر بمحبة أو مودة لمن يتملُّقه، فهو بالتملُّق يستعيض عنهما بدلًا كي يبلغ ما يريد، ومع ذلك فإن الناس تعد كلامه دليلًا على المودة والمحبة والإنصاف؛ لأنهم لا يرون فيما يمدحهم به باطلًا، بل مدحه لهم حقيقة وإنصاف، حتى ولو كانوا بجانب من عقولهم يشكون في بعض قوله، ويكون أكبر همِّهم إذا تملَّقهم إنسان ليس البحث في صدق قوله، بل التأكُّد من أنه لا يريد السُّخر بهم بذلك التملق، ولا سيما إذا غالى في عبارات التملُّق؛ فإن المغالاة في التملُّق تكون أشبه بالسُّخر.

(١٢) ينبغي أن لا نتعجب إذا تحولت الصفات الحميدة بالتدرج إلى شر مكروه؛ فإن معاني الصفات متصلة متدرجة في النوع والمقدار؛ فقد تتحول الغبطة إلى حسد، والحسد إلى بغض، والبغض إلى حب الشر، وحب الشر إلى ارتكاب الآثام والجرائم، وقد يبدأ هذا التدرج بما هو أمر بريء، ويصل إلى ما هو شر مكروه؛ وذلك إذا استسلم المرء إلى النزعات التي تُحدِث هذا التحول. ومن أجل أن صفات النفوس متدرجة، قد لا يفطن المرء إلا بعد سنين طوال أنه قد استرسل من الصراحة في القول إلى الثقة بالنفس، ومن عظم الثقة بالنفس إلى الهوج في العمل، فينزلق انزلاقًا بطيئًا لا يشعر به من الأمر البريء من العيوب إلى ما يجمع الأضرار الكثيرة.

(١٣) في طبيعة الإنسان عناد وتناقض، فإنه يأبى أن يُرْغَمَ على ما فيه خيره وفائدته، ويرضى مختارًا أن يتقيد بما فيه ضرره، وهو إذا وجد نفسه راضيًا مختارًا للتقييد أكسبته مظاهر حرية الرضا والاختيار اطمئنانًا وتعاظمًا يلفتانه عن قيده وضرره. أما في حالة الإرغام على ما فيه خيره، فإن غضاضة الإرغام تحزُّ في نفسه وتؤلمه فتلفته عما فيه من الخير، وتُزَهِّده فيه. وهذان؛ العناد والتناقض، ظاهران في حياة الأطفال، وقد يعجب منهما الرجال، ولو فحصوا عنهما في حياتهم لوجدوهما في نفوسهم أيضًا.

(١٤) أنظر في نفوس الناس ثم أنظر في نفسي، فلا أجد خطأ من أخطائهم كان من المحال أن أرتكبه. وادعاء العصمة والترفع عن الناس أمر ميسور لا يكلف صاحب الادعاء مشقة، ولكن هذا الاعتراف من جوتا يتطلب شجاعة وعظمة نفسية لا تتفق لكل إنسان. وقد لام بعض الأدباء جوتا على اعترافه في كتابه، الذي يترجم فيه حياته والمُسمَّى «بين الحقيقة والخيال»؛ إذ قال إنه كان في عهد صغره يحلم يقظان في أحلام العظمة أن أمه حملت به سِفاحًا من أمير جليل الشأن، وأن أباه إذن ليس الرجل الذي ينتسب إليه. وقد زكى هذه الشجاعة الكاتب الإنجليزي سمرست موام في كتاب «الخلاصة». على أنه عاد بعد اعترافه الأول فقال: وكل ما حاولت عمله أو عملته وكان بسبب نزعات باطلة، قد حاولت أيضًا أن أفهمه وأن أتعلم منه، وأن أدرس الدواعي إليه، وأن أزيلها إذا استطعت.

