قال ستيفان زفايج إن الصفة الغالبة على أبطال قصص أونوريه دي بلزاك القصصي الفرنسي الشهير هي صفة الطمع، والوصول إلى الغاية، حتى ولو أدَّتْ إلى الخيبة، وهذه الصفة ربما نمت في نفس بلزاك؛ لأنه عاش في شبابه في عهد إمبراطورية نابليون بونابرت الذي حاوَلَ أعظم محاولة، وكانت له أطماع تحدوه إلى أقصى غاية، ثم خسر كل شيءٍ في سبيل الوصول إليها، ومن الجائز أن يكون الأمر كما ذكر زفايج، كما يجوز أن يكون بلزاك بطبعه يميل إلى ذلك. وقد حاول أن يصل إلى أقصى غاية في تأليف القصص، واستيعاب العالم والنفوس في قصصه، فضحَّى حتى بالحب في هذا السبيل، وكان يشتغل في كثيرٍ من الأحايين أكثر ساعات يومه في تأليفها، فهو راهب من أجل الفن، وكان يلبس لباس الراهب، وقد أحب مدام هنسكا سنين طويلة، ثم تزوَّجها، ولكنه مات بعد زواجه منها بأشهر قليلة.

وبالرغم من ميل بلزاك إلى الإطالة في الوصف، أو في البحوث القانونية أو العملية، فإن له قدرة عجيبة في قصص المأساة، وقد أجاد في القصص القصيرة، كما أجاد في القصص الطويلة، ويصح أن يُسمَّى أبا الفن القصصي الحديث، فمنه أخذ فلوبير، وعن فلوبير أخذ جي دي موباسان وغيره.

ويصح أن يُسمَّى أبا الفن الواقعي؛ وذلك لأن آحاد قصصه كما قال بودليير كانوا مثل المدافع المحشوَّة بذخيرة المتفجرات، فهم أيضًا كان حشوهم الحيوية والعزيمة.

وقد يدهش القارئ من كثرة قصصه، ومن كثرة إجادته في الكثير منها، ولا نظن أن أحدًا صنع مثل ذلك غير شكسبير في شعر القصص التمثيلية.

ومن قصصه الشهيرة قصة: «الأب جوريو»، و«قطعة من جلد الحمار الوحشي»، و«الأحلام الضائعة»، و«البحث عن الحق المطلق»، و«سيزار يبروتو» … إلخ.

وكان بلزاك يعيش مع آحاد قصصه كأنهم وكأنهن أحياء، ويقاسِمهم مسراتهم وأحزانهم، ومسراتهن وأحزانهن، فقد زاره صديق فوجده مهمومًا، وابتدره بلزاك قائلًا: لقد قتلَتِ المسكينةُ نفسها، فذعر الزائر حتى عرف أنها إحدى بنات الخيال في قصصه.

وهذا يذكرنا فلوبير؛ فإنه عندما وصف هلاك «مدام بوفاري» بالسم ظهرت عليه أعراض التسمُّم، وقد خسر بلزاك مالًا كثيرًا، بالرغم من دقة وصفه لطرق التمويل والاغتناء في قصصه.

عاش بلزاك للفن، ولا نظن أن أحدًا فعل فعله، إن السير والترسكوت كان يقضي أكثر وقته في كتابة القصص، حتى أوقات المرض والألم، ولكنه تزوَّجَ وخلف خلفًا، واتصل بالأمراء وأَوْلَم الولائم، فلم يَعِشْ مترهبًا كما عاش بلزاك، ومع ذلك فإن بلزاك الراهب في الحب والحياة — الذي قال لجوتييه إن المرأة تلهي صاحب الفن عن فنه — هو الذي وصف النساء أدق وصف، كما وصف الرجال من طبقات مختلفة، ووصف أعمالهم وخواطرهم وأفكارهم.

وفيما يلي بعض نظراته مع قليلٍ من التعقيب:

(١) قد يفقد الإنسان كلَّ إيمان بنجاح أمله، ومع ذلك يظل متعلِّقًا بالأمل، متشبثًا به، بالرغم من فقدان الإيمان بنجاحه، وإنما تعلُّقه بالأمل بعد أن يفقد الثقةَ به توقُّع منه لفرصة غير منظورة تجلبها له الحياة، وهذا التشبث يعينه على تحمُّل كثير من مكاره الحياة.

(٢) ليس لكل حادثة أثر واحد، وعاقبة لا تتغير مهما تغيَّرَ الذين تقع بهم الحادثة، فإن المصيبة التي قد تستبعث قوى العبقري وملكاته، وإنْ أرهقته، قد تقضي على رجل آخَر، وتردي ذوي العزيمة الضعيفة في الحضيض، كما أنها قد تكون فرصة كسب وربح للرجل المستيقظ الذهن لوسائل الكسب وحيل الربح.

(٣) إذا كان نسيان العاجز ضعفًا ونقصًا، فإن من النسيان ما هو قوة في النفوس العظيمة المبتكرة، فإن نسيانها مثل نسيان الطبيعة التي تنسى كي تستجدَّ الأمور، وكي تبتكرها.

