لم يُتِح الاجتماعُ الذي تمَّ في واشنجِطُون بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزارة البريطانية ورئيس وزارة كندا لطلَّاب الأمن وأنصار السلام الدائم أن يتنفسوا تنفس الراضي المطمئن؛ لأن هذا الاجتماع لم يَخْطُ بالعالم خطوة بعيدة أو قريبة نحو الثقة والاستقرار، وإنما أمسك العالم في حيث هو من القلق، والخوف، وسوء الظن. ولعله أن يكون قد زاد حظ العالم من القلق والخوف وسوء الظن، فهو من غير شك قد وثَّق الصلات بين أعضاء العصبة السكسونية توثيقًا متينًا، ولكنه لم يقرب الأمد بين هذه العصبة وبين الاتحاد السوفييتي. وكل قوة تستمتع بها إحدى العصبتين مدعاة إلى القلق والخوف وسوء الظن إلَّا أن يتحقق التقارب بينهما، وتوجد الثقة التي ليس إلى التقارب من دونها سبيل.

واختلاف المصالح وتباينها هو مصدر ما بين العصبتين من الشك وسوء الظن، فإحدى العصبتين تسيطر على العالم الخارجي بما لها من إمبراطورية واسعة في أقطار الأرض كلها، وبما لها من سيطرة على البحار كلها أيضًا، وبما تتيح لها هذه السيطرة وتلك الإمبراطورية من اتخاذ القواعد البرية والجوية والبحرية حيث تشاء.

ثم إن هذه العصبة لا تسيطر على العالم الخارجي لاتساع الإمبراطورية والتسلط على البحار فحسب، ولكنها تسيطر عليه كذلك في هذا السلطان الاقتصادي المالي الهائل الذي تكتسبه من ثروة أمريكا التي لا تنضب، وغنى الإمبراطورية البريطانية الذي لا حدَّ له.

أمَّا العصبة الأخرى، وهي عصبة الاتحاد السوفييتي والدول التي تدور حوله، فلها قوتها الهائلة التي تأتيها من سعة الجزء الذي تحتله من الأرض في القارتين. ومن ثراء هذه الأرض الزراعي والمعدني، ومن قدرة أهل الأرض على العمل والإنتاج، ومن براعتهم في تنظيم هذا العمل، ومضاعفة هذا الإنتاج، ومن قدرتهم الرائعة على البحث والاستقصاء، ثم على الاستنباط والاستكشاف، ومن إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بمستقبلهم، وطموحهم إلى أن يكون لهم في العالم مكان ممتاز يلائم كل هذه الخصال.

وإمبراطورية الاتحاد السوفييتي هائلة في طولها وعرضها وكثرة سكانها، ولكنها مجتمعة قد انضم بعضها إلى بعض، محصورة أو كالمحصورة، لا تكاد تنفذ إلى العالم الخارجي؛ لأنها لا تسيطر على البحار، بل لا تكاد تنفذ إلى هذه البحار.

وقد انتهت الحرب، ولم يتردد الرفيق مولوتوف في أن يعلن صادقًا أن روسيا هي التي أسرعت بالحرب إلى الانتهاء، فهي التي سبقت إلى قهر ألمانيا، بعد أن استنفذت قوتها، وهي التي أعلنت الحرب على اليابان فاضطرتها إلى الاستسلام. وما دامت قد احتملت من أهوال الحرب أكثر مما احتمل غيرها، وما دامت قد كسبت من النصر أكثر مما كسب غيرها، فمن حقها أن تطمع في أن يكون لها في العالم مكان يلائم ما بذلت من جهد وما لقيت من هول وما كسبت من نصر. وهي من أجل ذلك لا تقنع بمكانها التقليدي المحصور من كل وجه، وإنما تريد أن تتنفس كما يتنفس حلفاؤها، وأن تضع قدمها حيث شاءت من أجزاء الأرض الخالية، وأن تجري سفنها التجارية والحربية في حيث شاءت من البحر والمحيط. وهي لا تحب الاستعمار، ولكنها لا تكره أن تكون وصية على هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض.