(١٥) إذا تأمل الإنسان جثمانه ظاهرًا وباطنًا في الأوقات المختلفة، فلا يعدم أن يجد وعكة أو نقصًا أو مرضًا أو ضعفًا، وكذلك إذا تأمل نفسه في حالاتها المختلفة؛ ومن أجل ذلك تدفع النفس نفسها دفعًا عن التأمل في صفاتها التي تكرهها، أو تلبسها لدى نفسها لباسَ صفاتٍ أخرى، أو تتخذ لها حججًا وأعذارًا تُزكِّيها، فقلَّما تُفكِّر النفس في صفاتها بصدقٍ وجدٍّ وإمعانٍ وإنعامٍ.

(١٦) قيل إن العمل ناشئ من الإرادة، وقيل إنه ناشئ من العرفان، ولكن الإنسان لا يستطيع أن يعمل إذا أراد إلا إذا كان يعرف ما يريد عمله؛ ومن أجل ذلك لا أرى في الحياة أمرًا مخيفًا مثل أمر الرجل الذي يعمل وهو لا يعرف ما يعمل.

(١٧) إذا أرضينا غيرنا عَزَّانا ذلك عن عدم إرضائنا لأنفسنا عند محاسبتها في القول والفكر والعمل، فتسر نفوسنا، وتنتعش وتنشط، ويكون نشاطها إذا أرضينا غيرنا بالحق، ولكن من الأسف أن هذا قد يصدق أيضًا إذا أرضينا غيرنا بغير الحق، وبعمل الباطل؛ لأن ما نلاقيه من العطف والحث يغريها به.

(١٨) في هذه الدنيا، كثيرًا ما يقيس الناس الرجل بالمقياس الذي يقيس به نفسه، على شرط أن يحدد قيمته ويلتزمها؛ لأنه يسهل على الناس بالقياس أن يعاشروا رجلًا اعترفوا له بقيمة معينة، وإن كانوا يكرهون عاداته، ويشق عليهم أن يعاشروا رجلًا لم يحدد قيمته ومنزلته، وجهلهم مما يضايقهم ويبعثهم إلى الشك؛ فتُساورهم به الظنون.

(١٩) ليس الغنم في التفكير في عيوب الأصدقاء ونقائص من نعرف؛ لأن التفكير فيها يؤدي إلى القناعة بحالتنا النفسية على ما بها من نقص، ويؤدي بنا إلى الغرور. أما التأمل في فضل الخصوم فهو الغنم؛ لأنه يؤدي بنا إلى محاولة التَّشبُّه بفضلهم وبفضائلهم.

(٢٠) لا بد من أن تكتسب النفس من ضبط النفس بقدر ما تنال من الحرية؛ لأن كل أمر يحرر المرء من غير أن يعطيها قدرة على حكم نفسها يضرها، ويدعوها إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط.

(٢١) أكثر شرور الحياة ناشئة إما من عجزنا عن أن نضع أنفسنا موضع غيرنا، وإما من عجزنا أن نضع غيرنا موضع أنفسنا. والوضع الأول — لو أمكن — يُزيل الحقد والحسد وسوء الظن، والثاني يزيل الغرور والأثرة والكبر وقلة مبالاة ما يعانيه الناس.

(٢٢) إن التجاذب ليست له قاعدة واحدة؛ فبعض الناس يحب ما يشابهه، وبعضهم يميل إلى ما يخالفه؛ ومن أجل ذلك نرى تجاذب الأشباه — وربما كان هذا أكثر — كما نرى تجاذب الأضداد. وقد يوجد تجاذب الأضداد بالرغم من تنافُر وتخالُف وتخاصُم.

(٢٣) كثيرًا ما يظن المرء إذا استطاع أن يعمل عملًا مرة واحدة أنه يستطيع أن يعمله مرارًا، فتظهر خيبته وعجزه إذا حاول ذلك، إلا إذا فَقِهَه وتمرَّس به ولم تتغير نفسه ومقدرته. وأعجب من ذلك أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع أن يعمل ما لم يعمله قط إذا رأى غيره يعمله، مع أنه لم يُجرِّب قدرته ولم يكتسب مِرانًا عليه.

