هي قصة كتاب أريد له الظهور، ويأباه كل الإباء! ومن الكتب ما له سيرة عجب!

قلت لنفسي بعد أن أخرجت «إبراهيم الكاتب»: يحسن بك يا هذا أن تنحو في الرواية التالية نحوًا آخَر، حتى لا يجيء ما تكتب من ذاك على غرار واحد، فيمل القراء، وصح عزمي على هذا التنويع، فتوكلت على الله، وشرعت في فترات النشاط القليلة أكتب رواية فكاهية، والفكاهة — كما تعرف أو لا تعرف — تتطلب حذقًا وأستاذية لا يتطلبها الجد وإرسال النفس على السجية، حتى ولو كانت في الطباع، فإن لفظة واحدة تزيد أو تنقص، يبوخ بها المعنى، أو تفضي به إلى الغثاثة.

بدأتها في مصر، ثم سافرت إلى لبنان طلبًا للراحة والاستجمام، فحملت مسودتها معي، وعكفت عليها في البكرات الندية حتى فرغت منها، ففركت كفِّي وتشهدت وحمدت الله؛ فقد أتعبتني، وبقي أن نُطلِق اسمًا على هذا المولود الجديد، والأسماء آخِر ما أختار لكُتُبي، واختيارها يكلِّفني شططًا، فإن لي فيها لمذهبًا خاصًّا، وأنا أتحرى فيها ما لا يتحرَّاه غيري، وقد لبث كتاب «خيوط العنكبوت» حَوْلًا وزيادة لا يصدر حتى اهتديت إلى اسمه، وأسميت كتابًا آخَر «عابر سبيل»، فأبَى العقاد إلا أن يسبقني إلى إخراج كتابٍ له بهذا الاسم فحرمنيه، ونزلت عنه غير شاكر له، واحْتَلْتُ على المعنى حتى أسميته «في الطريق» ولكن هيهات!

ويأبى العقاد إلا أن يتعقبني فيفسد عليَّ أسمائي! وهو لا يدري! فقد أطلقت على روايتي الجديدة اسم «الدكتورة سارة» فسبقني مرة أخرى وأخرج رواية «سارة»، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا اسم آخَر يضيع بفضل العقاد! فماذا أصنع؟ أتُرَى ينبغي أن أسجِّل في المحكمة ما يخطر لي من أسماء لكُتُبٍ أنوي إصدارها؟

وبدا لي أن أراجع الرواية عسى أن يلهمني الله اسمًا جديدًا لها، فرأيتني أغيِّر وأبدِّل، وأضيف وأحذف، حتى فشا عليَّ الأمر، واختلط فلم أَعُدْ أدري أين الأصل في هذا الكوم كله، فجمعته ودسسته في درج، وقلت: إلى أن يجيء أوان الطبع، نستريح من وجع الرأس. ورحت أكتب رواية أخرى أتممتها بلا عناء في بضعة أسابيع، وكانت عندي كُتُب أخرى لا ينقصها إلا أن أهيِّئها للطبع، أيْ أن أختار لها أسماءها وأنسخها، فقد صرت أحرص على نسخة من الأصل غير التي أقدِّمها للمطبعة، حتى إذا ضاعت ورقات — كما حدث في رواية إبراهيم الكاتب — وجدنا صورة منها.

وفتح الله عليَّ باسمٍ صالحٍ للرواية المهملة، ففرحت وقلت هذه آية، وبعثت بالاسم إلى الخطاط، وأَنْسَتْني الفرحة بموافقة الاسم وجمال الخط، أن أؤدِّي للرجل حقه، فمعذرة يا صاحبي فإن حقك «في الحفظ والصون» ولست آكل الحقوق، ولكني أنساها، وتلك آفتي فاعرفها وليعرفها غيرك أيضًا، فإن معرفتها أجلب للاطمئنان، وأنفى للقلق والهواجس.

