قرأت خطابك الذي وجهته إليَّ في جريدة «الأهرام» من نحو ثلاثة أيام، ويسرني أن أقرأ لك خطابًا فأعلم عن أحوالك وصحتك خيرًا … توهمتَ أيها الصديق عندما تنبأتَ بمقالك أنه حدث بيننا خلاف كبير، ولكني وجدت الأمر هينًا … أن يجعلوا من الصغير كبيرًا فيتجادلوا ويتحزبوا كما نشاهد في مسائل السياسية، ولكن ما أبسط وأصغر ما هم فيه يختلفون!

لا أشك أنك تتفق معي وأتفق معك في قصة «سيرانو»؛ إذ أقول أولًا في القصة من الأساليب ما يحير المُعَرِّب، وقد يكون في بلاغتها المعجزة وإن في بلاغة الأصل وخصائص الفرنسية وصناعاتها اللفظية ما ليس في الطاقة نقله، وإذ تقول أنت ثانيًا إن لكل لغة جمالًا خاصًّا ليس إلى نقله إلى لغة أخرى من سبيل، و«سيرانو» قد جمع من هذا الجمال شيئًا كثيرًا؛ فمن المستحيل أن تتذوق هذا الجمال في لغة غير اللغة الفرنسية، وكلانا متفق على أن لا نطالب المنفلوطي — كما تقول — بأن يترجم الكتاب شعرًا كما أُلِّفَ شعرًا، فقد لا يكون ذلك ميسورًا، نتفق في ذلك كله فأين الخلاف؟

إن الخلاف الذي أظنه ينشأ بيننا قد يكون من سؤالين وجهتهما إليَّ، وتحب أن تقرأ لهما جوابًا، تسألني — يا صديقي — أولًا: إلى أي حد يباح للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بالمسخ والتشويه؟ ويا عجبًا لهذا السؤال الذي ما كنت لأجيب عليه لولا حرصي على تنفيذ رغبتك في الجواب.

وجوابي البسيط أنني لا أبيح قط للمترجم أن يتصرف فيما يترجمه بمسخ أو تشويه، وأما بعد هذا الجواب فاسمح لي أن أسألك سؤالًا من نفس سؤالك وعلى هيئته، فقل لي: إلى أي حد تسمي عمل المنفلوطي في رواية «سيرانو» مسخًا وتشويهًا؟ وإلى أي حد ترى مسخًا وتشويهًا أن تحوَّل رواية من القالب التمثيلي إلى القالب القصصي عند المحافظة على الأصل؟ ثم وجهت إليَّ سؤالًا ثانيًا، فقلت: أي الأمرين أجدر: أن تترجم قصة فنية مع القصور عن نقل أخص ما يميزها من الجمال، أم أن تترك هذه القصة في لغتها حتى لا تمسخ ولا تشوه؟

أما الجواب عندي على سؤالك هذا فهو أني أرى خيرًا أن تنقل لنا القصة في جمال قد يكون بعض جمال الأصل من أن يحجب عَنَّا كل هذا الجمال، وخير لنا أن تتكون عندنا فكرة صغيرة من أدب جيد من أن يُجهَل هذا الأدب، ولو لم يكن ذلك لما نقل الفرنجة في لغاتهم القرآن الكريم، ولما قرأت في لغاتنا شعر «هوميروس»، وما ترجمت من أدب اليونان.

أضف إلى ذلك أن الدافع الأول للنقل من لغة إلى لغة قد يكون في جملة الموضوع وليس في تفاصيله، وقد يكون في المعاني وليس في ثيابها من الأساليب. كأني بك اليوم — أيها الصديق — تطلب الشيء متكاملًا أو تأباه إذا كان دون هذا الكمال، وقد تتعب كثيرًا إذا ما أردت أن تطبق هذا المبدأ في مقاصد الحياة. أما أنا فأحب أن أسير مع الناس في مَثَلِهُمُ المألوف: ما لا يُدرَك كله لا يُترَك كله. وبعد جوابي هذا على سؤالك الثاني أُلْقِي إليك سؤالًا من نوعه: أتفضل أن تُؤْتَى عِلم الأولين والآخرين أم أن تحيا جاهلًا؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.