للظروف السياسية ذوق كثير جدًّا، دقيق جدًّا، شديد الحس، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة لما قد يقال، شديد الخوف مما قد يقال، شديد الحرص على أن لا يُظَنَّ بأصحابه إلا الخير، ولا يقال فيهم إلا الخير. وهذا الذوق — فيما يظهر — يجب أن يعتبر بين المؤثرات القوية في حياتنا السياسية، ولعله أشد المؤثرات عملًا في بقاء الوزارة القائمة إلى الآن، ولعلنا لا نغلو ولا نسرف ولا نجانب الصواب إن قلنا: إن هذا الذوق هو الذي أبقى الوزارة القائمة بعد حوادث البداري، حين فسد حول هذه الوزارة كل شيء، وتحلل من حولها كل شيء، وساء بها ظن الأصدقاء، وقبح فيها رأي الأولياء، وتنكر لها حتى أقطابها ودعائمها، وزلزلت بها الأرض، وأظلمت في وجهها السماء، وقال القائلون: إنما هو يوم أو بعض يوم حتى يكشف الضر، وتنجلي الغمرة، ويقر الحق في نصابه، ويرد الأمر إلى أهله، ويزول عن مصر هذا السلطان الذي سجل عليه القضاء اتخاذ العذاب وسيلة من وسائل الحكم، وما كان أحد يُقدِّر أن رئيس الوزراء سينشغل بأعباء الحكم، بعد أن تخفف من ماهر باشا ودوس باشا وعبد الفتاح باشا يحيى، لولا الذوق.

هذا الذوق الكثير الدقيق الحساس الذي أبى إلَّا أن يختم التجربة بمأساة البداري، وأن تنتهي الحياة السياسية لرجل كصدقي باشا بهذه القصة المزرية المخزية، فأعيد تأليف الوزارة، وأُقِرَّ رئيس الوزراء في منصبه، وانتظرت به الأحداث فرصة أخرى أنقى وأنصع من هذه الفرصة يخرج فيها من الحكم ظاهر النقاء، بادي الصفاء، وما هي إلا أسابيع حتى يلم المرض برئيس الوزراء، وتقوم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على أن الرجل لم يعد قادرًا على احتمال أثقال الحكم، والنهوض بأعباء السلطان، ويقول الناس في شيء من الرحمة والإشفاق: «سيستقيل الرجل إيثارًا لنفسه بالخير.» وإن أبى فسيُقال إيثارًا له بالعافية، ولكن الذوق — هذا الذوق الدقيق الحساس — يرى أن ليس من الظرف ولا من الملائم أن يُقصى الرجل عن الحكم وهو مريض لم تخف عليه وطأة المرض بعدُ، وقد يكون من الخير أن يُمهل حتى يستطيع التفكير والتقدير، وحتى يرى هو أن صلاحه وصلاح وطنه في أن يستقيل، فإذا خفت وطأة المرض عليه، وسعى الشفاء إليه سعيًا بطيئًا، لم يستقل، ولم يجرؤ الذوق الدقيق الحساس على أن يُذكِّره بالاستقالة، أو على أن يجعل إقالته موضوعًا للتفكير!

وإذا وُجد الذوق الدقيق الحسَّاس وُجد الذين يطمعون فيه، ويسرفون في استغلاله، ويتوسلون إلى هذا الاستغلال بالوسائل المختلفة، ويسلكون إليه السبل المُتباينة، وقد أحس رئيس الوزراء في نفسه عجزًا، فتخفف بعض الشيء من أثقاله، ولم يتخفف منها كلها، أعاد ترقيع الوزارة، ونزل عن وزارة الداخلية، ورأى أن هذا يكفي، ولم يستطع الذوق الدقيق الحساس أن يتجاوز معه هذه الخطوة القصيرة، أو أن يدفعه إلى أبعد من هذه المسافة التي قطعها، ووقف عند غايتها، فاستقلت الوزارة المرقعة بأعباء الحكم، في شيء من الظلع والعرج ظاهر محسوس، وكانت المصالح العامة في أثناء هذا كله تلقى ضروبًا من الشر، فمنها ما يهمل، ومنها ما يعطل، ومنها ما تجري الأمور فيه على غير ما ينبغي، حتى اضطرب الأمر، وضج الناس، وقال المصريون والإنجليز: إن من غير المفهوم أن تترك أمور بلد كمصر إلى وزارة لا قدرة لها على النهوض بهذه الأمور؛ لأنها خالية من الكفايات، ليس فيها إلا رئيسها، وهو مريض، وكان كل شيء يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة، أو تُلفت إلى الاستقالة، أو تقال.

ولكن استقالة الوزارة عسيرة ما أقام البرلمان، فهو لا يستطيع أن يعيش بدونها، وهو ذاهب إن ذهبت، ومقيم إن أقامت، والبرلمان هادئ مطمئن، يعقد جلساته في أمن وهدوء، وينصرف عنها في سلامٍ وطمأنينة، لم يُحدِث حدثًا، ولم يُغير شيئًا، ولم يأت ما يُنكر منه، أو يُلام عليه، فمن العسير على الذوق — هذا الذوق الدقيق الحساس — أن تستقيل الوزارة، ويتبع استقالتها حل البرلمان، وإذن فما يلائم الذوق الدقيق الحساس أن تبقى الوزارة حتى يتم البرلمان دورته، وأمد الدولة قريب، فقد وقَّت الدستور لها خمسة أشهر، وستنتهي هذه الأشهر الخمسة في شهر مايو، فليكن كل تغيير بعد تفرق البرلمان.