وهي لا تريد أن تخضع الشعوب لسلطانها ولكنها لا تكره أن تتخذ الانتداب وسيلة إلى تحرير الشعوب، وهي من أجل ذلك لا تكره أن تضع قدمها في شمال أفريقيا منتدبة على ليبيا، مجاورة لحليفتها فرنسا، مطلة على غرب البحر الأبيض المتوسط. ولا تكره أن تضع قدمها على ساحل البحر الأحمر في مستعمرة من المستعمرات الإيطالية، تطل منها على هذا البحر، وتنظر منها إلى المحيط الهندي، وتجاور فيها حليفتها بريطانيا العظمى.

وليس من الضروري أن تُعقَد المحالفات في أثناء الحرب والكرب والضيق، حتى إذا كان الفوز أدار كل حليف ظهره إلى حليفه الآخر! بل من الممكن ومن المعقول أيضًا أن تبقى المحالفات في أثناء السلم كما كانت في أثناء الحرب، وأن يتفق المنتصرون على اقتسام الغنائم فيما بينهم بالعدل، أو بشيء يشبه العدل، وعلى استغلال الانتصار بالقسط، أو بشيء يشبه القسط.

فليس من الطبيعي إذن أن تستأثر العصبة السكسونية بالسلطان على الأرض في الشرق والغرب، وتظل العصبة الروسية حيث هي، لا تجد لها متقدمًا ولا متأخرًا.

والحلفاء لم ينتصروا ليبقى العالم بعد الحرب — كما كان قبل الحرب — مصدرًا للثروة يستأثر به فريق من المنتصرين دون الفريق الآخر.

أضف إلى ذلك أن بعض الأمم المحررة لها إمبراطوريات واسعة خارج أوروبا، فلفرنسا إمبراطوريتها، ولهولندا إمبراطوريتها، ولبلجيكا إمبراطوريتها أيضًا. فكيف يستقيم في حكم العقل أن تكون لهذه الدول المحررة مستعمرات في أفريقيا وآسيا، وألَّا تكون لروسيا المستعمرة — لا نقول مستعمرات، فروسيا لا تحب الاستعمار — بل وصاية على جزء هنا وجزء هناك؟!

هذا غريب، وأغرب منه أنه لا يخطر للبريطانيين والأمريكيين أن من حق روسيا أن تشاركهم في استغلال العالم والتسلط عليه. ولا ينبغي أن نكون من السذاجة وسلامة القلب بحيث نظن أن من حق المستعمرات أن تسترد حريتها وتنال استقلالها. فكل هذا كلام كان يقال أثناء ورطة الحرب، فأمَّا وقد انتهت الورطة وخرج الحلفاء منها منتصرين، فيجب أن تبقى المستعمرات كما كانت، وأن تُضاف إليها مستعمرات أخرى يُؤخَذ بعضها من أسلاب المنهزمين، ويُؤخَذ بعضها من الشعوب الصغيرة على أن يُسمَّى استعمارها باسم جديد لا يؤذي النفوس؛ كالمشاركة التي تقوم على المساواة، وكالتعاون على رفع مستوى المعيشة للأفراد والجماعات.

وآية ذلك أن المنتصرين لم يعلنوا استقلال مستعمرة من المستعمرات، ولم يردوا إلى شعب من الشعوب حقه في الاستقلال كاملًا أو منقوصًا، ولم يعلنوا استقلال المستعمرات التي انتُزِعَتْ من يد الأعداء.

وآية ذلك أيضًا أن بعض هذه المستعمرات صدَّقَت الحلفاء وهمَّت أن تستقل، فهي تلقى الآن عذابًا أليمًا.

