أَمَّا أن المصريين ضيقون بهذا العهد السعيد الذي ينعمون بخيراته وبركاته منذ أربعة أعوام، فذلك شيء لا شك فيه، ولَعَلَّ أشدهم ضيقًا بهذا العهد وأحرصهم على أن يزول، هم الذين أحدثوه أنفسهم، بعد أنْ بلوا ما بلوا من ثمراته، وجنوا ما جنوا من حسناته، ولعل صدقي باشا نفسه أشدهم الآن كرهًا لهذا العهد وتبرُّمًا به وحِرْصًا على أن يزول بعد أن أسَّس ما أسَّس، وشيَّد ما شيَّد، ثم نظر فإذا هو ينبذ نبذًا ويطرح إطراحًا، وينتهي إلى حال سيئة رديئة لم يكن في مثلها يومًا من الأيام.

ولعلَّ الرَّجل الطيب نفسه ليس أقل من صدقي باشا زهدًا في هذا العهد، وتبرمًا بما يحمله من الأثقال، وتمنيًا للخَلَاصِ من أوزاره وللظفر بِحُسْنِ العاقبة بعد هذه المخاطرة التي أقْدَمَ عليها يوم تولَّى الحكم، فلم يصنع شيئًا بينما حمَّل نفسه من المتاعب والتبعات ما كان مُسْتَرِيحًا منه قبل أن يُدفَع إلى ما دُفِع إليه.

وليسَتْ أحاديثُ الناس قليلة عن قلق الرَّجل الطيب في مكانه وزُهْدِهِ في منصبه، وحِرْصِهِ على أن يخرج منه لا له ولا عليه، فإجماعُ المصريين على كُرْه هذا العهد والرَّغبة في انقضائه على أي حال من الأحوال واضحٌ لا غُموض فيه، وإذا لم يكن بدٌّ من أن تستثني أحدًا من هذا الإجماع، فقد تستطيعُ أن تستثني أشخاصًا معدودين يستمتِعُون بِمَا يكفل لهم هذا العهد من قوة وبأس وسُلطان لم يكونوا ليحلموا بها في غيره من العهود، وقد تستطيع أن تستثني معهم أفرادًا آخَرين يكرهون هذا العهد فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم يُحِبُّونه إذا تناولوا أقلامهم وتَجَرَّدُوا للكتابة والتحرير في بعض الصحف؛ لأَنَّهُم مضطرون إلى أن يعيشوا، وللعيش أثقال وتكاليف.

ولعلك إذا فرغت من هذا الاستثناء ثم أردتَ أَنْ تتبيَّن مَصْدَر زهد المصريين في هذا العهد السعيد، انتهيت إلى عِلَّةٍ واحدةٍ هي أنَّ المصريين قوم بطرون، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، ولا يُحْسِنُون شكر النعمة، ولا يُحِبُّون الاعتراف بالجميل، فهم قد سئموا — وما أسرع ما سئموا — هذه الحياة الحلوة التي فتح لهم صدقي باشا أبوابها وأذاقهم لذاتها، وسئموا — وما أسرع ما سئموا — حلاوةَ هذا العيش اللذيذ الذي ترخص فيه الدماء والنفوس، وتهون فيه الحرمات والكرامات، ويطغى فيه الفقر حتى على الذين لم يكن يستطيع أن يفكِّر فيهم، ويفسد فيه الحكم حتى يُصبِح فساده موضوع السمر ولَهْو الحديث، وتسوء فيه الأخلاق حتى تهون الضمائر على أصحابها، وإذا هي تعرض للبيع، وإذا هي تباع بأبخس الأثمان، ولعلها تباع بالابتسامة الحلوة، والوعد الكاذب، والأمل الخدَّاع.

سئم المصريون هذا كله، وكان من حقهم أن يُحِبُّوه، ويسألوا الله المزيد منه، لولا أَنَّهم مفطورون على كفر النعمة وجحود الجميل، وعلى هذا الغرور الذي يخيِّل إليهم أنهم كغيرهم من الناس يستطيعون أنْ يَطْمَعُوا في العَدْلِ، ويَطْمَحُوا إلى الخير، ويحرصوا على الإنصاف، ويسموا إلى أن تُسَاسَ أُمورهم كما تُسَاس أُمور الأُمَمِ الأخرى في ظِلِّ الحرية والنظام والقانون، ويَرْتَفِعُوا إلى أن تقوم سياستهم على التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، وبين الحاكمين والمحكومين، ولكن ماذا تصنع وقد خلق الله المصريين مغرورين يرون أنهم كغيرهم من الناس، يستطيعون أن يكرهوا الشر وينفروا منه، وأن يحبوا الخير ويرغبوا فيه.