وكنت غير راغب في الطبع على نفقة غيري، ولكني لست بذي مال أو أنا لا أحسن تدبيره، أو لا أدري ما العلة، فما يتلبث معي شيء مما يصل إلى يدي، قلَّ أو كثر، ويُخَيَّل إليَّ أحيانًا أني أنفق المال حتى في المنام، وكثيرًا ما ألح على صديق كريم أن أقيد في دفتر صغير ما أكسب وما أنفق، فأقول له: «ولماذا أجشم نفسي هذه المشقة كلها؟ هل تقييد هذه الأرقام وإثباتها في ورقة، يحفظها في جيبي أو يدي؟ إن كل ما أعرفه، وما أحتاج أن أعرفه، هو أني كسبت رزقي وقضيت به حاجاتي، وذاك حسبي ولا حاجة بي إلى زيادة علم.»

فيقول: «إن هذا التدوين يضبط الحساب ويُعِين على الاقتصاد.»

فأقول: «أيُّ حساب تريد أن تضبطه يا أخي؟ إنك تشتري ما تشتري بثمنه، وتنفق المال في وجوهه، فكيف يكون عناء التدوين ضابطًا للحساب؟ ولماذا تكلِّفني العد والحساب، والجمع والطرح؟ ما خير أن أعلم أني كسبت كذا وأنفقت كذا؟ إن فائدة المال أن الحاجات تُقضَى به، وهذا هو الحاصل، والاقتصاد الذي تشير به يمنع المال أن يدور في الأيدي دورة تامة، وهذا شر، ثم إني لا أقدر عليه ولا أُحسِنه حتى لو أردته، وإني لأجد في الإنفاق لذة لا تعدلها لذة، ويؤرقني ويتلف أعصابي أنْ لا أجد وجهًا أنفق فيه ما معي، ويكربني ذلك ويضيق له صدري جدًّا.»

فيقول: «وأولادك؟ ألا تترك لهم شيئًا؟»

فأقول: «يكفي أن أربيهم، وعليهم أن يكسبوا رزقهم بعد ذلك بعرق جبينهم.»

فيقول: «وإذا لم تكفِ فسحة الأجل؟»

فأقول: «سبحان الله العظيم يا أخي! وهل أولادي نزلوا من السماء، فهم فوق البشر ولا ينبغي أن ينالهم مكروه أو يتعرضوا لما يتعرض له الخلق جميعًا؟ ولماذا يجب أن ينفرد أولادي دون هؤلاء الملايين بالنعمة والترف؟ إنهم ناس كسائر الناس، فإذا جرى عليهم ما يجري على سواهم، فلا ظلم هناك، ولا حق لهم في الشكوى والتذمر إلا من النظام الذي يسمح للأقلين أن يثروا ثراءً عظيمًا لا داعي له ولا انتفاع به، على حين تلصق بطون الجمهور والأعظم بالتراب من الفاقة، وسيتغير هذا كله عاجلًا أو آجلًا، فاطمئن، وسيحمي أولادي وأولادك وأولاد الناس قاطبة أن يتمرغوا في المتربة المذلة الأليمة، وإلى أن يعتدل ميزان الحياة لا أرى أن مما هو خليق أن يكرب النفس أن يكتب الله الشقوة والفقر لأولادي، ولَخيرٌ من المال يرثونه ويتطرون به ولا يعولون إلا عليه — رجولةٌ يرثونها، وجَلَدٌ يعتادونه، وقوةُ نفس يفيدونها، وصلابةُ عود تنفعهم في الكفاح اللازم في الحياة، والمال يضيع ولكن هذه تبقى. فَدَعِ الخوف على أولادي وأولادك، فإن هؤلاء الأثرياء لا خير فيهم لأنفسهم ولا للناس، وإنما معول الدنيا على أمثالنا المكدودين المرهَقين الذين يكسبون الرزق بعرق الجبين. نحن الناس يا صاحبي لا أولئك الضعاف المهازيل الذين يرثون ما لا يتعبون فيه، ولو فقدوه لحاروا من أين يجيئون بكِسْرة من خبز ناشف. كلا! لست أحمد توريث المال فإنه مَفْسَدَة».

