أما أن رئيس الوزراء قد أخفق في تنفيذ الخطة السياسية التي رسمها لنفسه أو التي رُسِمَتْ له يوم ألَّفَ الوزارة منذ ثلاثة أعوام فذلك شيء لا شكَّ فيه، لا بالقياس إلى الذين يعارضونه ويخاصمونه بل بالقياس إلى الذين يؤيدونه وينصرونه وبالقياس إليه هو.

فالذين يعارضون رئيس الوزراء لم يشكُّوا لحظة في أن إخفاقه محتوم وفشله أمر لا بد منه؛ لأنه أقام سياسته على إكبار كفايته الخاصة أكثر مما ينبغي، وإصغار شأن الأمة إلى حد لا تقبله الكفاية الصحيحة حقًّا.

ومن أقام سياسته على إكبار نفسه وإن كان فردًا، وإصغار خصمه وإن كان أمة كاملة؛ فهو مخفق من غير شك.

وقد أخذ المعارضون لرئيس الوزراء يلاحظون سياسته ويتابعون خطواته في تنفيذ هذه السياسة ويبسمون لهذه الخطوات التي كان يراها هو انتصارًا ويراها معارضوه إمعانًا في طريق الإخفاق والخذلان، فلا هم اغتروا بهذه الخطب الطوال التي كانت تُلْقى مملوءة بالفخر والعجب وتسجيل الفوز، ولا هم اغتروا بهذه الجموع التي كانت تُحْشَد والوفود التي كانت تُرْسَل، ولا هم اغتروا بتأليف ما سماه حزب الشعب، ولا بإنشاء ما سماه جريدة الشعب، ولا بما رآه فوزًا في الانتخاب، ولا بأسفاره وإقاماته، ولا برحلاته إلى أوروبا وعودته منها، وزيارته للعواصم ومقابلته للوزراء ورؤساء الحكومات بل للبابا.

لم يغتروا بشيء من هذا؛ لأنهم قدَّروا — ومن الحق على كل إنسان له حظ من الفطنة أن يُقَدِّر — أن الفوز الصحيح الباقي المنتج في هذه الأيام لا سبيل إليه إلا أن يعتمد رجال السياسة على الأمم والشعوب؛ لأنها وحدها القوام الثابت لكل سياسة عملية.

ولم يكد يعود صدقي باشا من أوروبا حتى كان فوزه الموقوت قد انتهى إلى غايته، ولم يبقَ بد من أن يتحول هذا الفوز شيئًا فشيئًا إلى الفشل والإخفاق.

وقد داور صدقي باشا ما استطاع أن يداور، وأخفى ضعفه ما وجد إلى إخفائه سبيلًا، ولكنه لم يخدع أحدًا ولم يُخْفِ شيئًا، وما هي إلا أن يعترف هو بهذا الإخفاق في كتاب الاستقالة الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك؛ ليتخلص من زملائه الذين خالفوه في سياسة الحكم. فقد كانت هذه الاستقالة نفسها اعترافًا واضحًا بالفشل، وأي فشلٍ أشد، وأي إخفاق أعظم من أن يعجز رئيس الوزراء عن أن يقنع زملاءه وأقطاب وزارته بسياسته ويضطر إلى أن يستقيل ليخلص منهم، وإلى أن يعترف بهذا كله في كتاب الاستقالة؟!

وقد رقَّعَ صدقي باشا وزارته كما استطاع ولكنه لم يستفد من هذا الترقيع شيئًا، فنزع الرقعة التي ألصقها بوزارته في يناير، ووضع مكانها رقعة أخرى منذ أيام، وكان هذا الترقيع الأخير تسجيلًا آخر لهذا الإخفاق.

وأنصار رئيس الوزراء يدورون مع رئيس الوزراء فهم يُردِّدون ما يقول ويكتبون ما ينطق به، فيعلنون الفوز إن أعلنه ويلطفون اعترافه بالإخفاق حين يعترف به.

وربما كان تسجيل هذا الإخفاق هو الشيء الوحيد الذي اتفق عليه رئيس الوزراء وأنصاره وخصومه جميعًا في وقت واحد، ولكنهم لا يكادون يتفقون على هذا الإخفاق حتى يختلفوا في التماس المخرج منه والتخلص من أثقاله وآثاره. فأما رئيس الوزراء وأنصاره، فيُخيَّل إليهم أن الترقيع وسيلة من وسائل التخلص من هذا الفشل؛ فهم يرقعون ويرقعون وهم يكسبون الوقت وينتظرون ما تدور به الأيام.