(٤) إن من أخطاء الشبَّان أنهم يشعرون أن كل إنسان مهما كان عمره ينبغي أن يكون عند حيويتهم ونشاطهم وآمالهم وثقتهم بالأمور، وهم لا يستطيعون إلا أن يشعروا بهذا الشعور؛ لأنهم يرون الحياةَ ووهجُ الشباب منعكِسٌ عليها.

(٥) إن النساء اللواتي يكتسبن بصيرةً بالمستقبل إنما يكتسبنها من وعيهن للحاضر من الأمور، وتَنَبُّؤهنَّ ناشِئ من دقة جهازهن العصبي التي تمكنهن من بحث وتفسير مظاهر الفكر والإحساس، وهن باستدلالهن على المستقبل من الحاضر، إنما مثلهن مثل الملاح الذي يستطيع برؤية السماء أن يرى ما هو مخبوء عن غيره من مطر أو إعصار أو صحو.

(٦) كل عصر له ميول، ولكل بيئة نزعات، ويستطيع الرجال الماهرون الذين عندهم مَلَكة الربح والتيقُّظ لوسائل الكسب والاستعداد النفسي له، أن يتاجروا بميول عصرهم، ونزعات بيئتهم، مهما كانت نبيلة تستدعي التضحية.

(٧) إذا انحرف حظ الرجل وساءت حالته، فإنه قد يصير لعبةً لأحقاد الناس وأهوائهم، ومن الخطأ أن يتعرَّض لتلك الأعاصير الإنسانية، وأن يجعلها تدفعه كل مدفع، كما تكون الريشة في مهبِّ الريح، وإذا أراد السلامةَ فَلْيقبع كما يقبع المنكب على الأرض؛ كي يتجنَّب شدةَ الريح وعصفها حتى يمر الإعصار، وإذا وقف فإنما ينبغي أن يقف كي يعرف من أية جهة يهبُّ الإعصار ليستطيع تجنُّبه.

(٨) إننا دائمًا نخيب ونخفق من الجانب الذي أضعفناه من أنفسنا، أو استرسلنا في ضعفه، إن كان خلق معنا الضعف.

(٩) يخطئ مَن يظن أن الحيوانات لا تشعر بالذعر والألم شعورًا شديدًا كالإنسان، فإن الحيوانات المنزلية قد تصرخ من الفزع صراخًا شديدًا إذا أصابها إنسان بألم هيِّن عقوبة لها، بينما هي إذا أصابها جرح من حركاتها فقد لا تصرخ، ولا تصيح.

(١٠) إن القوة التي تستنفد نفسها بمجهود عنيف مباغت، تُحدِث أثرًا مؤقتًا أقوى في نفوس الناس وخيالهم من قوةٍ في مثل مقدارها تؤثِّر أثرًا بطيئًا طويلًا، وهذا يصدق سواء أكانت القوة من قوى الإنسان، أم كانت من قوى الطبيعة، ومن أجل ذلك صار الإنسان الذي يبذل مجهودًا عنيفًا يستهلك قوته بسرعة ومباغتة؛ يؤثِّر في نفوس الناس تأثيرًا مؤقتًا أكثر من تأثير الرجل الذي يبذل مجهودًا مثله بطيئًا طويلًا، أو مجهودًا أطول وأكبر.

(١١) في بعض الناس نوع من الكِبْر، وهو كِبْر النفوس التي تفضِّل أن تخوض معاركَ الحياة وخصوماتها وحدها، ولا تظهر إلا بعد الظفر والانتصار. وهناك نوع آخَر من الكِبْر وهو كِبْر النفوس التي توهم الناس أنها تخوض معاركَ الحياة وحدها، وتعمل في خفية عن أكثر الناس في اكتساب مَن يُعِينها على الانتصار، وهذا الكِبْر أكثر شيوعًا؛ لأن أكثر الناس يجبنون بطبعهم عن خوض معارك الحياة وحدهم، ويهمهم الانتصار أكثر مما يهمهم أن يقال إنهم خاضوا معارك الحياة وحدهم.

(١٢) لا يدرك أثرَ الأمور التافهة في إحداث الحوادث الهامة الكبيرة، إلا الذين تعدَّوا السنَّ التي قبلها يسرفون في بذل قوتهم الحيوية كيفما اتفق وفي أية غاية، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، ولعلهم يدركون ذلك أكثر من إدراك غيرهم لبُعْد ما بين هذه الأمور التافهة الصغيرة، وبين عِظَم المجهود الذي بذلوه كي يحدثوا حوادث أقل من تلك الحوادث التي أحدثتها الأمور التافهة الحقيرة.

(١٣) إن المجادلة والمحاجة التي يراد بها توضيح الأمور إذا لجت بها اللجاجة، فإنها قد تُكسِب الأمور العظيمة شيئًا من الحقارة.

(١٤) قد يعمر الحزن النفس الإنسانية، فيجعلها أشبه ببهوٍ يرن فيه صوت مقدَّس يستدعي الخشوع.

