وأخيرًا كان افتتاح المؤتمر في سان فرانسيسكو بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس، كما كان يقال في شأن شاعر عربي قديم. فلم تمتلئ الدنيا حديثًا عن مؤتمر من المؤتمرات كما امتلأت بحديث هذا المؤتمر، الناس يتحدثون عنه منذ الصيف الماضي قبل أن يحدد مكانه وموعده، وقبل أن توجه دعوته إلى الدول المشتركة فيه، ومن يدري؟ لعل الحديث عنه قد بدأ منذ أُذيع ميثاق الأطلنطي، أي منذ سنة ١٩٤٢!

ولم يشتغل الناس بشيء بعد شئون الحرب كما اشتغلوا بهذا المؤتمر، ويكفي أن نلاحظ أن دولًا كثيرة في الشرق والغرب لم تعلن الحرب على المحور إلَّا ليُتاح لها الاشتراك في هذا المؤتمر، بعد أن جعل الاشتراك فيه موقوفًا على الدول المحاربة، ومحظورًا على الدول المحايدة. وليس من النافع ولا من المفيد أن يُتحدث عن مصير المؤتمر، ولا عما سيتخذ من قرارات، ولا عما سيكون لهذه القرارات من خطر، أو أثر قريب أو بعيد. فكل هذه أمور سيتحدث عنها المؤتمر نفسه، والخير كل الخير أن نسمع له ونفهم عنه، لا أن نهوش عليه.

وإنما السؤال الذي ما زلت أردده بيني وبين نفسي، ويظهر أن كثيرين يرددونه بينهم وبين أنفسهم، ويلقيه بعضهم إلى بعض حين يلتقون، هو: هل عقد المؤتمر في إبانه، أم هل كان من الخير أن يتأخر عقده حتى تضع الحرب أوزارها، وتوضع معاهدات الصلح ويعرف النظام الفعلي للعالم الجديد؟

ولعل القرَّاء قد لاحظوا في الأسبوع الماضي أن كثيرًا من النوَّاب البريطانيين قد أظهروا في مجلس العموم أنهم يشكون فيما سيكون للمؤتمر من أثر في ضمان الأمن، وفي أن يملأ الأرض عدلًا وسلامًا بعد أن ملئت جورًا وخصامًا. ومنهم من ذهب إلى أن نظام الأمن الذي سيضعه المؤتمر يجب أن يُعاد النظر فيه بعد عشرة أعوام أو أقل من ذلك أو أكثر، ليمكن الملاءمة بينه وبين ما ستتكشف عنه التجربة من نتائج لعلها لا تخطر للساسة في هذه الأيام. ومصدر هذا كله هو أن حقائق الاتجاهات السياسية للدول الكبرى ليست بيِّنة ولا واضحة كما ينبغي أن تبيَّن وتتضح، فكل بناء لتنظيم الأمن والسلم سيقوم على أسس فلسفة تتصورها العقول وتسمو إليها النفوس أكثر مما يقوم على الحقائق السياسية الواقعة التي ينبغي أن تكون هي الأساس لما يوضع من نظم للأمن والسلم إن أُريد لهذه النظم النجاح والتوفيق.

والواقع أن الحقائق العملية التي نشهدها الآن قليلة جدًّا، عامة جدًّا، غامضة جدًّا. فنحن نشهد انتصار الحلفاء في الشرق والغرب، وانهيار ألمانيا واستعداد اليابان للانهيار. ونحن نشهد بؤسًا شديدًا في أوروبا، وحاجة شديدة إلى الجهود التي تُبذل لإنهاض الأمم المحررة وتمكينها من أن تعيش. ونحن نشهد اختلافًا شديدًا في الأمم المحررة نفسها حول ما سيُقام فيها من نظم الحكم، فكلها يتحدث عن مستقبل ديمقراطي، ولكن هذا المستقبل الديمقراطي ليس واضح الأعلام، فهل يكون مستقبلًا ديمقراطيًّا على نحو ما عرف في بريطانيا العظمى وأمريكا؟ أم هل يكون مستقبلًا ديمقراطيًّا اشتراكيًّا؟ أم هل سيكون مستقبلًا ديمقراطيًّا شيوعيًّا؟ لكل رأي من هذه الآراء أنصار يدافعون عنه ويجاهدون في سبيله. وإذن، فالمستقبل الاقتصادي والسياسي لأوروبا المحررة غامض أشد الغموض، محتاج إلى أن يظهر ويستبين قبل أن ترتبط الأمم الأوروبية المحررة بما سيقترحه مؤتمر سان فرانسسكو من التزامات سيكون لها أبعد الأثر في حياة هذه الأمم السياسية والاقتصادية.