خُلِقوا كذلك فضاقوا بهذا العهد ضيقًا لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا عليه، وصبروا مع ذلك على هذا العهد صبرًا لم ينجحوا في شيء كما نَجَحُوا فيه، وثبتوا لفتنة هذا العهد ثباتًا يستطيعون أن يفاخروا به، وأن يزعموا أن أممًا قليلة جدًّا في هذا العصر الحديث تستطيع أن تزاحمهم فيه.

خُلِقوا كذلك فأنكروا وصبروا وثبتوا وقاوموا، واضطروا ظالميهم إلى الإخفاق والإِفْلَاس، أكرهوهم على أنْ يَعْتَرِفوا بأنَّهم لا بُدَّ لهم من تغيير السياسة والعدول عمَّا مضوا فيه.

كل هذا حَقٌّ لا يقبل الشك، ولا يحتمل النزاع، كان بعضُ الناس يُنْكِرُه وأصبح الناس جميعًا يُؤمنون به. كان الإنجليز ينكرونه فأصبحوا أسرع إلى إعلانه من المصريين وأرغب في تغييره من المصريين، ولكن هذا شيء وما يظنه الإنجليز أو ما يُظهِر الإنجليز أنهم يظنونه شيء آخَر، فالمصريون لا يُريدون أن يَخْرُجوا من شَرٍّ لِيَقَعُوا في شَرٍّ آخَر، وَلَا أَنْ يبرءوا من خِزْي ليتورطوا في خِزْي أشد منه نكرًا.

المصريون لا يريدون أن يخرجوا من هذا العهد الذي يظلمهم فيه الإنجليز وهم يتكلفون الحياد، إلى عهد آخَر يظلمهم فيه الإنجليز جهرةً، ويذلهم فيه الإنجليز عنوةً، ويتحدَّث فيه الإنجليز إلى أنفسهم وإلى الناس بأنهم لا يظلمون المصريين إلا برضا منهم وطاعة، وعن إقرار منهم وقبول. والمصريون يعرفون حَقَّ المعرفة أنَّ ما يعرضه عليهم الإنجليز في مقالة التيمس وغير مقالة التيمس إنما هو الذل بأبشع مظاهره، والظلم في أقبح صوره وأشكاله، فليسَ أَقْبَح ولا أشنع ولا أبعد عن الكرامة من هذه الحياة التي يَنْزِلُ أصحابها عن حقهم في أن يكونوا رِجَالًا يرعون أنفسهم فيخطئوا ويُصيبوا، ليكونوا قطعانًا يرعاها غيرها من السادة الأجانب، فيكفلوا لها الماء والمرعى، ويضمنوا لها ظاهرًا من العدل والمساواة.

هذا هو الذي يُرِيدُه الإنجليز، وهذا هو الذي يعرضونه على المصريين إن كان ما نشرته التيمس يوم الجمعة مصوِّرًا لرأي فريق منهم غير الرجل الذي كتب هذا المقال، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر وأعرف بالحياة والأحياء، وأبصر بمصر والمصريين من أن يُصَدِّقوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنَّ المصريين يرضون منهم هذا التدخل الذي يروجون به ويرغبون فيه، والإنجليز عندنا أذكى وأمهر من أن يضلِّلوا أنفسهم إلى هذا الحد، ولكن الإنجليز قوم أقوياء، وهم إذا استجمعت لهم القوة لا يحفلون بأحد ولا يحفلون بشيء، ولا يتحرَّجون من أن يتكلَّفوا خداع أنفسهم وخداع الناس، ومن أن يتخذوا ذلك وسيلةً إلى تحقيق ما يُرِيدون. وهم الآن يتكلَّفون خداع أنفسهم ويتكلَّفون خداع الناس، ويُخَيِّلون إلى أَنْفُسهم وإلى الناس — ويضحكون فيما بينهم وبين ضمائرهم — أَنَّهُم سيَقُومون من مصر مقام المنصِف المنقِذ الذي يكشف الضر ويرفع الشر، ويُحَقِّقُ العدل والإنصاف والمساواة، فمن الحق علينا نحن أَلَّا نقصر في أن نبيِّن للإنجليز وللناس ولأنفسنا أننا نفهم خداعهم حق الفهم، ولا تفوتنا منه صغيرة مهما تكن، وإننا نعلم حق العلم أنهم هم الذين أقاموا هذا العهد الذي نشكوا منه ونضيق به، أقاموه بيد صدقي باشا، وأنصار صدقي باشا، وأشباه صدقي باشا، وأقاموه تأديبًا لنا؛ لأننا لم ننزل في المفاوضات عند ما كانوا يريدون، ولم نقبل في المفاوضات ما كانوا يعرضون، أقاموه وجَدُّوا في إقامته وأفعموه بكل ما ذقنا فيه من الآلام والآثام، وظَنُّوا أَنَّ الدرس سيكون قاسيًا، وأنَّه لِذلك سَيَكُون نافعًا رادعًا، وأننا إذا اكتوينا بنار الظلم فسنجنح إلى السلم وسنتواضع فيما نطلب، وسنرضى منهم ما يتفضلون به علينا من راحة الأذلاء، الذين لا حظ لهم من كرامة ولا عزة، ولا أمل لهم في حرية واستقلال.

