لو كنت أعزب لما أطقت الحياة، أو هذا أكبر ظني الآن، وأنا أدلف إلى الستين، وبعد أن ألفت حياةَ من له زوجة وبنون، والعادة يصعب على المرء أن يغيرها بعد طول الجري عليها، على أني جربت الحياتين: حياة الأعزب، وحياة المتزوج؛ فقد ماتت زوجتي الأولى فلبثت ثماني سنوات معرضًا عن الزواج، لا زهدًا فيه أو نفورًا منه، بل حتى يكبر ابني قليلًا، ويستغني عن كفالة امرأة أبيه، فلما اطمأنَّ قلبي تزوجت مرة أخرى، أو «تأهَّلت» كما يقول المصريون، أي اتخذت لي أهلًا أي زوجة؛ فلي من التجربة ما يُجَرِّئُنِي على القول بأن الأعزب مسكين، بل مسكين المساكين! يسير في الحياة «مستفردًا وحدًا» كما يقول الشاعر، بلا أنيس، أو رفيق، أو معين، أو مشجع، أو سكن. ولو كان كل ما في الزواج أن تكون في البيت امرأة تهيئ له الطعام، وتعد له الثياب، وتمهد له الفراش، وتعينه على حاجته، لهان الأمر جدًّا، ولوسعه أن يستغني عن الزوجة بخادم أو خادمة، ولكن أكبر مزية الزوجة أنها «سكن» وأنها تقبض على نفس الرجل، وتفرغ على قلبه «سكينة»، هي في رأيي السعادة التي يحق للإنسان أن يطمع فيها في دنيانا هذه، ولا يعجز عن الفوز بها ولا يَقُلْ أحد إن هذا القول يَصْدُقُ إذا كان الزواج موفَّقًا، أما إذا أخفق فمن أين تجيء هذه السكينة النفسية؟ ذلك أن التوفيق في الزواج، هو في الحقيقة القاعدة، وليس الإخفاق إلا الشذوذ والاستثناء، وما عليك إلا أن تراجع نسبة الطلاق في كل بلد لتتبين هذا؛ أي إن الأكثرين يتزوجون، وإن الأقلين منهم يخيبون ويفترقون.

ثم إني أذهب إلى أن الإخفاق يُسأل عنه الرجل قبل أن تُسأل عنه المرأة؛ لأنه هو الذي بيده الزمام، وهو الذي يُحسن أو يسيء سياسة الزوجة، وليس قولي هذا من الغرور «الرجالي» وما أنا ممن يزدرون المرأة، أو يستخفون بها، أو يحاولون الغض من قدرها أو شخصيتها، أو يعدونها «جارية» لا أكثر ولا أقل، وإنما أنا ممن يعترفون بالحقائق الطبيعية التي لا خير في تجاهلها، وممن يؤثرون أن يزنوا الأمور بميزان صحيح أو دقيق؛ ليُعطوا كل شيء حقه، بغير بخس، ويجتنبوا المغالاة والتجسيم والتهويل. والحقائق الطبيعية تقول إن الرجل دوره إيجابي، ووظيفته أيضًا، ولا ينفي هذا أن في الدنيا نساء هن أقوى من الرجال شكيمة وأصلب عودًا؛ فإن هؤلاء قلة وفلتات. ومع ذلك أرى أن سياسة امرأة من هذا الضرب الشاذ لا تستعصي على الرجل الرشيد الحكيم، كما لا يستعصي علاج مرض بيِّن على الطبيب العليم الحاذق. والمسألة في اعتقادي مسألة عقل وحكمة، لا مسألة «قوة»؛ أي قهر من جانب، وذلة من جانب آخر.

وأُقَرِّب إليك ما أعني، فأقول: تصور معلمًا مع فرقة من التلاميذ — أربعين تلميذًا مثلًا — هؤلاء الأربعون، وإن كانوا صغارًا، يستطيعون أن يتناولوا معلمهم هذا ويقذفوا به من النافذة، ولو كان مصارعًا، ولكنهم لا يفعلون ولا يخطر لهم أن يفعلوا؛ لأسباب شتى منها التوقير الطبيعي المستقر في النفوس للمعلم، ومنها — ولعله أهمها — قدرة المعلم على سياسة تلاميذه، فما يمنعهم هذا التوقير أن يستهينوا ويعبثوا به إذا بدت لهم منه حماقة أو سوء تصرف، أو قصور في أية ناحية. وقد يكون علمه نزرًا، ولكنه يستطيع بحسن التصرف والحكمة في سياسة تلاميذه أن يعوض هذا النقص، وأن يحملهم على احترامه، فلا قيمة لكون المرأة شرسة أو نَزَّاعَة إلى السيطرة أو عنيفة سريعة الغضب؛ فإن كل هذا يعالَج بالحكمة، وأحكم الحكمة أن تحرص على أن يظل الزمام في يدك دون أن تراه المرأة أو تشعر به، وأن تسرق وعيها وتستولي عليه كما يسرقه منها النوم بخفة ولباقة وبغير إزعاج، ثم يصبح الأمر عادة: هي تظن أن الأمر كله إليها، وماذا يضيرك ظنها؟ ولكنها مع ذلك تنتظر رأيك قبل أن يكون لها رأي، وما يبدو لها أن لك فيه رغبة، قبل أن تستوحي هي رغبتها، بل لا تكون لها رغبة سوى رغبتك، أو إرادة سوى ما تريد.

