أنفقت أيامًا عشرة لا تصل إليَّ فيها الصحف المصرية، ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إليَّ الصحف الفرنسية أو الإيطالية، وأرادت الظروف ألا يكون في الفندق الذي أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحًا أو ممسيًا لأسمع الأنباء، وأساير ما يجدُّ في مصر من الأحداث، فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة؛ هي طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التي لا تُقنع ولا تُرضي، ولعلها تشوِّق إلى مزيدٍ من العلم وفضلٍ من المعرفة. وجعلت أظن الظنون وأقدِّر في نفسي ألوانًا من الفروض تصوِّر لي الحياة الواقعة في مصر، وقد كنت متلهفًا إلى الأنباء، فكنت أُقدِّر أنَّ المصريين جميعًا متلهفون مثلي على الأنباء، وكنت مشغولًا عن كل شيء بالتفكير في ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة، وأثر هذا كله في حياتنا التي نحياها اليوم، وفي حياتنا التي سنحياها غدًا، أو بعد غد.

ولم أكن أشكُّ في أنَّ المثقفين من المصريين مشغولون مثلي عن كل شيء بهذا التفكير، وكنت لا أفكر في أمس القريب أو البعيد إلا لأوازن بينه وبين اليوم أو لأوازن بينه وبين غد أو بعد غد، وكنت أعتقد أنَّ المثقفين من المصريين مثلي قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق، فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد، وأصبحوا إخوانًا قد صفت قلوبهم من البغض، وبرئت نفوسهم من كل سوء، وطهُرت ضمائرهم من كل موجدة. وقد حفظتُ فيما حفظت من الآثار أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكنت أظن أنَّ الثورة تَجُبُّ ما قبلها أيضًا، وكنت مستيقنًا أنَّ المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم، ويزيلوا ما بها من البغي، ويردوا الحقوق إلى أصحابها، ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعًا.

كنت أظن هذا كله، وكنت أقول لنفسي إنَّ الزمان قد استدار في مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين، فأصبح لا عهد له ببغي، ولا طغيان، ولا عدوان، وإنَّما مصر بلدٌ صفا جوُّه، وطاب إقليمه، يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره، وطابت سيرته وسرائره.

كذلك كنت أشعر، وكذلك كنت أفكر، وبذلك كله كنت مؤمنًا، وإلى ذلك كله كنت مطمئنًّا، ولكنَّ الصحف المصرية تصل إليَّ ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها، فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح، وأحلام حلوة ممتعة!

رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر، وقبل أن تعصف الثورة ببغي البغاة، وطغيان الطغاة، لم يتغير من سيرتها شيء لا في الظاهر ولا فيما وراءه من خفيِّ الأشياء والأسرار: كَلَفٌ بالأنباء المثيرة، وشغفٌ بالأخبار التي تروع أو تروِّع، وتتبُّع للصغائر، وإغراق في البحث عنها، ومُضي في الجدال الذي لا يُغني عن أصحابه ولا عن النَّاس شيئًا.

الأحزاب ماضية في خصوماتها كأنَّ الدنيا لم تتغير من حولها، والصحف الأسبوعية ماضية في تَلقُّط النوادر التي يتفكَّه بها النَّاس حين يلقى بعضهم بعضًا على حساب هذا الحزب أو ذاك، وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك، كأنَّ مصر لم تستأنف فصلًا جديدًا من تاريخها الرائع الطويل. وإنِّي لفي ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثًا لم أكد أقرؤه حتى أغرقت في ضحك عميق عريض، ولكنَّه على ذلك مؤلم مُمِضٌّ، فهذا الحديث يمسني أنا ويمسُّ علمي باللغة العربية، وسوء تصرفي فيها، وما رأى القارئ في أنِّي لا أحسن تعدية الأفعال، وإنما أخلِّط في حروف الجر تخليطًا معيبًا، ولا أُحسن استعمال الهمزة، وإنَّما أنحرف في هذا الاستعمال عمَّا جاء في شعر زهير، وعمَّا جاء في مغني اللبيب لابن هشام. وقد أغرقت في هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأني أُنكر على صاحب هذا الحديث شيئًا مما قال؛ فالنَّاس جميعًا يعلمون أنِّي لا أُحسن اللغة العربية، ولا أجيد التصرف فيها، والنَّاس جميعًا يعلمون أنِّي لستُ من الكتابة ولا من الأدب الرفيع في شيء، وإنَّما مُتكلفٌ ثرثار، لا أعرف كيف أبدأ، ولا أعرف كيف أنتهي، ولا أعرف كيف أقول. النَّاس جميعًا يعلمون هذا، وأنا أعلمه أيضًا، ولست أنا الذي طلب إلى النَّاس أن يُسمُّوني بما شاءوا من الأسماء، وأن يُلقِّبوني بما أحبوا من الألقاب، وإنَّما هو حبُّ النَّاسِ للعبث، وكلفهم بالدعابة، وتهالكهم على الفكاهة، قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه، وورطهم فيما تورطوا فيه.

