كل مصري يأبى أن تحكم مصر بغير العدل والدستور والقانون، ويلح في أن تكون إرادة الأمة قوام الحكم وعماد الوزارة، ومصدر الهيئات النيابية، التي تشرع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية. كل مصري من هذا الطراز رجل من العامة الذين لا ينبغي أن يقدر لهم قدر أو يقام لهم وزن، أو يحفل بآرائهم وإرادتهم في تصريف الأمور! وقد كان هؤلاء العامة في وقت من الأوقات يسيطرون على أمور مصر، يُدْعَوْنَ إلى الانتخاب أحرارًا فينتخبون وكلاءهم في البرلمان. وكان هؤلاء الوكلاء يمثِّلون موكليهم من العامة أحسن تمثيل، ويؤدون واجبهم لهؤلاء العامة أحسن تأدية. كانوا يرضون عن العامة، وكانت العامة ترضى عنهم. وكان الوزراء يصرِّفون أمور الحكم معتمدين على رضا الوكلاء والموكلين. فكانت العامة هادئة مطمئنة، وكانت العامة سعيدة مغتبطة، وكانت العامة تحس أن مصر لها، وأنها لمصر؛ فتستشعر عزة وأنفة، وتقدِّر أنها أمة كريمة تعيش في بلد كريم، وتنظر إلى ماضيها فتعتز بما فيه من مجد، وتتعظ بما فيه من محن، وتنظر إلى مستقبلها فترى ثقة واسعة، وآمالًا عريضة، وحياة مبتسمة قوامها العزة والكرامة والرقي والاستقلال.

ولكن أمور مصر لم تصلح، وشئونها لم تعتدل على رضا العامة ووكلاء العامة من النواب والشيوخ والوزراء؛ لأن مصر لم تخلق للعامة، وما ينبغي أن تخلق لهم! وإنما خلقت لفريق قليل ضئيل ممتاز، خلقه الله من طينة أخرى، وصاغه من معدن آخر. فبينما خلق العامة من هذا الطين المبتذل الذي يُتخذ في البناء وفي صناعة الآنية. خُلِقَ هذا الفريق الضئيل من طين آخر فاخر نادر لا تطؤه الأقدام، ولا يسقيه ماء النيل، وإنما يصنع في عالم آخر بعيد راقٍ، ثم يتنزل به النسيم من السماء؛ ليحكم الناس ويسيطر على الأشياء.

وبينما صاغ الله هذه العامة أو الممتازين من أبنائها من النحاس والصفيح والقصدير، صاغ هذا الفريق القليل الضئيل من الفضة والذهب والبلاتين، وحلاه بطائفة من الأحجار الكريمة، والجوهر النفيس: فيها اللؤلؤ، وفيها الزمرد، وفيها الياقوت، وفيها الزبرجد. فكان من الطبيعي، وكان من العدل، ألا تستقيم أمور مصر حين يسيطر عليها العامة الذين خلقوا من طين الأرض المبتذل، ومن معدنها الخسيس. ولم يكن بدٌّ من أن تنقل أمور مصر إلى هذا الفريق القليل الضئيل، الذي خلق من طين السماء، وصيغ من معادنها العزيزة، وحُلِّيَ بأحجارها الكريمة؛ ولهذا أقصيت العامة عن الحكم وردت إلى ما ينبغي أن ترد إليه من الطاعة، والرضا والإذعان!

ونقلت أمور السلطان إلى صدقي باشا وأصحابه، الذين صيغوا من طين السماء ممزوجًا بماء الورد، ومن معادن السماء محلاة مزدانة بياقوتها وزمردها، ولؤلؤها وزبرجدها، وغير ذلك من هذا الجوهر الممتاز الذي يخلب العقول ويستهوي القلوب، ويسحر العيون ويفتن الألباب. ولم يكد غرة الزمان، وحلية الدهر، وفريدة الأيام، صدقي باشا يتسلم أعنة الحكم حتى فعل ما كان يجب عليه أن يفعل؛ فألغى دستورًا واستصدر دستورًا آخر لتنقطع الأسباب بين فوضى العامة وبين الحكم، ولتفرغ العامة لما خلقت له من الطاعة والرضا والإذعان، ومن العمل في الزرع والحرث، وفي التجارة والصناعة، وفي كل ما يثمر المال ويمكِّن السادة الممتازين من حياة كلها القوة والبأس، وكلها الترف والنعيم.

