يقال: إن الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعًا بنص واضح صريح من نصوص الدستور، ويقال: إن هذا النص لم يُغيَّر ولم يُصِبْهُ تعديل ولا تبديل حين غُيِّر الدستور القديم وأُقيم مقام الدستور الجديد.

ولكن يظهر أن هذا النص إنما وضع في الدستور زينة له وتحلية؛ لأن الدساتير كلها تشتمل على مثله، ولأن الأمم الحديثة كلها تحرص أشد الحرص على أن يقال: إنها تكفل الحرية الشخصية للناس.

ومصر — كما تعلم — جزء من أوروبا؛ فينبغي أن يكون لها دستور كغيرها من البلاد الأوروبية، وينبغي أن يشتمل دستورها على مثل ما تشتمل عليه الدساتير الأوروبية من النصوص، وأن يقوم دستورها على مثل ما تقوم عليه الدساتير الأوروبية من القواعد والأصول، وإلا لم تكن جزءًا من أوروبا، ولم يكن أهلها قومًا متحضرين، ولم تكن دولتها خليقة أن تعد بين الدول الراقية.

وقد تكون هذه النصوص في نفسها سقيمة سخيفة، وقد يكون الدستور في نفسه لونًا من ألوان الكلام الذي لا فائدة منه ولا خير فيه، ولكنه على كل حال شيء لا بد منه في هذه الأيام لكل بلد يريد أن يُنظر إليه نظرة فيها إكبار وتقدير، فليكن لنا دستور، وليشتمل هذا الدستور على نصوص تكفل الحرية الكاملة للأفراد والجماعات في حدود القانون.

ولكن، لنُكنْ مهَرةً مكَرةً لَبِقِينَ في احترام هذا الدستور وتنفيذ هذه النصوص؛ فإن الأجانب لم يتعمقوا في درس شئوننا، وتعرُّف أخبارنا وأحوالنا، والتحقق من احترامنا للدستور أو أعراضنا عنه، سيكتفون بأن لنا دستورًا، وبأن دستورنا هذا يشبه ما عندهم من الدساتير.

وإذا خدعنا الأوروبيين عن أنفسنا، وخيلنا إليهم أننا قوم مثلهم؛ فلنصنع فيما بيننا وبين أنفسنا ما نشاء، ولننظر إلى هذه الحرية الشخصية التي يكفلها الدستور، والنظرة التي تستحقها؛ فالواقع أن هذه الحرية الشخصية ضرب من السخف! وفن من فنون الهزل! وأن الناس جميعًا لا يستحقون أن يستمتعوا بها، ولا أن يُخلَّى بينهم وبينها.

ومن الذي يستطيع أن يزعم أن قومًا كرجال المعارضة يستحقون أن يستمتعوا بحريتهم الشخصية في حدود القانون، فيقولوا ما يشاءون، ويأتوا من الأمر ما يريدون، ويتنقلوا من أرض مصر حيث يشاءون؟! ومن الذي يستطيع أن يزعم أن من الخير أن يُخلَّى بين هؤلاء الناس وبين الحرية الشخصية التي تبيح لهم القول والنشاط والانتقال، فلا يكادون يقولون أو ينشطون أو ينتقلون حتى يتصل بهم الشعب الذي يحبهم، ويفتتن بهم الشعب الذي يُكبرهم، وإذا هم والشعب معهم خطر على الأمن والنظام، وخطر على الوزارة قبل الأمن والنظام؟!

يجب إذن أن تضيق الحرية الشخصية لهؤلاء الناس، وألَّا يُمنحوا منها إلا ما يُمكِّنهم من الطعام والشراب والنوم، فأما ما يزيد على هذا فينبغي أن يقتر عليهم فيه، وألا يأخذوا منه بحظ إلا أن يأذن به وزير الداخلية! ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن هؤلاء الناس الذين يسمون أنفسهم أفراد الشعب، ومنهم الصانع والزارع، ومنهم التاجر والموظف، يستحقون أن يستمتعوا بهذه الحرية الشخصية وهم قاصرون لا يحسنون التفكير في شئونهم، والنظر في مرافقهم، وهم محتاجون دائمًا إلى الأوصياء يعلمونهم كيف يعيشون، وكيف يتصرفون في شئون الحياة، وحظهم من السذاجة عظيم: يرون نصًّا في الدستور يكفل لهم الحرية الشخصية، فيخيل إليهم أنهم قد ظفروا بهذه الحرية الشخصية حقًّا، وينسون أن احترام هذه الحرية الشخصية في النصوص وعلى الورق، وأن احترامها العملي في الحياة اليومية شيء آخر؟!