(٢٤) ليس بين الناس من لا يحسد صاحب المواهب العقلية إلا الأب، فإن الأب لا يحسد ابنه؛ لأنه كان سبب حياته، وربما أقنع نفسه أن ابنه استمد مواهبه منه. وقد علل شوبنهور هذا الحسد بأن المرء قد يأمل أن يوفق، وأن تساعده الحظوظ فيكسب مثل بعض مال ذوي المال. أما ملكات العقل واستعداده فأمور طبيعية، ومن لم تكن عنده لا يطمع في حيازتها؛ ومن أجل ذلك كان الفكر مع الفقر محسودًا أكثر من الغباوة مع المال. وهذا عدا أن صاحب المال يطمع الناس في نيل معونته، ويصول بما يهيئه له ماله من النفوذ، فيختفي حسد ذوي الحسد، بينما يكون صاحب الفكر مُعرَّضًا لسُوء الظن بفكره ونتائجه، وليس عنده مطمع لذوي الحسد، ولا عنده سلطان المال.

(٢٥) بالرغم من أن شدة تعلق المرء بآماله تجعله يتوقعها، حتى يصير في توقعه كأنها قد حدثت؛ فإن حدوثها — بالرغم من ذلك — يكون مصحوبًا بشيءٍ ولو قليل من الدهشة والمباغتة، وذلك من الشك الذي يلازم هذا التوقُّع مهما كان موثوقًا به. ولعل أثر رد الفعل في الإحساس يُظهر أيضًا هذا الشك الذي يُسبب الدهشة، فإن كل إحساس شديد لا بد أن يكون له رد فعل كي تستقر الأمور؛ إذ إنه يعرف أنه كان يغالط نفسه في إنزال أمله منزلة الحقائق.

(٢٦) إن مجالسة النساء تكسب الرجال آداب السلوك؛ لأنهم يتخلقون بما يناسب مجالسهن، فيكتسبون رقة وحياء وآدابًا، ويترفعون عن سعار المهاترة ورفث القول، ولكن في البيئات التي يكون الرجال فيها قدوة للنساء، ولا يتورعون فيها من الاسترسال على طباع الخشونة والمجون إذا جالسوا النساء، تتخلَّق النساءُ بهذه الطباع وأشباهها من الطباع التي سمَّاها فلوبير «كانبيري»؛ أي الطباع الكلبية، بدلَ أن يُكسِبنَ الرجال من آدابهن وحيائهن.

(٢٧) غفلة بعض الناس عن الحق قد تكون كالنور الذي يجدد نشاطهم، فإذا استيقظوا ونُبِّهوا إلى خطأ شعروا بنشاط مجدد في طلب الحق والصواب، ولكن غيرهم إذا لفتوا إلى خطأ تتخاذل قوى أنفسهم، ويظهرون الاستخذاء والاسترخاء. والطائفة الأولى هي طائفة الفائزين.

(٢٨) قلَّما يهم المرء انتصار الحق إلا إذا كان انتصاره يزكي فكره وقوله. أما إذا كان لا يُزكِّي فكره وقوله، لم يهتم له، ولجأ إلى الباطل يتخذ منه حجة، ولا يهمه بعد ذلك لو مات الحق؛ لأن عنده أن الحق ما يرى ويقول، أو يغالط نفسه وهو يعرف كذب ذلك.

(٢٩) إن الخلق القوي في إنسان قد يَسْتَنْبِط الخلق القوي في غيره. وهذه النظرة تذكرنا قول جورج إليوت أن من لا ثقة له بنفسه قد يأنس إلى من له ثقة كبيرة بها، كما يأنس الذي أصابه البرد إلى من أصابه الحر؛ كي يفيد حرارة. والخلق له عدوي وإيحاء؛ ألا ترى أن الجندي يكتسب قدرة على تحمل الآلام وشجاعة برؤية قدرة وشجاعة غيره من الجنود في الحروب؟ وكذلك عدوى الخلق في الحياة اليومية.

(٣٠) يؤلمني أشد الألم أن أرى الإنسان الذي جعل تاج الحقيقة ورأسها وذروتها؛ كي يحرر نفسه وغيره من حكم الضرورة القاسية بالفكر والعمل، يفعل ضد ذلك بسبب الانحياز للباطل المحبب إلى النفس، فينغمر في حكم تلك الضرورة القاسية، ويغمر غيره في حكمها؛ ومن أجل ذلك نرى حياة الإنسان تتقدم بلا تقدم عصرًا بعد عصر، وترتقي من غير ارتقاء.