ومضى هذا الرجل الممتاز، وأصحابه الممتازون يدبرون الأمر في حكمة وحزم وعزم، حتى استيأستِ العامة، ورضيت بما لم يكن بدٌّ من أن ترضى به وانصرفت عن الحكم والسياسة، إلى ما لم يكن بدٌّ من أن تنصرف إليه.

ولكنَّ السادة الممتازين مهما تصفُ طباعهم وتعتدلْ أمزجتهم وتَمْتَزْ جواهرهم وترقَ عناصرهم، معرضون لعيب واحد امتحنهم الله به حتى لا يختلطوا بالملائكة أو يصبحوا منهم، وحتى توجد الصلة بينهم وبين أبناء الإنسان الذين قدر عليهم الخضوع للخطوب والأحداث. وهذا العيب الذي يفرق بين سادتنا الممتازين وبين الملائكة، هو أنهم يتنافسون فيما بينهم: أيهم يستأثر بالسلطان والجاه، وأيهم يعظم حظه من السيطرة على الأمور وتصريفها كما يحب ويهوى؟ فلما استقر الحكم لسادتنا الممتازين تنافسوا واستبقوا، واشتد بينهم التنافس والاستباق. وكان الفوز فيما يقول الناس، وفيما تنشر الصحف عامة، والصحف الإنجليزية خاصة، وصحيفة التيمس بوجه أخص لصاحب السعادة زكي الإبراشي باشا على صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا.

وقد لا نستطيع الآن أن نجد من الوقت ما يمكننا من إقامة الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على أن الإبراشي باشا إنما تفوق على صدقي باشا؛ لأنه أكرم منه جوهرًا وأرقى منه عنصرًا. خلق من طينة السماء الثالثة، ولم يخلق صدقي باشا إلا من طينة السماء الدنيا.

ولعل الظروف أن تسمح لنا بوضع كتاب أو رسالة في الموازنة بين العناصر المختلفة التي يتكون منها سادتنا الممتازون، والتي تتيح لبعضهم الفوز والانتصار، وتضطر بعضهم الآخر إلى الهزيمة والاندحار!

تفوق إذن زكي الإبراشي باشا على صدقي باشا، وأحس الدكتاتور العظيم هذا التفوق فانزعج له، ورأى آثاره فضاق بها. وشبت الحرب بين السماء الثالثة والسماء الدنيا، فرأى صاحب السعادة القيسي باشا أن يتوسط بين السماءين؛ لأنه هو خلق من طين السماء الثانية؛ فتوسطه بين جارتيه معقول ملائم لطبيعة الأشياء. ومع أنه بذل في ذلك جهدًا محمودًا، واتخذ إليه وسائل مختلفة، فقد أخطأه التوفيق، ولم يكن بدٌّ من أن تصرف أمور الحكم عن أبناء السماء الدنيا إلى أبناء السماء الثانية. وكذلك أقصى الدكتاتور العظيم عن رياسة الوزراء، وأقصى معه عن الحكم كلَّ أولئك الذين يشبهونه في العنصر ويقاربونه في الطبقة. وقامت وزارة أرقى وأعلى، وأقرب إلى صاحب السعادة الإبراشي باشا. والغريب أن الدكتاتور العظيم لم يقنع بما قدر له من الحكم، ولم يطمئن إلى ما قضي عليه من الهزيمة، فحاول المقاومة والمخاصمة، وتهيأ للقتال والنضال، ولكن متى أتيح للسماء الدنيا أن تقهر السماء الثانية، ولا سيما حين تعينها السماء الثالثة؟! فأذعن الدكتاتور شيئًا فشيئًا؛ قبل رئيس الوزراء في الحظيرة، وأعلن تأييد الحظيرة كلها للوزارة الجديدة. ثم رد الوزيرين المفصولين إلى الحظيرة، وطلب إليها أن ترتاح لذلك، كما ارتاح هو. ثم علم أن المفصولين سيزورون الحظيرة وكره أن يلقاهم فيها؛ فأقام في داره يستريح. حتى إذا تمت الزيارة ظهر أن استراحته في داره تدل على أن رضاه ليس كاملًا شاملًا، وإذعانه ليس تامًّا عامًّا؛ فاضطر — ولم يكن بدٌّ من أن يضطر — إلى أن يذهب أمس إلى مكتب رئيس الوزراء، لا ليترك البطاقة كما تركت له؛ بل ليرقى إلى حيث يقدم الطاعة، ويقيم الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا ريبًا على أنه مذعنٌ لقضاء الله، مؤمنٌ لحكم الأقدار فيه.