ثم إن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فاتجاهات الدول الكبرى نفسها في حاجة شديدة جدًّا إلى الوضوح، بحيث يجب أن يطمئن الناس إليها قبل أن ترتبط الدول المتوسطة والدول الصغيرة بما سيقترح هذا المؤتمر من الالتزامات. فماذا تريد روسيا؟ وماذا تريد بريطانيا العظمى؟ وماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية؟ وإذا لم يُعرف ما تريده هذه الدول معرفة بينة صريحة؛ فكل قرار يتخذ لتنظيم الأمن والسلم سيقوم على أسس متوهمة لا على أسس ثابتة متفق عليها. وليس يشك أحد في أن هذه الدول تريد السلم وتريدها طويلة مستقرة، ولكن على أي أساس تريد هذه السلم! على الأساس الذي ستنكشف عنه معاهدات الصلح من غير شك. وإذن، فقد كان من الخير أن ينتظر وضع الأساس في مؤتمر الصلح قبل أن ينظم الأمن والسلم في الهواء.

ولنضرب لذلك بعض الأمثال، فنحن نعلم أن روسيا مثلًا تطمح منذ أمد بعيد إلى أن تكون كلمتها المسموعة المؤثرة لا في الحياة العالمية السياسية فحسب، بل في توجيه هذه الحياة مهما تكن فروعها. والذين قرءوا كبار الكتَّاب الروسيين في القرن الماضي — أي في العهد القيصري — يعرفون أن صفوة الشعب الروسي كانت تؤمن بأن لروسيا مهمة خطيرة في ترقية الحياة الإنسانية ورفعها إلى درجات أرقى وأنقى مما وصلت إليه أوروبا الغربية، ويكفي أن تقرأ مقالات الكاتب العظيم دوستوفيسكي لترى من ذلك صورة واضحة أشد الوضوح.

وقد أُتيح لروسيا السوفيتية في هذه الحرب فوز لم تظفر بمثله منذ أمد بعيد، فهي قد هزمت ألمانيا واحتلت عاصمتها، وهي قد حررت بولندا ورومانيا وبلغاريا والمجر والنمسا وتشكوسلوفاكيا، والحرب لم تضع أوزارها بعد.

ويجب أن نلاحظ أن روسيا توجه سياستها توجيهًا يوشك أن يكون مستقلًّا عن سياسة حلفائها، فهي قد عقدت محالفة مع فرنسا وأخرى مع بولندا وثالثة مع تشكوسلوفاكيا ورابعة مع يوغوسلافيا، من المعقول — بل من المحقق — أن فرنسا بعد أن حالفت روسيا ستحالف هذه الدول الأخرى ليضمن السلام في غرب أوروبا وشرقها ووسطها، ولتحاط ألمانيا بهذه الحلقة الحديدية التي أشفقت منها دائمًا وتعرضت لها دائمًا وأثارت الحروب دائمًا لتخلص منها.

وقد كان بين روسيا وتركيا ميثاق صداقة وحسن جوار، فأعلنت روسيا أخيرًا أنها لن تجدده؛ لأنه في حاجة إلى التغيير. والناس جميعًا يعلمون أن من السياسة التقليدية لروسيا حرصها على أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى دون أن تجد أمامها مصاعب أو عقبات. وما نظن أن روسيا تفكر في العدوان أو تريد أن تستولي على المضايق، فقد تطورت الحياة العالمية وتطورت معها السياسة الروسية تطورًا بارعًا حقًّا. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن روسيا ستحرص على حرية المضايق، وستحرص على أن ينظم التعاون بينها ويبن تركيا؛ بحيث لا تصبح تركيا عقبة تحول بينها وبين الوصول إلى الشرق الأدنى في أوقات السلم والحرب جميعًا.

وقد كان بين روسيا واليابان خصام في أول هذا القرن، ظفرت فيه اليابان وانهزمت فيه روسيا القيصرية. فهناك ثارات يجب أن تدرك، وقد انعقد بين روسيا واليابان ميثاق صداقة وحسن جوار وقتًا ما، ولكن روسيا عدلت عن تجديده كما عدلت عن تجديد الميثاق بينها وبين الترك. ومعنى ذلك أنها تريد أن تسترد حريتها في الشرق الأقصى وأن تقول كلمتها مسموعة يوم يملى الصلح على اليابان، وتنظم شئون السلم والأمن في هذا الجزء من آسيا.

هذه هي الاتجاهات التي نتبينها للسياسة الروسية في الشرق والغرب. ولم نتحدث عن السياسة الروسية بالقياس إلى إيران ولا بالقياس إلى الدويلات التي أنشأتها معاهدة الصلح في أعقاب الحرب الماضية على ساحل البلطيق، فما عسى أن يكون موقف الدولتين العظيمتين بريطانيا العظمى والولايات المتحدة من هذه السياسة الروسية؟ أتعرفانها أم تنكرانها، أم تعرفان منها شيئًا وتنكران شيئًا آخر؟ وبريطانيا العظمى ماذا تريد؟! ماذا تريد أن تصنع بالقياس إلى غرب أوروبا وشرقها؟ أتريد أن تشارك في السياسة الأوروبية مشاركة متصلة مباشرة؟ أم تريد أن تشارك فيها من بعيد؟ أكبر الظن أنها لم تبذل ما بذلت من الجهد ولم تحتمل ما احتملت من الهول لتقف من أوروبا موقف المتفرج، وإذن فلا بد من الملاءمة بين سياستها وسياسة حليفتها روسيا.

