ارتبط الاستعمار دومًا بالمصالح التجارية، وتاريخ الاستعمار قديم. وكانت مصر القديمة تُخضِع بلاد النوبة، وأحيانًا بلاد البونت — كما الشام — لنفوذها؛ للحصول على الذهب والمعادن النفيسة والأخشاب. وعندما توسعت فينيقيا واتسعت تجارتها، استعمرت بدورها قرطاجة وغيرها من جزر في البحر المتوسط، وهو نفس الأمر الذي لجأت إليه أثينا بالتوسع في المدن اليونانية حولها، ثم في بحر إيجة قبل أن تتمتد إمبراطورية الإسكندر الأكبر حول شواطئ البحر المتوسط، وسارت الإمبراطورية الرومانية على خطاها. وفي العصور الوسطى عرفت المدن الإيطالية التجارية مثل البندقية وجنوة مستعمرات على البحر الأسود وشمال تركيا، ومع اكتشاف أمريكا بدأ الاستعمار الإسباني والبرتغالي، ثم البريطاني والفرنسي، وجاء فتح طريق رأس الرجاء الصالح لفتح شهية الدول التجارية في البرتغال، ثم هولندا، وأخيرًا إنجلترا وفرنسا، لوضع موطئ قدم لاستعمار شبه القارة الهندية وإندونيسيا ومعظم مناطق الهند الصينية. وكان التوغل الاستعماري قد بدأ في أفريقيا إلى أن تم تقسيم القارة الأفريقية على الدول الأوروبية الرئيسية إنجلترا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا، في مؤتمر برلين في نهاية القرن التاسع عشر. وفي القرن العشرين سارعت إيطاليا في البحث عن موضع قدم في شمال أفريقيا، ثم في جنوب البحر الأحمر في الحبشة والصومال، ولم تترك إنجلترا وفرنسا فرصةَ تفكُّك الدولة العثمانية حتى ورثتا معظم المنطقة العربية، وحتى الولايات المتحدة التي كانت تفخر بأنها قوة ضد الاستعمار، فإنها استقرت الفلبين، ولكنها فضلت سياسة الضم والابتلاع على أسلوب الاستعمار، فضمت تكساس وأريزونا وفلوريدا وهاواي، واشترت لويزيانا وألاسكا.

وجاءت نهاية الحرب الثانية في منتصف القرن العشرين فألحقت ضربة قاسمة لمعظم الدول الاستعمارية، فألمانيا وإيطاليا خسرتا الحرب، ورغم أن فرنسا وبلجيكا وكذا بريطانيا كانوا في حلف المنتصرين، إلا أن انتصارهم العسكري قد تحقق بتكلفة اقتصادية باهظة، فخرجت هذه الدول من الحرب وهي محطمة اقتصاديًّا، تنوء بمديونية عالية للولايات المتحدة، ووجدت الولايات المتحدة فرصتها لاحتلال مركز الصدارة في العالم، بالعمل على تصفية الاستعمار البريطاني والفرنسي، مع التأكيد على أن هذه السياسة الجديدة تتفق تمامًا مع المبادئ الأمريكية في الدعوة إلى الحرية والاستقلال. وجاء بزوغ الاتحاد السوفييتي بعد سيطرته على معظم دول وسط وشرق أوروبا، كقوة عسكرية وسياسية وأيدلوجية مناوئة للغرب، مؤيدًا وداعمًا لحركات التحرر الوطني للقضاء على الاستعمار؛ وهكذا توفرت في منتصف القرن العشرين الظروف الدولية المناسبة، والتي جعلت من الاستعمار في شكله القديم ظاهرة نشاز غير قابلة للاستمرار. وكان الوعي الوطني في معظم هذه المستعمرات قد ازداد نضجًا وحدة، ومن ثَمَّ كان من الضروري أن ينتهي الاستعمار، وأن يحمل عصاه ويرحل من دولة وراء دولة، بدءًا من الهند وحتى معظم الدول الأفريقية. وبنهاية الستينيات من القرن الماضي تحرَّرت أكثر من ستين دولة انضمت إلى الأمم المتحدة، والتي بدأت في ١٩٤٥ بخمس وخمسين دولة، وهي تضم الآن حوالي أربعة أضعاف هذا الرقم.

وبنهاية الاستعمار التقليدي بدأ عصر الاستقلال الوطني في معظم دول أفريقيا وعدد كبير من دول آسيا، وكانت معظم أمريكا اللاتينية قد استقلت في نهاية القرن التاسع عشر، كما استعادت معظم دول أوروبا الشرقية وجمهوريات آسيا الوسطى استقلالها في نهاية القرن الحالي، مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وهكذا سيطر على معظم دول العالم الحكمُ الوطنيُّ المستقل منذ منتصف القرن العشرين، واستكمل في أغلبه منذ عقدين في جمهوريات المعسكر الاشتراكي سابقًا. فماذا كانت نتيجة هذا الاستقلال الوطني للمستعمرات السابقة؟

