منذ بضعة أيام، سألتني — بالتليفون — زميلة فاضلة، قالت: «لو كانت لك بنت، ورأيتها في الطريق مع شاب غريب، فماذا عساك كنت صانعًا؟»

وما أكثر ما يُلقَى على التليفون مثل هذا الأسئلة المحرجة التي تحتاج إلى روية، وكان لا بد أن أجيب بشيء، فقلت: «لا شيء!»

فتعجبت وقالت: «أتعني أنه يحسن اتِّقاء إحداث ضجة حتى تخلو بها وتتفاهم معها؟»

فقلت: «هذا معقول، على أني أعني شيئًا آخر هو أني وجدت بالتجربة أن علاج كثير من المشكلات في بدايتها قد يكون أيسر بالامتناع عن فعل شيء ما؛ أي بأن ينام المرء على ما يدور في نفسه، وما تشير عليه (نفسه) أن يفعله ليلة أو ليلتين، حتى تهدأ ثائرته ويستعيد الاتِّزان ويستطيع أن يفكر وهو ساكن غير فائر أو مهتاج مضطرب، على أني أحسب أن المعول في مثل هذا الأمر على التربية.»

وقد دار في نفسي الأمر بعد ذلك، على عادتي؛ فإني بطيء التفكير والعمل، وقَلَّمَا أحسن الجواب إذا فوجئت بسؤال، ومع ذلك ما أكثر ما أطيش وأركب رأسي، بلا أدنى تفكير، ثم أندم، ثم لا أرى جدوى من الندم، فأكف وأتناسى.

وقلت لنفسي: إنك يا هذا ليس لك بنات — لسوء الحظ إذا شئت، أو لحسنه، فمن يدري؟ — نعم رزقتهن، ولكنك احتسبتهن في صغرهن، فما كتب لإحداهن أن تعيش إلا كعمر الورود، كما يقول الأستاذ العقاد في أبيات عزاني بها عن إحداهن:

قد عزَّتني أبياته كما لم يُعَزِّنِي شيء، وقد كنت حكيمًا حين تعزيته، «وقليلَ العقلِ مغرورًا حين تلهيت ببنات الخلود!»

وأدع هذا، وأقول إن السؤال الذي دار في نفسي هو: «كيف كنت خليقًا أن أربيها — أي بنتي — وأي نهج كنت أوثر؟»

والجواب صعب، فإني اليوم إنسان مختلف جدًّا عن ذلك الذي كنته في شبابي، كنت يومئذٍ «محافظًا» ينزع إلى التحرُّر ويجاهد أن يتحرر، ويشعر أن البيئة العامة أقوى منه، وأن نشأته عون لهذه البيئة عليه، وأتذكر أني كنت أركب الترام يومًا مع زوجتي رحمها الله — قبل أن يرحمها الله كما لا أحتاج أن أقول — وكان مقعدنا وراء السائق، وكان في الترام الذي أمامنا، والذي ندركه في كل محطة — في آخر مقعد منه؛ أي أمامنا — مدرس زميل لي، وكان يراني مع زوجتي فيُغضي، فأدركتني رقة له، وأشفقت على رقبته أن تنكسر، فكنت كلما رأيته يرفع رأسه، أرفع يدي له بالتحية، فيسرع الرجل وينكس رأسه! فلم يسعني إلا أن أرحمه بعد أن كررت ذلك مرات.

أما الآن فإني لا محافظ ولا متحرر، وإنما أنا رجل جرَّب وقرأ، واهتدى إلى بعض الحقائق الأولية أو الأساسية في الحياة، وليس يعنيني ما يصفني به الناس، ولا أبالي ما يقولون فيَّ، وإنما الذي يعنيني هو النزول على حكم هذه الحقائق، وأولها أننا معشر الآدميين حيوانات أصلية، فيجب أن نفهم الجانب الحيواني فهمًا صحيحًا دقيقًا — ولكنا ارتقينا عن مرتبة الحيوان بعض الشيء — كثيرًا إذا شئت أن تخدع نفسك وتغالطها، وقليلًا إذا صدقتني؛ فيجب تبعًا لهذا الرقي الذي أخالفك في مبلغه أن نروض أنفسنا على السلوك الذي يقتضيه.

وعندي أن تربية البنت ينبغي أن يكون قوامها أمرين: الأول الفهم العلمي الصحيح للحقائق الجنسية، وهذا واجب الأبوين جميعًا قبل أن يكون واجب المدرسة؛ فعليهما أن يعرفا بنتهما كل هذه الحقائق في صراحة تامة، ولما كان أكثر الآباء في هذا العصر جهلاء فإن هذا العبء يقع على عاتق المدرسة؛ ولهذا دعوت من قبل — وما زلت أدعو — إلى إنشاء معهد تشرح فيه وتبسط هذه الحقائق للشباب من الجنسين؛ فإن الجهل بها مصيبة وعلة كثير من المآسي، ومن مظاهر الفساد.

والثاني — وقد شرحه الأستاذ العقاد في مقاله «لو كان لي ولد» — هو أن تُعَوِّدَ الفتى أو الفتاة الاعتزاز بالكرامة، ومتى اعتادا هذا فدعهما، وكن مطمئنًّا.

ومعقول أن مثل هذا الأسلوب في تربية الفتاة يستوجب أن تكون بينها وبين أبويها صراحة في تناول كل أمر، وبحث كل شأن لأنها تربية استقلالية، سبيلها أن تعود الفتاة أن تنظر بعينيها، وتفكر بعقلها، ولا تخجل من عواطفها وإحساساتها، ولا خوف من هذا ولا ضير ما دامت قد تعودت أن تشعر أن لها كرامة ينبغي أن تتحفظ بها؛ ولذلك يخيل إلى أنه لو كانت لي بنت لما ترددت ولا شعرت بأي حرج حين تعاني أي مشكل أو أزمة وجدانية أو جنسية، أن تجيء إليَّ، وتطرحها عليَّ، وتبحثها معي، ولما ترددت أنا أيضًا في أن أشرح لها ما تجهل مما أعرف، وأن أبسط لها الأمور على وجهها الصحيح وأن أزودها بثمرات تجاربي وقراءتي، ثم أَكِلُهَا إلى رأيها وأنا مطمئن إلى حسن تصرفها بعد أن عودتها الاعتزاز بكرامتها واستقلالها.

ومَنْ أولى من الأبناء بأن يجنوا ثمرة تجارب الآباء وعلمهم، ومما يدعو إلى الأسف أن العكس هو الحاصل؛ أي إن الآباء شديدو الحرص على حرمان بنيهم ثمرة تجاربهم وعلمهم، حياءً وخجلًا، أو جهلًا. وإن الشباب من الجنسين يتعثرون، ولا يجدون لهم هاديًا، ثم لا يستخلصون العبرة من التجارب، ولا يقفون على الحقائق التي كان ينبغي أن يعرفوها ويحذقوها في صدر حياتهم، إلا بعد الأوان!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.