وقد رأى الإنجليز — وهم محنقون — أن تأديبهم لم يؤدِّب أحدًا، وأن دروسهم لم تنفع أحدًا، وأن قسوتهم لم تردع أحدًا، وأن نار الظلم إن آذتنا فإنها لم تُذِبْ نفوسًا ولم تُضعِفها، وإنما زادتها قوةً إلى قوة، وصبرًا إلى صبر، وثباتًا إلى ثبات. رأوا هذا ورأوا أنهم عاجزون عن خِدَاعِنَا؛ فاضطروا إلى ما يضطر إليه القوي اليائس من خداع أنفسهم، فهم الآن يخدعون أنفسهم، وهم الآن يقولون لأنفسهم ما لا يقوله لهم أحد، ويطلبون من أنفسهم ما لا يطلبه إليهم أحد، ويخيِّلون إلى أنفسهم أننا لاجِئُون إليهم، لائذون بهم، ننتظر منهم الإغاثة والعون. كلا، لسنا لاجئين إليهم ولا لائذين بهم، وما ينبغي لنا ذلك، وما ينبغي لهم أن ينتظروا منَّا إلا ما ينتظره الخصم القوي من الخصم القوي، لهم البأس والبطش، لهم العدد والعدة، لهم الجند والسلاح، لهم الأساطيل التي تملأ البحر، والطيارات التي تملأ الجو، ولكن لنا نحن الصبر والثبات والاستمساك بالحق. وما دام الإنجليز عاجزين عن إفنائنا، ومحونا من الأرض محوًا، فإنهم سيجدون منا دائمًا خصمًا قويًّا عنيدًا يصيبه الظلم، وينزل به العذاب، وتلمُّ به الكوارث والأحداث، فلا يزيده ذلك إلا عزةً وإباءً واستمساكًا بالحق، وعنادًا في الخصومة.

والإنجليز قوم مُجَرِّبُون، وهم قد جرَّبوا مُصَارعة الشعوب، وهم قد جرَّبوا أخذ الأمم بالعسف والظلم، وهم قد علموا من هذه التجربة، أنَّ الشُّعوب الحية لا تصرع ولا يصرفها الظلم عمَّا تريد من الحرية والاستقلال.

فَلْيخدع الإنجليز أنفسهم ما شاءوا، وَلْيضلل الإنجليز أنفسهم ما أحبُّوا، فلن يغني عنهم ذلك شيئًا، ولن يُعْفِيهم ذلك من أن يَرَوا مصر قائمة أمامهم تُطالِبهم بالحق، وتنازِعهم فيه، وتلقى ظلمهم بشر ما يذيب الظلم والظالمين، وهو الإصرار على الحق والامتناع على الضيم. والإنجليز أحرار في أن يختصروا الطريق أو يُطِيلوها، فهم إن أرادوا لأنفسهم الرَّاحة والعافية اعترفوا بالشعب المصري وتحدَّثوا إليه، واتفقوا معه، ونزلوا له عن حقه، وهُمْ إن أرادوا أن يُطِيلوا الطَّريق سَلَكُوا ما سَلَكُوا منذ أقاموا عهد صدقي باشا، فغيَّروا عهدًا بعهد، وبدَّلوا شكلًا بشكل، وتراءوا للناس في مظاهر مختلفة، وتحدَّثوا إليهم بأحاديث مختلفة، وخرجوا من إخفاق ليدخلوا في إخفاق، وانتهوا بعد الجهد والعناء، وبعد اقتراف الآثام واجتراح السيئات، إلى ما يستطيعون أن ينتهوا إليه اليوم، وإلى ما كانوا يستطيعون أن ينتهوا إليه أمس، من الاتفاق الشريف مع الشعب الذي لن يرضى إلا أن يكون شريفًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.