تفاوتت حظوظ الدول المستقلة حديثًا من ربقة الاستعمار بين نجاحات منقطعة النظير لدى البعض، وبين فشل ذريع عند البعض الآخر؛ فبعض الدول وخاصة في جنوب وجنوب شرق آسيا حققت نجاحات مذهلة أو على الأقل وضعت أقدامها على طريق التقدم والرخاء. فالهند وقد انقسمت عند الاستقلال إلى دولتين: الهند وباكستان، عرفت نتائج متناقضة، أما الهند متعددة اللغات والأديان والعقائد والأجناس، فقد عرفت مسيرة ثابتة الأقدام من الديمقراطية والتقدم الاقتصادي المعقول، الذي تحوَّل في السنوات الأخيرة إلى انطلاق اقتصادي مذهل يؤهلها لتحتل مكانًا متقدمًا بين الدول الكبرى في العقود المقبلة، وذلك بعكس باكستان التي انقسمت على نفسها، وانفصل عنها بنجلادش، وهي تعاني من الانقلابات المستمرة والحكم العسكري، وغير قليل من الفساد. وأما الصين والتي وإن لم تكن مستعمرة فقد كانت خاضعة لتدخل أجنبي مستمر، فإنها أصبحت إحدى الدول العظمى أو تكاد، وكوريا الجنوبية — المستعمرة اليابانية — وسنغافورة، وهونج كونغ، وماليزيا الخاضعة للاستعمار البريطاني، كل هذه الدول أصبحت نمورًا آسيوية يُعتدُّ بها، وبالمثل تايوان التي انفصلت عن الدولة الأم: الصين، وفيتنام التي مزقتها الحروب المستمرة منذ بداية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السبعينيات، فإنها تطل برأسها الآن باعتبارها من الاقتصاديات الواعدة. وإذا لم تكن إندونيسيا على نفس القدر من النجاح، فإن ما حققته لا يمكن إنكاره، ولا يختلف الوضع كثيرًا في الفلبين وتايلاند. وهكذا يمكن القول — بشيء من التعميم — أن دول آسيا قد حققت نجاحًا ملحوظًا بالتحرر الوطني والاستقلال، ولكن هل يمكن تعميم هذا الحكم على الدول المستقلة حديثًا في أفريقيا، وربما في آسيا الوسطى؟ لا تبدو الإجابة سهلة أو واضحة.

عرف القرن العشرون عددًا غير قليل من المآسي، لحروب أهلية بلغت حد الإبادة من بعض الدول حديثة الاستقلال في أفريقيا وفي غيرها، فإلى جانب الفساد المالي والتدهور الاقتصادي وصلت الأمور إلى حد الفوضى والقتل الجماعي والإبادة العرقية، فعرفت نيجيريا حروب الانفصال، فضلًا عن الاقتتال المستمر في ظل نظم فاسدة للحكم، ولم يكن الوضع في الكونغو أفضل حالًا، ولا هو كذلك في تشاد أو الصومال. وجاء نظام للحكم في كمبوديا — بول بوت — وارتكب في ظل حكومة الخمير الحمر عمليات إبادة لما يجاوز المليون قتيل، ولم تفلت أشلاء يوغوسلافيا بعد تمزقها بوفاة تيتو، من مذابح بين الكروات والصرب — وخاصة بين هؤلاء والمسلمين — وصلت إلى حد الإبادة في البوسنة والهرسك، ثم في كوسوفو، ولم تكن أثيوبيا وإريتريا والصومال بعيدة عن هذه الممارسات. وهناك حديث جارٍ عن أوضاع مماثلة في دارفور، فضلًا عن المذابح التي تتم بين الحين والآخر في الضفة الغربية وغزة. وفي بعض جمهوريات آسيا الوسطى تُستخدَم القوة المفرطة للقضاء على مظاهر الاحتجاج والثورة، وفي التبت تُكبت الحريات على أسنة الرماح، وفي كل هذا ترتفع الأصوات للمطالبة بوقف المجازر وأشكال الاستبداد والاستعباد، ولكنها تُقابَل بكلمة «السيادة الوطنية»، ليس لأحد أن يتدخل في الشئون الداخلية لدولة مستقلة!

الاستقلال الوطني يعني «السيادة الوطنية»، بمعنى ألَّا يتدخل أحد في الشئون الداخلية؟ فهل هذا مقنع؟ وما هي حكاية هذه «السيادة الوطنية» التي تُستخدَم أحيانًا للتغطية على أوضاع مخزية من انتهاك الحقوق والحريات؟