انظر إلى رجال التعليم الأوَّلي والإلزامي كيف خُدعوا عن هذه الحقيقة الواضحة الجلية، فخيلوا إلى أنفسهم أنهم أحرارٌ يستطيعون أن يتخذوا من الأزياء وأشكال اللباس ما يشاءون، وما يلائم منافعهم وميولهم، فعدل كثير منهم عن العمامة إلى الطربوش، وعن الجبة والقفطان إلى الجاكتة والبنطلون، حتى فسدت بذلك أمورهم وأمور القرى، واضطربت أحوالهم وأحوال القرى، وشك الناس فيهم، وساءت بهم الظنون!

وما رأيك في قومٍ لبسوا البنطلون فصرفهم عن غشيان المساجد، وأداء الصلاة، وغطوا رءوسهم بالطربوش، فحال بينهم وبين القدرة على الوعظ والإرشاد! أتظن أن هؤلاء الناس أهلٌ لأن يستمتعوا بالحرية الشخصية حتى ولو كفلها ألف دستور؟ كلا، يجب أن ترد العمائم إلى رءوسهم وإن كرهوا! ويجب أن تلف أجسامهم في الجبب والقفاطين وأنوفهم راغمة! ويجب أن يخيروا بين الحرية الشخصية وبين العيش!

فمن شاء منهم أن يأكل ويشرب ويطعم أهله ويسقيهم، فلينزل عن حريته الشخصية هذه! ومن شاء منهم أن يستمتع بهذا البدع الجديد ويكون رجلًا حرًّا يلبس ما يشاء هو لا ما يشاء رؤساؤه، فلينزل عن عمله في التعليم، وعن رزقه الذي يعيش منه، ويلتمس قوته وقوت أهله عند هذه الحرية الشخصية، ليلتمس لباسه ولباس أهله عند هذه الحرية الشخصية، ويلتمس مسكنه ومسكن أهله عند هذه الحرية الشخصية. يجب أن يختار المعلمون بين مناصب التعليم وكرامة الرجال، فمن شاء منهم أن يكون معلمًا فلينزل عن كرامته! ومن شاء منهم أن يكون كريمًا فلينزل عن التعليم!

أنت تقرأ هذا الكلام فتعجب، يخيل إليك أني أذهب في هذا الهزل والدعابة إلى حد بعيد، ولكني لا أحب الهزل ولا الدعابة في هذا الموضوع، وإنما أصور الحق الواقع الذي لا شك فيه. وقد تستطيع أن تقرأ في غير هذا المكان منشورًا أذاعه مدير الدقهلية في رجال التعليم الأوَّلي والإلزامي، يخيرهم فيه بين الزي الإفرنجي ومناصبهم في التعليم، ويؤجلهم شهرين ليختاروا، ويأخذ عليهم عهدًا بأنهم قد تسلموا هذا المنشور وقرءوه، فهم مُلزمون بما فيه!

فإذا أردت بعد ذلك أن توفق بين عمل هذا المدير وبين ما كفله الدستور للناس من الحرية الشخصية، فستضيع وقتك في غير طائل، وستضيع جهدك في غير عناء، فالمدير بهذا العمل مُعتدٍ على الحرية الشخصية، مُتعمِّد للطغيان على هؤلاء المعلمين، مخالف أبسط قواعد الحق والعدل، وأوضح أصول الدستور والقانون؛ فليس للدولة بحالٍ من الأحوال، ولا للسلطة الإقليمية بحال من الأحوال أن تدخل بين الناس وبين ثيابهم إلى هذا الحد.