وأما معارضوه وخصومه فهم يرون أن كل شيء قد دل دلالة قاطعة على أن وزارة صدقي باشا لم تكن صالحة للبقاء، ولم تصبح الآن قادرة على محاولة البقاء. وإن من العبث أن تتحدَّى طبيعة الأشياء وتقاومها وأنت تعلم حق العلم أنك مهما تُؤيِّدك القُوَى الظاهرة والخفية فلن تستطيع أن تثبت لطبيعة الأشياء ولا أن تتغلب عليها.

وإذن فلا مخرج من هذا المأزق الذي اضطر إليه صدقي باشا وورط فيه سياسة بلده إلا أن يستقيل ويَدَع هذه السياسة لمن هم أقدر منه على تصريفها والنهوض بأعبائها. وحسبه أنه قد أخَّر رُقيَّ وطنه ثلاثة أعوام، وحسبه أنه قد أضاع على بلاده كثيرًا من الفرص كانت تستطيع أن تنتهزها لتتقدم خطوات واسعة في سبيل الإصلاح، وحسبه أنه قد امتحن بلاده وأسرف في امتحانها، وقد فتن أمته وغلا في فتنتها، فأظهر مواطن للضعف ما كان ينبغي أن تظهر مشوهة قبيحة على هذه الحال.

ولكن رئيس الوزراء يحب الحياة لوزارته كما يحب كل إنسان لنفسه الحياة، فهو يطاول ويداور ولا يريد أن يتعجل فيقصي نفسه عن الحكم وإنما يريد أن تقهره الظروف القاسية فيدع الحكم كارهًا لا طائعًا، وهو يعلل نفسه بالأماني ويذهب المذاهب المختلفة في إطالة مدته في الحكم، ولعله لا يعدم من الإنجليز الذين غلوا في تأييده وإعانته من يشاركه في الرأي ويقاوم معه طبيعة الأشياء ويدفعه إلى التعلق بالحكم حتى يضطر إلى تركه اضطرارًا.

وكذلك وضع رئيس الوزراء نفسه في هذا الموضع المؤلم الذي يثير الإشفاق والرحمة حتى في نفوس خصومه ومعارضيه، فهو ضعيف قد فقد كل حيلة في التماس القوة على النهوض بأعباء الحكم، وهو مريض في حاجة شديدة إلى الراحة، وهو رغم ضعفه السياسي ورغم مرضه مُتعلِّق بالمنصب حريص على البقاء فيه.

والناس يقولون — ومن الكُتَّاب السياسيين من يوافقهم على ما يقولون ولا يتحرج في إظهار شيء من الرضا والأمل بما يقولون — إن في الحركة الإدارية التي أُحْدِثَتْ أمس تمهيدًا لتغيير السياسة الصدقية التي قام على فسادها ألف برهان وبرهان.

فقد يظهر أنَّ نَقْلَ المديرين من إقليم إلى إقليم إنما هو توسعة على هؤلاء المديرين في أن ينهجوا في السياسة نهجًا رفيقًا غير النهج العنيف الذي دفعهم إليه عُنْفُ صدقي باشا وإيثارُه لإظهار القوة والبأس، فقد يكون من العسير على مدير أسيوط السابق أن يلين بعد شدة ويخف بعد عنف، دون أن يُعَرِّض كرامته وهيبته لشيء من الابتسام على ثغور الناس قد لا يصور الاحترام وقد يصور ما هو نقيض الاحترام؛ لذلك نُقِل إلى الغربية ليكون فيها رفيقًا شفيقًا بعد أن كان عنيفًا مسرفًا في العنف.

وأُرْسِل إلى أسيوط مدير البحيرة السابق لِيُظْهر فيها من الموادعة والمصانعة ما لم يكن يستطيع أن يظهره مديرها السابق. وقُلْ مِثْلَ هذا في سائر المديرين الذين مسهم التغيير والتبديل.

وقد يكون هذا حقًّا وقد يكون صدقي باشا قد رأى أو رُئِي له أن من الخير أن تتغير السياسة في الأقاليم وأن يُؤخَذ الناس بالحسنى، وتُجْلَى عنهم غمرة العذاب الذي أخذهم من كل مكان؛ لتهدأ ثورة النفوس وليخفَّ ما أُشْعِرته القلوب من بغض للحكام.

ولكن الشيء الذي ينبغي الوقوف عنده إن كان هذا الكلام صحيحًا هو أن الحكومة كانت أشد رعاية لنفسها ومديريها منها لأهل الأقاليم؛ فهي تضن بمدير أسيوط على أن يرفق بعد عنف، ويلين بعد شدة، وهي تؤثره بحبها، وتحرص على كرامته وهيبته من ابتسام الناس، ولكنها لم تؤثر هؤلاء الناس بعطفها ورحمتها ولم تحرص على كرامة هؤلاء الناس أن يمتهنها مدير أسيوط بما كان يصب عليهم من عذاب فيه الإيلام والإذلال معًا.