لم أمعن في الضحك إذن لأنِّي أنكرت من هذا الحديث شيئًا، وإنَّما أمعنت في الضحك العميق العريض الطويل الممض لأنِّي ذكرت تلك الصورة التي استقرت في نفسي لمصر قبل أن تصل إليَّ الصحف بساعة أو بعض ساعة، ثُمَّ رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل، وليس شيء من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها، مَلِك ينزل عن العرش مذعنًا لإرادة الشعب، وحياة عامة تتغير وتريد أن تنقلب رأسًا على عقب، ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ مما جرى فيها من الفساد، وبلد يُخلَق خلقًا جديدًا، وتاريخ يستأنف من فصوله فصلًا يريد أن يكون رائعًا بارعًا خلابًا للقلوب والعقول والأبصار والأسماع، كلُّ هذا في ناحية، وأمامه في ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة، أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكُتَّاب، ويعيب على الأهرام أنَّه من كُتَّابها، ويطلب إليها أن تُصحِّح فصوله قبل أن تنشرها، ضخامة ضخمة من جهة، وصفر صغير من جهة أخرى، وأشد من ذلك إيذاءً للنفوس وإيلامًا للقلوب أنَّ هذا الصفر الصغير ليس فذًّا ولا نادرًا، ولكنَّ له أمثالًا كثيرة في صحف كثيرة، وهذه الأمثال لا تمسني من قريب أو بعيد، وإنَّما تمس غيري من النَّاس، وليس المُنكَر فيها أنَّها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلًا وبالباطل كثيرًا، وإنَّما المُنكَر فيها حقًّا هو أنَّها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغي أن يأخذ على المصريين جميعًا طرق التفكير والشعور، وطرق الكتابة والحديث.

لقد كانت بيني وبين قوم من المصريين خصومة في شئون التعليم، كنت أقول، وكانوا يقولون، وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم، ولكنَّ الأنباء تحمل إليَّ أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة، لا عامدًا إلى هذا الإعراض وإنَّما اضطرتني إليه الأحداث اضطرارًا؛ فما حديث المجانية، أو ما حديث بثينة وجميل في بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.

وقد ساءلت نفسي دائمًا، وفي كثير من الإلحاح عن بيت المتنبي:

وإذا كانت النفوسُ كبارًا

تعبتْ في مُرادِها الأجسامُ

كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه «صغارًا» مكان «كبارًا»، وأعترف بأنِّي ذكرت هذا البيت، وذكرت السؤال الذي طالما ألقيته على نفسي حين قرأت الصحف التي وصلت إليَّ من مصر منذ أيام، ورسَمَت قائدنا العظيم الذي غيَّر حياة مصر في أيام قليلة، بل في ساعات قليلة، فردَّ إليها شرفها وكرامتها في داخل البلاد وخارجها، وأشْعَرَ كلَّ مصري بأنَّه يستطيع أن يقول للظالم لا، وأنْ يمتنع في عزة وإباء على كلِّ من يسومه الخسف ويريد به ما لا يجب.

رحمتُ قائدنا العظيم حين رأيت مَن حوله قومًا قليلين، أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها، ومشغوفين بشخصهم يبدِّلون فيه ويعيدون كأنَّ شيئًا من حولهم لم يتغير.

ما أكبر مصر! وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها! وما تقول في أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطنُّ، وضفادع تملأ الجو نقيقًا؟!

ما أشد حاجة المصريين — والمثقفين منهم خاصة — إلى أن يقدِّروا وطنهم حق قدره، ويعرفوا أنَّه أكبر وأعظم وأبعد صوتًا من هذا السخف الذي يمعنون فيه! ليكن فلان عالمًا أو جاهلًا، وليكن فلان قدمًا أو فصيحًا، وليكن فلان حليمًا أو سفيهًا، فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تُقبل مصر على ما هي مُقبلة عليه من عظائم الأمور؟!

أقول هذا كله وأنا أبعد النَّاس عن اليأس والتشاؤم، وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل، فقد تخلق مصر خلقًا جديدًا، وتتغير نظمها المختلفة تغيُّرًا خصبًا، ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها، وإنْ لم يتجاوزوا طور الشباب:

والشيخُ إن قوَّمته مِن زَيغه

لم يُقِم التثقيفُ مُنه ما انحنى

فأي غرابة في أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود؟! وأي غرابة في أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التي مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأنَّ الدنيا قد تغيرت من حولهم، وأنَّ شئون الإصلاح السياسي والاجتماعي والعقلي أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها؟! إنَّهم يسمعون أنَّ مصر تريد أن تُغيِّر نظامها الاجتماعي فتجعل توزيع الثروة عادلًا مُلائمًا للحق والإنصاف، وهي تفكر في تحديد الملكية، ورفع الضرائب، وتمكين الفارغين من أن يعملوا، وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا، وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا، وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء، يسمعون هذا كله فلا تُصغي إليه قلوبهم ولا عقولهم، وإنَّما يعيبون كاتبًا بأنَّه وضع «عن» مكان «على»، ويعيبون سياسيًّا بأنَّه ابتسم في غير موضع للابتسام. ولا بد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء النَّاس من نومهم العميق، ويتنبهون إلى أنَّ زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين، وإلى أنَّ لوطننا ولأنفسنا علينا حقًّا؛ هو أن نُعنَى بالمهم من أمره وأمرها، حتى إذا فرغنا من ذلك وأُتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية، جاز لنا يومئذٍ — ويومئذٍ فحسب — أن نَفرغ لتتبع الصغائر والإمعان في السخف، نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة. ولكنَّ هؤلاء النَّاس سيقرءُون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يُلائم لسان العرب، ومختار الصحاح، وسيقولون: ما زال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارًا لا يُحسن أن يكتب، ولا يعرف كيف يقول. فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يُوعدون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.