وأظن أن ما يحدث في أندونيسيا يكفي كل الكفاية للدلالة على أن الحلفاء المنتصرين لا يريدون أن يغيروا من أمر العالم شيئًا جوهريًّا، فستحتفظ الدول بمستعمراتها وبمناطق نفوذها، وستزيد في هذه المستعمرات ومناطق النفوذ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وإذن؛ فما بال روسيا لا يكون لها مستعمرات ومناطق نفوذ خارج أوروبا؟! وهل يُعقَل أن تكون روسيا أقل تسلطًا على العالم من هولندا وبلجيكا، بل من إسبانيا والبرتغال؟!

هذه هي المسألة التي تختلف حولها قلوب المنتصرين، ولا تكاد ألسنتهم تذكرها إلَّا قليلًا. وهناك مسألة أخرى تختلف فيها القلوب والنيات، ولا تذكرها الألسنة إلَّا بالتحفظ والاحتياط؛ وهي تسلط المنتصرين من الطبقة الأولى على المنتصرين من الطبقة الثانية. فأوروبا مثلًا أرقى وأكرم عنصرًا من أن تخضع للاستعمار؛ لأن الاستعمار نقص في الكرامة الإنسانية، وهذا النقص جائز على أهل آسيا وأفريقيا، ولكنه لا يجوز بالقياس إلى الأوروبيين.

غير أن أوروبا ضعيفة قد أنهكتها الحرب، وهي محتاجة إلى معونة المنتصرين، وإذا كانت أوروبا فوق الاستعمار والانتداب والوصاية لامتيازها وكرم عنصرها، فإنها ليست فوق الخضوع لبسط النفوذ؛ ولذلك يمكن أن يبسط بعض المنتصرين نفوذهم المعنوي والاقتصادي على غرب أوروبا، وأن يبسط بعضهم الآخر هذا النفوذ المعنوي والاقتصادي على شرق أوروبا. وهنا تنشأ مشكلة ليست أقل تعقيدًا من مشكلة الاستعمار؛ لأن المنتصرين جميعًا يريدوا أن يبسطوا نفوذهم على أوروبا كلها.

فإذا استأثرت روسيا بالنفوذ في شرق أوروبا غضب السكسونيون، وإذا استأثر السكسونيون بالنفوذ في غرب أوروبا غضب الروسيون. وليس المهم أن يُعرَف رأي أوروبا نفسها، ولا أن تستمتع أوروبا بحريتها في اختبار حلفائها إذا احتاجت إلى المحالفات؛ فإرادة الشعوب ليست شيئًا ذا خطر، وإنما الشيء ذو الخطر هو هذه الدول المنتصرة والجيوش القائمة التي لا تسرح إلَّا في بطء شديد، وتريد المصادفات الصرفة أن تستكشف القنبلة الذرية في آخر لحظة، وأن يستكشفها ويحتفظ بأسرارها ودقائقها الحلفاء السكسونيون. والقنبلة الذرية قوة مروعة تخيف من لا يخاف، وتخضع من لا يريد الخضوع، فالذين يحتفظون بأسرارها متفوقون ما في ذلك شك، وإذن فلا بد لروسيا من أن تقلق، ولا بد للعهود والمواثيق من أن تُمتحَن، ولا بدَّ للقلوب من أن تظهر على دخائل القلوب. فإذا كان الحلفاء المنتصرون صادقين فيما يظهر بعضهم لبعض من حب، أوفياء بما أعطى بعضهم لبعض من عهد، فلا ينبغي أن يُحجَب سر القنبلة الذرية على الروسيين، ولا ينبغي أن تُحجَب أسلحة الروس السرية على الحلفاء السكسونيين.

وكان الناس يظنون أن اجتماع واشنجطون قد يُقرِّب مسافة الخلف بين العصبتين، فتفضي كل منهما إلى الأخرى بذات النفس ودخيلة الضمير، وأصبح للأسلحة السرية هنا وهناك شركة تقوم على المساواة بين المنتصرين من الطبقة الأولى. ولكن الحوادث تكشف عن غير ما كان الناس ينتظرون، فسيظل أمر القنبلة الذرية سرًّا سكسونيًّا حصينًا إلى أن تعلن روسيا مطالبها واضحة صريحة، فإن قُبِلَتْ هذه المطالب جُعِل أمر القنبلة الذرية إلى الأمم المتحدة، وأقول أمر القنبلة الذرية ولا أقول سرها، فقد يظهر أن سرها شيء، وأمر استخدامها لإقرار الأمن والنظام شيء آخر.