وكذلك شرب الديكتاتور العظيم كأس المحنة إلى آخرها، وشرب رئيس الوزراء كأس النصر إلى آخرها، ونظر صاحب السعادة الإبراشي باشا إليهما مبتسمًا مستريحًا. وظهرت في اليوم نفسه مقالة مكاتب التيمس تصور الأمر على هذا النحو البديع من التصوير.

وكان ظريفًا جدًّا من مكاتب التيمس أنه لم ينسَ هؤلاء البائسين اليائسين المعدمين المحرومين الذين يسميهم العامة. فقد تفضل فذكرهم؛ ذكرهم مرتين: أما الأولى فقد بين فيها كيف رد هؤلاء الناس إلى منزلتهم التي أعدها الله لهم من البعد عن الحكم والإذعان لطاعة السادة الممتازين. وأما الثانية فقد سجل فيها أن هؤلاء العامة قد راضوا أنفسهم على الطاعة وعلموها كيف تذعن وتؤمن، وكيف تعرض عن السياسة وتكتفي بما يقدر لها من إشباع البطون حين تجوع، وري الأكباد حين يحرقها الظمأ، وترك السياسة والحكم لهؤلاء المعصومين الذين خلقت لهم وحدهم السياسة وقصر عليهم وحدهم الحكم.

ولكنَّ في الأمر شيئًا يحتاج إلى الفهم، فقد علمنا أن العامة من أهل مصر قد ردت إلى مكانها اللائق بها وفرغت للعناية بالأرض؛ لأنها صيغت من طين هذه الأرض، ونقلت أمور الحكم إلى أبناء السماء يستبدون به، ثم يختلفون فيه، فيغلب بعضهم بعضًا، وينهزم بعضهم لبعض. ولكن الذي نريد أن نعلمه هو رأي الإنجليز، لا في أمر العامة، فرأيهم في أمر العامة معروف؛ فالعامة لم تخلق إلا للذل، والعامة لم تخلق إلا للطاعة، والعامة لم تخلق إلا لتتعهد البقرة الحلوب، وتمنحها من العناية ما يجعل ضرعها حافلًا باللبن دائمًا. هذا معروف، ولولا أنه معروف واضح لما ردت العامة إلى حيث هي تسمن البقرة وتغذوها وتملأ ضرعها لبنًا.

إنما الذي نريد أن نعلمه هو موقف الإنجليز من المختلفين بين الطبقة الممتازة. أيميل الإنجليز إلى الذين انهزموا أمس، أم يميل الإنجليز إلى الذين انتصروا اليوم؟ أم يريد الإنجليز أن يقفوا موقفًا وسطًا بين المنتصرين والمنهزمين؟ والظاهر أننا لن ننتظر زمنًا طويلًا لنظفر بالجواب على هذه الأسئلة، فقد يظهر أن في مغيب الشمس منذ أمس وفي طلوع الشمس منذ اليوم علامات، إن لم تكن قاطعة فإنها لا تخلو من إشارة إلى الناحية التي سيهب منها النسيم.

فأما العامة؛ فراضية يكفيها ألا تظمأ وألا تجوع، وليس يعنيها بعد ذلك من أمر الحكم شيء. ولكن مَن للعامة بما يحميها من الظمأ والجوع؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.