(١٥) إن الإنسان في عدله قلَّمَا يستطيع التخلُّص من مخاوفه على نفسه وعلى المجتمع، وقلَّمَا يستطيع أن يقدِّر الإحساسات الخفية والعوامل المستترة، فلا يكون عدله مثل الله الذي يعرف خافية الأنفس، وهو مبرأ من المخاوف، فأحسن ما يكون عدل الإنسان كظلٍّ لعدل الله قد حُور وغُيِّر كي يكون مناسبًا لنفوس الناس ومخاوفها وجهلها.

(١٦) يعتقد الرؤساء دائمًا أنهم يستطيعون أن يخلقوا الكفايةَ لمَن ينحازون إليهم، ويرشحونهم للمناصب لإشرافهم على عملهم، وهذا كما قال لويس الرابع عشر لابن لوفوا الصغير عندما جعله وزيرًا في وزارةٍ لا يُدرِك أمورها، وطلب الشابُّ الإعفاءَ، فقال لويس: سأخلق لك الدراية والكفاية.

(١٧) كل نفس في حاجةٍ إلى أن تحرث في بعض الأحايين كما تحرث الأرض، والحوادث التي تحرث النفس تفيدها — وإن قلبتها — كما تفيد التربة الخصبة الزراعية من حرث الحارث لها.

(١٨) بعض الناس يريدون أن يصنع لهم الفن ما لا تستطيع أن تصنع الطبيعة، فهم يريدون أزهارًا من غير بذر، وفواكه من غير ثمر، وهذا شأن كثير من الناس، فإنهم يريدون أن يصلوا إلى الغاية من غير وسائلها.

(١٩) إننا نخطئ إذ نظن أن الندم على الخطيئة أو الذنب دائمًا معناه التوبة، وهو كثيرًا ما لا يكون مصحوبًا بالتوبة، بل قد يكون ندمًا عقيمًا، يؤدِّي إلى معاودة الذنب، وهذا الندم قد يكون مصحوبًا بلذة في ذكرى مواقعة الذنب الماضي، ولذة في الأسباب التي دعت إلى مواقعته، بالرغم مما بالندم من آلامٍ، وهذا يذكرنا قول الشاعر:

هل الله عافٍ عن ذنوب قديمة

أم الله إن لم يعفُ عنها يُعِيدها

(٢٠) إن السعادة والشقاء والملل والانشراح، أمور نسبية؛ فقد يملُّ الإنسان الحياةَ الرتيبة الهادئة، ويملُّ تردُّدَ الحوادث اليومية الصغيرة يومًا بعد يوم، حتى يصير شعوره بالملل شقاء، بينما أولئك الذين أرهقتهم أعاصير الحياة، وكافحوا عواصفها، قد يرون كل السعادة والهناءة في تلك الحياة اليومية، والحوادث الصغيرة الرتيبة.

(٢١) كثيرًا ما يتسامح الناس في الحكم على فضل ذوي النقص، بينما يشتدون في الحكم على نقائص ذوي الفضل، ولعل ذلك لأن فضل ذوي النقص أمر غير معتاد، فيفاجئ بالانشراح، ويتوقعون من ذوي الفضل التمامَ في الفضل، إن لم تكن شدتهم في الحكم على نقصهم حسدًا لهم، وهذا يذكرنا قول المتنبي:

ولم أَرَ في عيوب الناس نقصًا

كنقصِ القادرين على التمام

(٢٢) إن احترام الناس نفوسهم باحترام غيرهم، سواء أكانوا من الأكابر أم الأصاغر، إنما هو مانع وحاجز من الحواجز الاجتماعية التي تحمي العظيم، كما تحمي الصغير، فيستطيع كلٌّ منهم أن يواجِه الآخَر باطمئنان.

(٢٣) قلَّمَا يستطيع الإنسان أن يحكم على معاشر إلا بإحساس واحد، إما الاحترام، وإما الاحتقار، وإن وجد في نفسه ما يستدعي كلَيْهما، فإنه من الصعب أن يحترم الإنسان معاشرًا لصفةٍ، وأن يحتقره لأخرى، والاحترام هو الضمان الذي به يستطيع الناس أن يتعاشروا، إذا فقدت حتى مظاهره ما استطاع الناس التعاشُر.

(٢٤) بعض النفوس كالماء الضحل القريب الغور، وهذه النفوس لا تستطيع أن تعرض علينا مآسي الحياة، وإن كانت آلامها شديدة في تلك المآسي.

وقد ذكَرَ مثلَ هذا المعنى ستيفان زفايج في ترجمة حياة ماري أنطوانيت إذ قال: إن الرجل العبقري قد يتعذَّب بالمآسي، فيزداد قدره على التعبير عن الحياة، ولكن من سخر القدر أن يزجَّ في المآسي بالرجل الذي ليس عنده قدرة على استنباط ما فيها من عِبَر، أو فن، أو حكمة، فيتعذَّب من غير أن يفيد عذابه، ومن غير أن يجد سلوى في عبقريته أو معينًا منها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.