أتزوج مرة ثالثة؟ حاشا لله! والعياذ بالله! أو كما يقول العامة: «أشتاتًا! أشتاتًا!»

لا لأن الزواج مصيبة والمرأة بلية، فما أعرف كيف يستطيع رجل أن يعيش ويحيا حياة كاملة بغير امرأة، ولو وسعني أن أتزوج كل يوم امرأة جديدة لفعلت غير متألم أو متحرج، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والأمر له، وما لنا خيار.

وإنما أستعيذ بالله من زواج ثالث لأني أخاف على عمري! ولا يتعجل القارئ — أو القارئة — فلست أعني أن الزوجة الثالثة — إذا كتب الله لي ثالثة، وعسى أن لا يفعل — ستقبض روحي أو تزهقها، وإنما أعني أنها ستقصف عمري! ومهلًا مرة أخرى؛ فإن لهذا حكاية قديمة يحسن بي أن أحكيها قبل أن يتلهب الغضب عليَّ، ويتفاقم السخط.

في سنة ١٩١٧ — في أُخريات الحرب العالمية الأولى — عرَّفني صديق بضابط هندي، وتلاقينا مرارًا وتغدى عندي يومًا، فقال لي: «أرني كفك.» ولست أؤمن بهذا الذي يسمونه «علم الكف» ولكني بسطت له يدي فتأمل هذه ثم هذه، وأطال النظر والجس والثني والبسط، ثم هز رأسه كالآسف، فتبسمت له أشجعه، أو أشجع نفسي، وقلت: «هات ما عندك.»

قال: «إن الأمر يحتاج إلى فحص آخر، ولشد ما أود أن آخذ طابع كفك وأدرسه على مهل.»

قلت: «ألم تتبين شيئًا؟»

قال: «بلى! ولكن ليطمئن قلبي.»

قالها بالعربية، فقد كان مسلمًا وكان يحفظ آيات من القرآن الكريم، فقلت: «لا بأس! حدثنا بما رأيت على أن يكون مفهومًا أن هذا الكلام مبدئي.»

فقال لي: «إنك أُصِبْتَ بما يُعَدُّ عاهة.»

فضحكت؛ فإنه يرى ساقي المهيضة، ويرى ظلعي وعرجي وأنا أمشي معه، ولكنه لم يجعل باله إلى ضحكي ومضى يقول: «لم أكن أود أن أقول هذا، ولكن الذي أراه إلى الآن أنه لن يبقى لك من نسلك إلا البنون، وأنك ستتزوج ثلاث مرات، وسيكون زواجك الثالث هو الذي يُرْدِي بك.»

فقهقهت! أنا أتزوج ثلاث مرات؟ هذا مجنون! أليست لي زوجة وولد؟ فما حاجتي إلى زوجتين أخريين؟ ثم كأنما لطمتني يد خفية فتذكرت أني رُزِقْتُ — أول ما رزقت — بنتًا ماتت قبل ولدي هذا، وظلَّت في سياق النزع على حجري ثلاث ساعات، وأمها تكاد تُجَنُّ، وأمي حائرة بين البنت التي تجود بأنفاسها بين يديَّ، والأم التي تبكي بأربع، وتصرخ وتلطم وتندب!

ومضى عامان، وولدت لي امرأتي بنتًا كان عمرها كعمر الزهر ما سلمت حتى ودعت.

ثم حملت زوجتي وحضر الطبيب فإذا برائحة الخمر من فمه تزكم الأنف، فماتت زوجتي بين يديه، وماتت البنت التي أخرجها قسرًا قبل الأوان. أليس بسكران؟

وتذكرت كلام الهندي، لقد ماتت لي ثلاث بنات، وماتت زوجتي، فقلت لا زواج بعد هذا، ولبثت ثمانية أعوام معرضًا عن الزواج، زاهدًا فيه، خائفًا منه، ثم شاء الله أن أتزوج هذه المرأة الكريمة التي صارت على الأيام زوجةً وأختًا وبنتًا وأُمًّا بعد أمي رحمها الله. ومن الغريب أني رزقت منها بنتًا هي الرابعة ماتت أيضًا! وأنا أعرف أن موت هذه البنات له سببه الطبيعي المعقول، وأعرف لماذا ماتت كل واحدة منهن، ولكن أعصابي تلِفت فوق تلفها، فإذا شَكَتْ زوجتي الزكام، أو اضطرابًا في المعدة، أو أرقًا أو مغصًا، متُّ في جلدي خوفًا عليها وعلى نفسي؛ فقد استقر في أعمق أعماق نفسي أن الثالثة هي القاضية ولهذا تراني أدعو الله صباحًا ومساءً، أن يطيل الله عمر زوجتي، وأن يبقيها لي كما هي، أمًّا وأختًا وزوجةً وبنتًا؛ لأني ألفتها أولًا، ولا أستطيع أن أتصور كيف تكون حياتي بدونها، وهذه أنانية ولا شك، ولكن أين غير الأناني؟ على أن الأنانية الكبرى أني أصبحت أجزع حين يخطر لي أني قد أحتاج إلى زواج ثالث؛ فإن معنى هذا هو الموت! ومن هذا الذي يشتهيه أو يستعجله؟ وما فقدت عقلي، وإني لأراني ازداد اتزانًا على الأيام، ولكني أعتقد اعتقادًا جازمًا أني بخير وعافية ما اجتنبت أن تكون لي زوجة ثالثة!

***

وآه من زوغان العين! وآه من الضعف الإنساني! وألف آه من لهفة القلب على الفوز بالمتع قبل الخروج من هذه الدنيا إلى غير رجعة إليها! ولكن الحرص على الحياة أقوى — مائة مرة — من هذه اللهفات. فأنا أتمنى كلهن لي، كل من تعجبني وتروقني من صغيرة وكبيرة، وبدينة وهيفاء، وسمراء وشقراء، ولست أحاول أن أكبح نفسي، فقد تكفل عني بكبحها أني أرى في كل واحدة منهن يد عزرائيل تهم بالامتداد إلى عنقي وقبض روحي! فأرتد مذعورًا، لا عن زهادة، فإن عيني فارغة كما يقول عامتنا، ولكن عن جزع وفزع!

وقد يسأل سائل: ما كل هذا الحرص على الحياة؟ فأقول: «سبحان الله العظيم! وهل لي في هذه الدنيا حياة أخرى حتى أجازف بحياتي فيها؟ وما لي لا أقنع بزوجة كريمة تعفو عني وتغفر لي ذنوبي، ولا تكون معي إلا على خير ما أحب؟ وما الفرق في النهاية بين امرأة وامرأة إلا الصلاح والمساناة وطيب العشرة وحسن المؤاتاة؟ ولا خير لي في صغيرة — ولا لها فيَّ — فإني أكون كأبيها أو جدها، ومآل هذا ماذا؟ ولا خير في الكبيرة، لأنها تكون مثلي فقدت شبابها، فالخير كل الخير في الواقع والرضى به ورياضة النفس على السكون إليه.

إذا صدقت فراسة ذلك الهندي أو نبوءته، وكانت الزوجة الثالثة هي القاضية، فإني بإذن الله سأتقيها ما وسعني اتقاؤها؛ لأنها ستكون الخازوق! وأدع للقارئ أن يتصور شعور رجل يعتقد أن زوجته الثالثة ستقضي عليه وتودي به! أعوذ بالله منها، ومنه لها!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.