ولكني قلت لك: إنه إذا وُجد الذوق الدقيق الحساس وُجد من يطمع فيه، ويسرف في استغلاله. والظاهر أن هذا الحديث الذي يتردد في الصحف منذ أيام، بامتداد الدورة البرلمانية إلى أجل أبعد من الأجل الذي رسمه الدستور، ليس إلا مظهرًا من مظاهر الاستغلال لهذا الذوق الدقيق الحساس. فما دام البرلمان عاملًا، فيجب أن تظل الوزارة قائمة، وإذن فليعمل البرلمان وليعمل، ولتمتد به أسباب العمل إلى أقصى أجل ممكن، وأبعد أمد ميسور، وفي خطبة العرش التي افتتحت بها الدورة البرلمانية فسحة للعمل والأمل معًا، فقد كثرت فيها الوعود، وسميت فيها قوانين ومشروعات لا تكاد تُحصى، فلتمتد الدورة البرلمانية حتى تنفذ الوعود، وتعرض القوانين والمشروعات، ويدرسها البرلمان، ويَتَّخذ فيها قرارًا، وتربح الوزارة بهذا الامتداد شهرًا أو شهرين، أو أكثر من شهر أو من شهرين، ومن يدري؟ لعل الأقدار في أثناء ذلك تثير من الأحداث والخطوب ما يغير طريق السياسة، ويضيف إلى أجل الوزارة أجلًا جديدًا، ويمد لها في البقاء ولو وقتًا قصيرًا، وعلى كل حال فستربح الوزارة حظًّا من البقاء توشك أن تخسره إن وقفت بالدورة البرلمانية عند ما رسم الدستور، ومن ذا الذي تتاح له الفرصة فيصد عنها، وتمد له الحياة فيزهد فيها؟ ومن ذا الذي لا يستعذب قول الشاعر القديم:

ألِمَّا بمَيٍّ قبلَ أن تطرحَ النَّوى

بها مطرحًا أو قَبلَ بَينٍ يزيلها

إلَّا يَكُن ألا تَزوُّد ساعة

قليل فإنِّي نافعٌ لي قليلها؟

نعم لتمد الدورة الدورة البرلمانية، ولتبق الوزارة حتى لا يدع القدر لها إلى البقاء سبيلًا؛ فإن قال القائلون: كيف يعمل البرلمان ورئيس الوزراء مسافر للاستشفاء؟ أجيب في سهولة: لقد عمل البرلمان ورئيس الوزراء مريض، وقد ألغيت المسافات في هذه الأيام، فرئيس الوزراء قادر على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في أوروبا، كما كان قادرًا على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في الزمالك! وإذن فليس ما يمنع أن تمد الدورة البرلمانية، وأن تستمتع الوزارة بشيء من الحياة.

كذلك قدَّر المُقدِّرون، وكذلك فكَّر المفكرون في أكبر الظن، وكذلك أثر الذوق الدقيق الحساس في حياتنا السياسية، وكذلك يراد أن يؤثر هذا الذوق في حياتنا السياسية مرة أخرى.

ولكن الغريب من أمر هذا الذوق أنه دقيق حساس فيما يمس الوزارة ورئيسها، وفيما يمس البرلمان وأعضاءه، ولكن أحدًا لا يشعر بدقته، ولا بحسه فيما يتصل بحياة هذا الشعب نفسه، فلم يسأل أحد عن الآم هذا الشعب متى تنتهي، ولم يحفل أحد بسخط هذا الشعب في قصة البداري، ولم يلتفت أحد إلى مصالح هذا الشعب التي عطلها مرض رئيس الوزراء، والتي سيعطلها سفر رئيس الوزراء، وقد كان حقًّا على هذا الذوق أن يكون عدلًا في دقته، وفي حسه، وأن يحرص على حسن النظر للشعب ومصالحه، كما يحرص على حسن النظر للوزارة والبرلمان، إذا لم يكن من الميسور أن تكون العناية بالشعب ومصالحه أشد من العناية بالوزارة وبقائها.

غير أن الأيام أقوى من الذوق مهما دق، ومهما اشتد حسُّه، وهي أقوى من الوزارة مهما أحبت الحياة، ورغبت في البقاء، فجائز بل راجح أن تبتسم الأيام لهذا الذوق ودقته وحسه، وجائز بل راجح أن تبتسم الأيام للوزارة واستغلالها لهذا الذوق. كل هذا جائز، بل كل هذا راجح، ولا سيما إذا كان للأيام حليف أمين، له قوتها، وله قدرتها على السخرية والابتسام. وهذا الحليف الأمين القوي هو صبر الشعب على المحن، واستهزاؤه بالخطوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.