وكذلك تم اجتماع واشنجطون، وتفرَّق المجتمعون، وظل العالم حيث كان من القلق والخوف وسوء الظن، بل حدث من القول والفعل ما يزيد العالم قلقًا وخوفًا. فقد يُقال إن في بريطانيا العظمى ميلًا إلى تعديل ميثاق سان فرنسسكو، بحيث يلغي حق الاعتراض الذي احتفظ به للدول الخمس الكبرى، ويعود الأمر سواء كما كان في عصبة الأمم أو قريبًا مما كان في عصبة الأمم. ويومئذ تُستأنَف المساعي الدبلوماسية القديمة، فتُعزَل روسيا كما عُزِلَتْ ألمانيا إلى آخر ما أشار إليه الأستاذ محمود عزمي في بعض أحاديثه منذ أيام.

وفي أثناء ذلك يحدث في إيران ما يحدث من الخطوب، ويُنسَب إلى روسيا ما يُنسَب من الكيد، ويلح السكسونيون في تعجل الجلاء عن إيران، وتضع روسيا أصابعها في آذانها، وتمضي في سياستها الصامتة التي تملأ قلوب الديمقراطيين شكًّا وخوفًا، على أن روسيا ليست وحدها التي تعمل في صمت، فقد يظهر أن أمريكا تعمل في صمت أيضًا، ولكنها تعمل في الصين لا في إيران، ويظهر أنها لا تحسن الصمت كما تحسنه روسيا، فهذا سفيرها في الصين يستقيل في عنف، ويتهم وزارة الخارجية الأمريكية بأنها تتدخل في شئون الصين بما ينافي الديمقراطية فتقبل استقالته، ويُعيَّن خلفه في أقصر وقت ممكن.

أمَّا في غرب أوروبا فالأمر لا يخلو من تعقيد خفي، فلا بد لفرنسا من أن تحالف بريطانيا، ولا بد لبريطانيا العظمى من أن تحالف فرنسا؛ لِمَا بينهما من الجوار واشتراك المصالح في الشرق القريب والبعيد، ولكن لا بد لفرنسا من أن تحالف روسيا أيضًا، وهي قد حالفتها بالفعل، ولا بد من توثيق هذه المحالفة التقليدية؛ لتحقيق التوازن بين شرق أوروبا وغربها، ولاتقاء الخطر الألماني في المستقبل.

ولذلك ينظر وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة ويفاوضها، وفي الوقت نفسه تستعد بعثة فرنسية للسفر إلى روسيا لتفاوض في شئون المال والتجارة والاقتصاد. فقد يظهر أن البلدين في حاجة إلى التعاون الوثيق على هذه الشئون كلها.

وكذلك أخفق المؤتمر الذي عقده وزراء الخارجية في آخر الصيف، وظن الناس أن زعماء الحلفاء سيقهرون المصاعب، ويذللون العقبات، ويقربون آماد الخلاف. فلما كان اجتماع واشنجطون ظن الناس أنه الخطوة الحاسمة في إزالة الخوف وسوء الظن، ثم تبين للناس أنه لم يُزِل خوفًا وإنما أضاف قلقًا إلى قلق، وشكًّا إلى شك.

ومع ذلك، فما أيسر التقارب والتعاون وإقامة العالم الجديد على أسس من الحق والعدل والإنصاف، لو خلصت نيات الحكومات كما خلصت نيات الشعوب؛ فالشعوب لا تريد جورًا ولا ظلمًا ولا استئثارًا.

ولكن يظهر أن طبيعة الحياة الإنسانية تقضي أن تريد الشعوب شيئًا وتريد الحكومات شيئًا آخر، وأن تخضع الشعوب لما تريده الحكومات؛ لأن الشعوب لم تعرف بَعْدُ كيف تحكم نفسها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.