هي تخاف على المدير من ابتسامة الناس ولا تخاف على الناس من عبوس المدير، كرامة موظفها أعز عليها وآثر عندها من كرامة الأمة التي إنما أقامت الحكومة لتخدمها وترعى مصالحها لا لتسخرها لأنواع الذل ولا لتؤثر عليها أفرادًا من الموظفين، ومعنى هذا أيضًا إن صح ما يقوله الناس وينتظر الخير منه بعض الكُتاب السياسيين أن الحكومة تعبث بعقول الناس وتُلاعِب الأمة كما يُلاعِب الرجلُ الطفلَ الصغير.

كان أهل أسيوط يَضِيقون بمديرهم، فيُنْقَل هذا المدير ويُرْسَل إليهم مدير آخر، ويُخيَّل إلى الحكومة أنها قد أرضت أهل أسيوط، ولكن هل أهل أسيوط جزء من الأمة المصرية؟! لأن أسيوط جزء من أرض مصر، وإساءة مدير أسيوط إلى أهل إقليمه كانت إساءة إلى الأمة المصرية كلها، فانقلوه من أسيوط وضعوه حيث شئتم من الأرض، فلن يغير ذلك من الأمر الواقع شيئًا. والأمر الواقع أن هذا المدير وأصحابه لم يسيئوا إلى أهل أقاليمهم وحدهم وإنما أساءوا إلى الأمة كلها؛ لأنهم أساءوا إلى القانون الذي كُلِّفوا تنفيذه، وإلى النظام الذي كُلِّفوا حياطته، وإلى العدل الذي كُلِّفوا القيام على حمايته.

وقد ذهب العصر الذي كانت الحكومات تفرق فيه بين الأقاليم وترى أن الإساءة إلى أحدها لا تمس غيره، ذهب هذا العصر وأصبح كل فرد من أبناء مصر يصور الأمة المصرية كلها في حقه على الحكومة من الحماية والرعاية. ولم تَبْقَ الأقاليم إلا وحدات إدارية ليس غير أو أكثر من هذا أن نَقْلَ المديرين أو عَزْلَهم أو محاكمتهم، كل ذلك لا يُغَيِّر من الأمر شيئًا ما دام الذي بَسَطَ أيدي المديرين على الناس مستأثرًا بالحكم قادرًا على أن يبسط أيديهم مرة أخرى. فليس الذي يُهدِّئ ثورة النفوس ويُلطِّف حدة القلوب، هو أن يُنْقَل مدير أو يُعْزَل، وإنما هو أن تستقيل الوزارة أو تُقال.

إن الذين يظنون أن هذه الحركة الإدارية قد تكون تمهيدًا لسياسة جديدة تسلكها الوزارة القائمة، يخطئون خطأ قبيحًا جدًّا، ويقيمون أوضح الأدلة على أنهم لم يفهموا الشعب المصري بَعْدُ؛ فالشعب لا يُخْدَع منذ الآن بالصور والأشكال، والشعب لا يرضى بأن يُنْقَل مدير مكان مدير، وإنما يريد الشعب أن تُجْتَثَّ هذه السياسة من أصلها، وأن تتخلى الوزارة القائمة ليأتي مكانها قوم آخرون لا يبسطون أيدي المديرين على الناس إلا بالخير.

وأغرب من هذا أن من الكُتَّاب السياسيين مَنْ عَظُمَ حظُّهم مِنْ خصب الخيال وبُعْدِه؛ فهم يُقَدِّرون أن هذه الحركة الإدارية تمهيد لتغيير السياسة الإنجليزية المصرية كلها ولإقامة وزارة مكان وزارة.

وإذن، فما أقوى رئيس الوزراء على نفسه وما أحراه بالإعجاب والإكبار! وما أقسى هؤلاء الذين يُوحُون إليه ويُمْلُون عليه ويدفعونه إلى أن يُمَهِّد لخصومه الذين سيخلفونه ويعفون آثاره في سياسة الدولة!

هذا كثير على رئيس الوزراء، فما علمنا أنه قد بلغ من الإيثار هذا الحد إلا أن يكون لهذا التغيير المُنْتَظَر قوام آخر هو الذي أشارت إليه النيرايست أخيرًا؛ وهو توسيع الائتلاف وإضافة رءوس أخرى إلى رأس الوزارة القائمة، وإذن فما أجدر هذا التغيير بأن يلقى نفس الإخفاق الذي لقيته وزارة صدقي باشا!

قد تخطر في عقول الساسة حلولٌ مختلفة للموقف السياسي في مصر الآن، ولكن الشيء الوحيد الذي لا بد منه لأي حل يُراد أن يُنْظَر فيه نظر جد وتفكير، هو أن يتنحَّى رئيس الوزراء عن سياسة الدولة الآن، وما أشَدَّ حاجتَه إلى أن يعتزل السياسة في هذه الأيام ويستريح!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.