(٣١) إذا سمع الناس إنسانًا يمدح نفسه قالوا: إن مدح النفس له رائحة كريهة، ولكن الظاهر أن أنوفهم لا تشعر بالرائحة الكريهة التي في ذمِّهم غيرهم، وهو مدح معكوس لأنفسهم.

(٣٢) مما يؤدي إلى حيرة الإنسان أنه إذا طلب أمرًا واتخذ له وسيلة، يركب الشطط في طلب الوسيلة ويغالي بها، حتى يهمل الغاية وينساها في طلب الوسيلة، فيحيد عما يريد؛ لأن الوسيلة متى صارت غاية في نفسها قد يتخذ لها هي أيضًا وسائل مستقلة عن غايتها الأولى، وقد تمنعه من بلوغ تلك الغاية الأولى، وكذلك من يضع الغاية موضع الوسيلة.

(٣٣) إننا أسرع إلى الاعتراف بأخطاء عملنا، وأبطأ في الاعتراف بأخطاء فكرنا؛ لأن أخطاء العمل لها عواقب ظاهرة بارزة من الصعب إنكارها، أما أخطاء الفكر فقد تخفَى أو تُستطاع المغالطة فيها. ومع ذلك، فمن الناس من يماري في أخطاء عمله وهي ماثلة أمامه؛ إذ ينسب تلك الأخطاء إلى غيره، أو إلى سبب آخر غير سببها.

(٣٤) إن الإنسان مولع بأن يربط كل شيء بحياته وحاجاته، فصاحب الطاحون يشعر بأن القمح إنما نبت ونما كي يعطي له عملًا بطحنه، وكي تظل طاحونه دائرة. قسْ على ذلك كل أمور الحياة.

(٣٥) إن الإنسان مشغوف بمعرفة المستقبل، وهذا الشغف سببه أنه يميل إلى تصديق حدوث ما يود أن يحدث فيه، وهذه صفة يعرفها الدجالون، ويبنون عليها أقوالهم عند ادعائهم كشف المستقبل.

(٣٦) في جميع العصور كانت الآحاد من الناس هي التي تعمل على تقدم العرفان، أما الجماعات والحكومات فإنها تتنازعها عوامل ودوافع مختلفة قد تؤدي بها إلى تقييد العلم حتى في أثناء نشره — وفي كتاب «أسباب تفاوت الناس» للأستاذ «هالدين» فصل ممتع في هذا الموضوع — وعلى أي حال فالحكومات والجماعات تُعنى بجامعي العلم والحُفَّاظ وأهل المرونة أكثر من عنايتها بذوي الفكر المستقل.

(٣٧) بعض الناس الذين تعبر حياتهم عن مبدأ أو فكرة قد لا يستطيعون فهم ما تعبر عنه حياتهم، فيركبون الشطط وينزلقون إلى الخطأ والغلط، وقد كان نابليون يحتقر الأفكار قائلًا: إنها نظريات قليلة الأثر، مع أنه كان يعترف — بالعمل إن لم يكن بالقول — أن الحياة الفكرية تبعث الحياة، والفكر يبعث العمل.

(٣٨) عندما يعمل إنسان لا بد له أن يرى أن نفسه أعظم من حقيقتها كي يستطيع أداء عمله. وهذا أمر مغتفر بسبب ضرورة العمل، إلا إذا كان رأيه هذا في الثقة بنفسه يضر غيره أو يؤلمه أو يقلقه.

(٣٩) إذا عمل الإنسان لخير غيره ونفعه فإنما يعمل كي يشاركه من يعمل لخيره في السرور بذلك العمل، ومن لا يستطيع السرور بالعمل لغيره يُضر ويُؤذي بذلك العمل. والظاهر أن في هذا القول ما يخالف قول كانط: «إن المرء لا يستطيع أن يحكم أن الواجب هو دافعه إلى العمل، إلا إذا كان العمل يخالف نزعاته السارة وميوله المبتهجة.» ولو أن قول كانط حكم بصعوبة معرفة الدافع إذا وافق العمل نزعاته السارة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.