لست أزعم أنني قدير على أن أؤرخ لحادث لم تنقضِ ثلاث سنوات على وقوعه، والمؤرخون يختلفون على الحوادث التي وقعت منذ عشرات السنين بل مئاتها؛ لأن عناصر التاريخ متعددة إلى حد أن الاتفاق بشأنها في كثير من الأحيان أمرًا غير يسير.

فحسبي أن أذكر ما عرفته عن هذا الحادث معرفة شاهد اشترك فيه، ولعل المؤرخين من بعدُ يستطيعون تصوير الحقائق كاملة، إذا أتيح لهم الوقوف على كل عناصرها.

سافرت إلى لبنان في العشرين من يوليو عام ١٩٥٢، وظُهْر الثالث والعشرين قيل لي إن الإذاعة اللبنانية ذكرت أن انقلابًا عسكريًّا حدث في القاهرة، واستمعت إلى إذاعة القاهرة بعد الظهر فتأكدت صدق النبأ، وفي صبح الغد وصلتني برقية من صديقي المرحوم دسوقي أباظة، يذكر فيها أن إخواني ينتظرونني بالإسكندرية لنتروَّى في الموقف، وحجزت مكانًا بالطائرة التي تقوم صبح الغد إلى القاهرة، ثم وصلت الإسكندرية بعد الظهر، وفي المساء التقيت بأصحابنا وسمعت منهم ما يعرفون عن تطور الحوادث، وأصبحت في السادس والعشرين، فإذا صديقي السيد أحمد عبد الغفار يدعوني إلى منزله بالرمل ويذكر لي أن أصدقاءنا، وعلى رأسهم أستاذنا أحمد لطفي السيد، مجتمعون عنده، وأنهم يريدون أن أشترك معهم في أمر اعتزموه منذ أمس.

وذهبت فألفيت أصدقاءنا السياسيين، فحييتهم، فقالوا إنهم يريدون أن نذهب إلى معسكر مصطفى باشا، حيث كان رئيس حركة الجيش، اللواء محمد نجيب، لنؤيده ونشجعه، قلت أولًا يجمل بنا أن ننتظر حتى نعلم ما يريد القائمون بهذه الحركة، فكان جواب بعض إخواننا: إنها حركة موجَّهة ضد طغيان الملك، وقد وقَّعت أنت على العريضة التي تنبِّه الملك إلى نتائج هذا الطغيان، والتي قلت أنت وأصحابك فيها: إن لصبر الشعوب حدًّا. فكيف، وهذه الحركة تؤيد ما جاء في العريضة، لا نؤيدها ونشجعها؟ قلت: على بركة الله. ورغبت إليهم في أن يصحبنا الأستاذان دسوقي أباظة وأحمد علي علوبة، وجاء الرجلان وذهبنا كلنا إلى المعسكر وقابلنا اللواء محمد نجيب، وقد وقف من حوله الضباط الأحرار، وتحدَّث باسمنا أستاذنا لطفي السيد يؤيد الحركة، وأجابه اللواء نجيب: إننا ننفذ سياستكم والخطة التي رسمتموها.

حدث ذلك كله قبل الظهر، ولم يكن أحد منا يعلم إلى هذه الساعة بأن فاروق يُكرَه على التنازل عن العرش لابنه الطفل أحمد فؤاد، وقد لمحنا على وجه اللواء نجيب والضباط الذين أحاطوا به علائم الاغتباط لذهابنا إليهم وتأييدنا إياهم، فلما خرجنا من عندهم علمنا بعد سويعات ما لم نكن نعلم، علمنا أن الملك تنازل عن العرش لابنه، وأنه سيغادر مصر نهائيًّا في الساعة السادسة بعد ظهر اليوم نفسه، عند ذلك قدَّرت أن الحركة ماضية إلى غايتها. وفي الغد قابلت رئيس الوزارة إذ ذاك السيد علي ماهر وسألته: ما خطتكم بعد الذي حدث؟ وكان جوابه: لا أدري إلى أي مدى يريد الضباط أن يصلوا.

وغادرتُ الإسكندرية إلى لبنان بعد أيام، وأقمت هناك أسبوعًا، ثم عدت إلى القاهرة وقابلت رئيس الوزراء، وأثناء حديثنا قال لي مرة أخرى: لست أعلم إلى أي مدى يريد الضباط أن يصلوا.

هذه شهادة أؤديها لحساب التاريخ، وأشهد الله على صحتها، والله على ما أقول شهيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.