والحياة الزوجية متعبة ولا شك، وهي تكلف الرجل والمرأة على السواء نَصَبًا شديدًا، ولكن أي شيء في هذه الحياة الدنيا هين؟ وإنها لَتُحَمِّلُ الزوجين مسئوليات جسيمة، ولكن قيمة الحياة رهن بما يضطلع المرء به من تبعات. أما من تخلو حياته من التبعات — إذا أمكن هذا — فإنه يفقد حقه في الحياة نفسها، إذ ما خيره في الدنيا؟ وماذا يصنع فيها؟ ولماذا يبقى بها؟ وبأي شيء يستحق هذا البقاء؟ وما محله أو أثره في هذا الوجود الإنساني؟ إنَّ كل عمل — بالغًا ما بلغ من ضآلة الشأن — ينطوي على تبعة، ومن كان لا يعمل شيئًا — ماديًّا أو أدبيًّا — لنفسه ولأسرته أو للجماعة، أي من كان لا ينهض بفرض من فرائض الحياة، فأولى به أن يخرج من الدنيا.

***

ولست ممن يقولون إن المرأة هي وحي الأديب أو الفنان أو العالِم أو غير هؤلاء؛ فإن في هذا القول مبالغة وتخليطًا أيضا، والذين يلهجون بهذا الكلام الفارغ يعنون — في الأغلب — المرأة بالمعنى الجنسي، ولا أدري لماذا لا تكون الأم أو البنت أو الأخت، أو الصديقة — إذا أمكن أن تكون المرأة صديقًا للرجل بالمعنى الذي يفهمه هو من الصداقة — هي وحيه إذا كان لا بد من وحي؟ إن كل ما أعرفه — وأعترف به — في هذا الباب، هو أن المرأة أداة لإراحة أعصاب الرجل من الناحية الجنسية — وكذلك هو أداة لها — ومتى استراحت الأعصاب وسكنت وأُعْفِيَتْ من الاضطراب، تيسر التفكير الهادئ المتزن، والإنتاج في يسر وبغير إجهاد، واستطاعت الأعصاب أن تتحمل جهد العمل بلا كلل أو ملل؛ أي إن هذه الراحة وسيلة للانتعاش والتنشيط، وأظن أن هذا بديهي لا يحتاج إلى بيان.

ولو كنت أعزب لعددت نفسي نصف حي، أو غير حي إلا على المجاز أو التسامح؛ لأنه لا يُعَدُّ حَيًّا من يجهل المرأة ولا يعرفها، وليس يعرف المرأة من لا يعرف الزوجة، ولو عرَف ألف امرأة غيرها، فإن غير الزوجة لَهْوُ ساعة، أما الزوجة فهي الأداة التي اختزنت فيها الطبيعة سر الحياة كله، ولست أزعم أن كل زوج يفهم المرأة والحياة كما لا يفهمها الأعزب؛ فإن كل امرأة ككل امرأة أخرى في الطباع الأصيلة، ولكني أقول إن الحياة لا تتم إلا بزوجة، أي بامرأة تشارك الرجل وتقاسمه حياته، ولا خوف من جورها عليه، فما تستطيع أن تجور إلا على رجل ناقص الرجولة أو قليل العقل، ولا خوف من سوء أثر الزواج في حياة الأديب أو العالم أو الفنان أو غير هؤلاء، كما لا خوف من العزوبة أيضًا إلا إذا كان الرجل شاذًّا ينفر من المرأة نفورًا لا مسوِّغ له.

كلا، لا أستطيع أن أتصور أني أعزب؛ لأني لا أستطيع أن أشيح بوجهي عن أهم جانب من جوانب الحياة، أو أن أرضى بحياة تجعل المرء أشبه بحصان مشدود إلى مركبة، وعلى جانِبَيْ وجهه ما يحجب عنه ما حوله، ولا يسمح له إلا برؤية ما هو أمامه دون غيره.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.