وأنت تعلم حق العلم أن المدير يلبس الطربوش، ويلبس الجاكتة والبنطلون، وهو رجل مسلم يمثل حكومة إسلامية، ومن الحق عليه لو احترمت شعائر الإسلام في هذا البلد أن يشهد الصلوات الخمس كل يوم في المسجد العام، فهل يشهدها؟ فإن كان يشهدها، فهل يغير زيه كلما ذهب إلى الصلاة؟ أم هل يذهب إليها بزيه الإفرنجي؟ وإن كان لا يشهدها فما حكم اللَّه فيه؟ وما حكم الدولة الإسلامية فيه؟ وما رأي البرلمان الإسلامي فيه؟ وما باله يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟ وما باله يأمر الناس بتغيير أزيائهم ويحتفظ هو بزيه لا يغيره ولا يبدله؟

ومن الذي أعطاه هذا السلطان يطغى به على حياة الناس وأرزاقهم، ويتخذه وسيلة إلى العبث بحرية الناس وكرامتهم؟ وما قيمة هذا المعلم الذي يصبح عبدًا للمدير، فيلبس ما يشاء المدير لا ما يشاء هو؟! وما قيمة الطفل الذي يُنشِّئه هذا المعلم العبد؟! أيَنشَأ شابًّا حرًّا، أم شابًّا رقيقًا؟ وهب هؤلاء المعلمين أبوا أن يذعنوا لأمر هذا المدير، فأُبعدوا عن مناصبهم وقُطعت عنهم أرزاقهم، فماذا تصنع بهم الدولة؟ أترزقهم من غير عمل، أم تتركهم مشردين يموتون جوعًا إن آثروا الفضيلة، ويقترفون الآثام إن آثروا الحياة؟!

نريد أن نعتقد أن السلطة المركزية في القاهرة أعقل وأحزم وأكرم على نفسها من أن تدع هذا العبث يذهب فيه المديرون إلى غير حدٍّ، فهي إن فعلت فتحت بابًا للفتنة عظيمًا. إن الناس يفتنون في آرائهم ومذاهبهم، فلا ينبغي أن يفتنوا في لباسهم وأزيائهم. ومن الذي زعم أن العمامة تدعو إلى الصلاة وتأمر بالمعروف؟ وأن الطربوش يدعو إلى المعصية ويأمر بالمنكر؟ أفكل وزرائنا ورجال دولتنا الذين يلبسون الطربوش عصاة لله، تاركون للصلاة، آمرون بالمنكر، ناهون عن المعروف؟

وإذن فما بقاؤهم في مناصبهم؟ وكيف يتفق هذا مع أن دين الدولة هو الإسلام؟ وإذا كان الطربوش إثمًا إلى هذا الحد، فما بال البرلمان لا يصدر قانونًا بتحريمه على الناس جميعًا؟ وما بال الطربوش يباح لرجال التعليم كلهم إلا رجال التعليم الأوَّلي والإلزامي؟ أحقٌّ أن العمامة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ وإذن فما بال هذا الشيخ الأزهري الذي يشغل منصب التفتيش على التعليم الديني، ثم لا يتحرج من أن يسرق مقدارًا ضئيلًا من المال فيما يُقال من أموال الدولة — أستغفر اللَّه — من أموال المسلمين؟ وما بال الشيخ الأكبر يسكت على هذا الشيخ أو يسكت عنه، فلا يُبرِّئه من تهمة السرقة ولا يعاقبه عليها؟

كلا، ليس المعروف والمنكر أثرًا من آثار العمامة أو الطربوش، وإنما هما أثر من آثار التربية الصالحة، والتعليم الصحيح، ولم نعرف بعد أن أحدًا من رجال التعليم الأوَّلي سرق من أموال الدولة، أو سافر في الدرجة الثانية وأخذ من الدولة أجرة السفر في الدرجة الأولى.

يجب أن يضع وزير الداخلية حدًّا لطغيان مدير الدقهلية، وأن يأمر عماله في الأقاليم بأن يكفوا عن هذا العبث السخيف الذي يوشك أن يفتح على مصر أبوابًا للشر ليس إلى إغلاقها من سبيل!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.