بدأ الحديث عن «السيادة» في كتابٍ للفقيه والفيلسوف الفرنسي جان بودان Jean Bodin عام ١٥٧٦، وكان يقصد به تدعيم سلطة الملك، فهو يتمتع «بالسيادة المطلقة» في الداخل والخارج، فسلطة الملك في الداخل لا قيد عليها لأنه يستمدها من الله مباشرةً، وهو لا يسمح بأي تدخل خارجي في شئونه الداخلية. وجاء الاعتراف بهذه السيادة على المستوى الدولي في معاهدة وستفاليا ١٦٤٨ بعد الحروب الدينية (ثلاثون عامًا في ألمانيا، وثمانون عامًا بين أسبانيا وهولندا)، وصدَّق على هذه المعاهدة الإمبراطورية الرومانية المقدسة وفرنسا وإسبانيا وهولندا والسويد، وكان الغرض من هذه المعاهدة وما تضمنته من اعتراف بمبدأ السيادة الوطنية هو وضع حد لهذه الحروب الدينية، ومنع تدخل الملوك والأباطرة في الشئون الداخلية للدول المجاورة باسم الدين، «فالسيادة الوطنية» تعني هنا حماية كل ملك أو إمبراطور أو أمير من تدخُّل جيرانه من الملوك والأباطرة في شئونه الداخلية، وخاصةً فيما يتعلق بالعقيدة الدينية لرعاياه، فسكان كل إقليم يتبعون دين ومذهب حاكمهم دون تدخُّلٍ من الملوك أو الأمراء الآخرين، وهكذا ظهر مفهوم «السيادة» خلال القرنين السادس والسابع عشر، باعتباره حصانة للملوك والأمراء في حكمهم المطلق على شعوبهم دون أي تدخُّلٍ من الخارج. وجاء جان جاك روسو في القرن الثامن عشر في كتابه عن «العقد الاجتماعي» ١٧٦٢ مقررًا لأول مرة أن «السيادة للشعب»، كما تظهر في «الإرادة العامة للشعوب».

وهكذا نجد أن مفهوم «السيادة الوطنية» قد بدأ كجزء من منظومة الحكم المطلَق، وإنْ كان قد تطور بفعل حركة التنوير والدعوة للديمقراطية لكي يصبح سيادة للشعوب وليس للحكام، ومع ذلك يبدو أن بذور النشأة الأولى لم تترك هذا المفهوم كليًّا؛ فأكثر ما يثار عند استدعاء هذا المفهوم يكون للدفاع عن نُظُم حكم مستبدة تستبيح حقوق وحريات شعوبها. وعرف القرن العشرون مظاهر متعددة للمجازر البشرية بل وحروب الإبادة، والعالم يتفرج بمقولة إن لكل دولة سيادتها على أراضيها، وليس لأحد أن يتدخل لأن ذلك اعتداء على استقلال الدول وسيادتها. وإذا اقتصرنا على فترة ما بعد الحرب الثانية أو حتى بعد الحرب البادرة، لَاكتشفنا كم من المظالم تُرِكت بلا حساب باسم هذا المبدأ النبيل، فانظر إلى ما فعلته حكومة الخمير الحمر بأهالي كمبوديا، أو ما فعله حكام الصرب مع البوسنة والهرسك، ثم كوسفو، أو ما وقع بين القبائل المتناحرة في روندا وبروندي، أو في الصومال، أو تاهيتي، أو في الأراضي المحتلة لفلسطين … والقائمة طويلة.

وفي نهاية القرن صدرت عن الأمين العام للأمم المتحدة عام ٢٠٠٠ وثيقة هامة، يؤكد فيها أن «السيادة الوطنية» إنما تقررت للدول باعتبارها مسئولة عن توفير الحقوق والحريات لأبنائها، فهذا هو مبرر سلطة الدولة وامتيازاتها، وأنها إذا فشلت في ذلك أو أخلت بهذا الواجب، فإن سلطة الدولة تفقد شرعيتها، ويسقط بالتالي حقها في السيادة. فرغم أن مفهوم السيادة قد بدأ مع نظريات الحق الإلهي للملوك، فإن الأمر قد تغيَّرَ منذ ثورة التنوير، وأصبحت السيادة للشعوب وضمانًا لحقوقهم وحرياتهم.

ونظرًا لأن معظم أحوال الإخلال بحقوق الأفراد وحرياتهم تقع حاليًّا في الدول النامية، والتي حصلت على استقلالها الوطني خلال هذا القرن، فإننا نتساءل هل «السيادة الوطنية» حصانة شخصية للرؤساء والحكام، أم هي مظهرٌ للاستقلال الوطني الذي يحمي الحقوق والحريات الفردية للشعوب؟

وللأسف، فإن «النظام الدولي» الحالي يرفع شعار حقوق الأفراد وحرياتهم بشكل انتقائي، فيتجاهل انتهاكات وممارسات بشعة من الاستبداد والتنكيل بالحريات والحقوق في بعض الدول، بمقولة إننا نحترم «السيادة الوطنية» لهذه الدول، في حين يتذكر حقوق الشعوب وحرياتهم لتبرير التدخل في أحول أخرى، وعندما يتدخل باسم هذه الحقوق والحريات، فإن تدخله يأتي غالبًا متأخرًا مع حرصه على حماية جنوده من الملاحقة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ مما أفقد الرأي العام العالمي الثقة في «السيادة الوطنية»، كما في «مبادئ الحرية وحقوق الإنسان».

ولكن ذلك كله لا ينبغي أن يمنعنا من ضرورة التأكيد على أن «السيادة الوطنية» إنما هي — كما ذهب رسو — «سيادة للشعوب»، وليست امتيازًا للحكام للتنكيل بشعوبهم، وهو ما ذهبت إليه وثيقة الأمين العام للأمم المتحدة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.