وأعود إلى ما استطردت عنه فأقول أني آثرت أن أطبع الرواية على نفقتي، وأشار عليَّ صديقٌ أن أشتري من ورق الصحف وأقصه وأسوِّيه «رزمًا»، وأنا — على كثرة ما طبعت من كُتُبٍ — من أجهل خلق الله بهذه الأمور. وقد قال إن هذا أرخص، فصدَّقْتُه، ودلَّني على مطبعة في صاحبها قناعة عظيمة، وكان مطلبي أن أنفق على الطبع أقل ما يمكن ليتسنى أن أبيع الرواية بأزهد الأثمان، فاستخرت الله وصدرت عن رأي الصديق ودفعت الأصول إلى المطبعة، وسارت الأمور في البداية على ما يرام … ببطء، ولكنه لم يكن بطئًا مزعجًا، ثم إني غير مقيَّد بموعد، فلا ضير من ذلك.

ولم يَخْلُ الأمر من مضحكات؛ ذلك أني أسميت الرواية «ميدو وشركاه»، وقد آثرت هذا الاسم على غيره مما خطر لي، للدلالة على النحو الفكاهي فيها، فسمع بعض رجال البوليس أن «المازني» يطبع رواية غريبة الاسم في مطبعة صغيرة في حارة مجهولة، فارتاب في الأمر، وخشى أن يكون كتابًا سياسيًّا يُطبَع سرًّا، فداهم المطبعة بسَرِيَّة من الجند والمخبرين، وجعل يسأل: «يعني إيه ميدو وشركاه فهِّموني!» ولا يكلف نفسه عناء القراءة ليفهم، فأطلعوه على الإذن بالنشر، فانصرف ولم ينقض عجبه.

ووجدنا أن شراء الورق على نحو ما أشار صديقي قد كلَّف فوق ما كان في الحساب، وكنت أتلقَّى مسوَّدة الملزمة من المطبعة لتصحيحها، فأنساها هنا أو ههنا، أسبوعًا، وشهرًا، وأَعْدَيْتُ صاحب المطبعة بالنسيان فأخذه عني، وأسرف فيه، وكنت ربما أصبحت ذاكرًا، فأبحث عنه لأستعجله فلا أجده، وصار مثلي ومثله كمثل الذي قال فيه الشاعر إنه يذهب في أمر فيغيب حولًا ويسب العجلة، أو كالخادم الذي قال فيه ابن الرومي:

والكتاب في المطبعة منذ ثمانية شهور أو تسعة، وما أنجزنا منه إلا ثماني ملازم أو تسعًا، ولولا أني اعتدت أن أنظر إلى الأمور من ناحيتها المضحكة، وأتناول الحياة برفق، ولا أهوِّل على نفسي، لطار عقلي من الغيظ، ولكني أضحك وأقول: «وافق شن طبقة»، ووقعت الرحى على قطبها، وقد كان العزم أن أصدر كُتُبي واحدًا تلو الآخَر — كل بضعة أسابيع كتابًا — فالآن صرت أخشى على ما طُبِع من الملازم من الفيران وغيرها مما هو مغرًى بقرض الورق، وسيتغيَّر لون الورق ويُحوَّل، فيخرج حين يقسم له أن يخرج أعجوبة الأعاجيب.

وأقول الحق: إني مللت الأمر كله، فلست أبالي أظَهَرَ أم لم يظهر، وأكبر الظن أني سأدعه وآخذ في طبع غيره، فإنه يُخَيَّل إليَّ أن سرًّا خفيًّا يعطِّل فلكه عن الدوران.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.