ومثل هذا يقال في الولايات المتحدة بعد أن خرجت من عزلتها خروجًا تامًّا. فإذا تركنا السياسة الأوروبية في أوروبا، وانتقلنا إلى السياسة الأوروبية الأمريكية خارج أوروبا، فلن يكون المستقبل أقل غموضًا. كيف تنظر هذه الدول إلى نظام الاستعمار؟ وما عسى أن يكون الموقف الذي تتخذه كل واحدة منها بإزاء حليفتيها؟ هو موقف التوفيق من غير شك، ولكن كيف السبيل إلى هذا التوفيق؟ أيكون بتقسيم العالم إلى مناطق النفوذ؟ وإذن، فقد يجب أن يؤخذ رأي مناطق النفوذ نفسها في هذا التقسيم، فلعلها لا ترضاه إطلاقًا، ولعلها لا ترضى بعض أنحائه على الأقل. أيقوم على التعاون المشترك المباشر؟ وإذن، فلا بدَّ من استشارة البلاد التي يُراد إخضاعها لهذا التعاون، فلعلها لا تريد أن تخضع، ولعلها تريد لهذا الخضوع شروطًا وقيودًا.

كل هذا ولم نذكر دولًا أخرى لها مستعمرات ومصالح عالمية، فما موقف فرنسا من هذا كله، ولها إمبراطوريتها العظيمة وتقاليدها العالمية المعروفة؟ وما موقف هولندا وبلجيكا؟! فإذا سألت بعد ذلك عن موقف الأمم الطامحة إلى الاستقلال المطالبة بالحرية التي شاركت في الحرب وجاهدت في سبيل النصر أو أعانت على الحرب والجهاد. فقد تبين لك أن مستقبل العالم الجديد لا يمكن أن يستبين ولا أن يتضح قبل أن يُعقد مؤتمر الصلح وتوضع معاهدات الصلح، ويعرف كل شعب ما له وما عليه. هنالك يمكن أن ينشأ نظام الأمن والسلم، وأن تقبل الشعوب على هذا النظام مستبصرة مطمئنة تعرف حقوقها وتعرف واجباتها. فمن الخير أن يطلب إلى الشعوب النهوض بالواجب على أكمل وجه، ولكنك لن تظفر من هذه الشعوب بشيء إذا لم تبين لها قبل ذلك أنها آمنة على حقوقها مستمتعة بها على أكمل وجه ممكن أيضًا.

والشعوب في ذلك كالأفراد، ولعل أمرها أن يكون أشد عسرًا وتعقيدًا من أمر الأفراد. فأنت حين تفرض على الأفراد واجباتهم الوطنية تقرر لهم قبل ذلك — أو مع ذلك — حقوقهم الوطنية، والأفراد مع هذا كله قد نشئوا خاضعين لسلطان الدولة، وتعودوا هذا الخضوع على حين قد نشأت الشعوب حرة لم تخضع ولم تتعود الخضوع لقوانين دولية دقيقة مفصلة؛ لأن هذه القوانين لم توضع بعد. فالشعوب حين تقبل على الاتفاقات الدولية تقبل عليها حرة مختارة، لا تلزمها الفطرة ولا تكرهها الطبيعة. وليس أدل على ذلك من أن الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء في البلد الواحد يخضعون لقانون واحد، وتتحقق المساواة بينهم أمام القانون على وجه ما، على حين أن هذه المساواة لم تحقق بين الدول الكبيرة والصغيرة، ولا بين الدول القوية والضعيفة بعد.

فوضع نظام للأمن والسلم شيء عظيم الخطر، يحرص الناس عليه أشد الحرص، وتكلف الشعوب به أعظم الكلف؛ لأنه يضمن لها عيشًا هادئًا مطمئنًا تزهر فيه الحضارة وتثمر في ظل المحبة والمودة والتعاون والتضامن. ولكن لهذا كله شرط يجب أن يتحقق، وهو أن تعرف الشعوب ما لها وما عليها، وأن يقوم الأمر بينها على الحق والعدل والمساواة، لا يستأثر القوي؛ لأنه قوي، ولا يستعلي الغني؛ لأنه غني، ولا تقول الدول الكبرى يجب أن أمتاز؛ لأني أبذل تضحيات لا تبذلها الدول الصغرى، لأن الأفراد الأقوياء الأغنياء من أبناء هذه الدول الكبرى لا يمتازون ولا يستعلون على مواطنيهم مهما يكونوا ضعفاء ومهما يكونوا فقراء.

من أجل هذا كله ألقيت — وما زلت ألقي — على نفسي هذا السؤال: أمن الخير أن يعقد المؤتمر الذي ينظم السلم والأمن الآن؟ أم الخير أن توضع معاهدات الصلح وتعرف الشعوب حقوقها وواجباتها، ثم يوضع بعد ذلك النظام الذي يكفل هذه الحقوق ويضمن النهوض بهذه الواجبات؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.