وضوع يُثيرُ كثيرًا من الخصومة والاختلاف بين الذين يُؤرخون الأدب العربي، ويُعنون بنقده، ويُعنون عناية خاصَّة بالمُوازنة بينه وبين الآداب الأجنبية الكُبرى، فقومٌ يزعمون أن الشعر العربي أقلُّ خطرًا من الشعر الأجنبي، وأهون شأنًا لأنَّه لا قصص فيه، ولأنَّ الشِّعر العَرَبي، لا يستطيع أنْ يعد بين آياته الكثيرة والحديثة شيئًا يُشبه الإلياذة أو الأوديسا، أو غيرهما من قصص اليُونان والرُّومان، وقصص غيرهم من الأُمَمِ القديمة والحديثة، وإذن فهو شعرٌ ناقص، لا ينبغي له أنْ يُسامي الشِّعر الأَجْنَبي، ولا أنْ يطمع في أن يكون له مكانة مُمتازة بين أنواع الشعر التي تستحق الخلود.

وقوم آخرون يشق عليهم هذا الازدراء للشعر العربي؛ فينكرون أشد الإنكار ويريدون أن يثبتوا للشعر القومي ما يمتاز به الشعر الأجنبي، لا يتحرجون في ذلك ولا يحتاطون فيزعمون أنَّ الجهل وحده هو الذي يُخيل إلى خصوم الشعر العربي أنَّه لا قصص فيه، ثم يزعمون أنَّ الشعر العربي يُوشك في عصوره القديمة أنْ يكون قصصًا كله، ثم يقولون إن الشعر الحَمَاسي كله قصص كشعر الإلياذة والأوديسا، أليس فيه وصف الحرب، وتصوير الوقائع، وحديث الأبطال، وأصحاب الكر والفر، من الكماة والفرسان، وإذن فما الفرق بينه وبين شعر الإلياذة والأوديسا، أو غيرهما من الشعر القصصي في أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.

أولئك وهؤلاء يغلون؛ فمن المُحَقَّق أنَّ الشِّعر العَربي لا يُعَدُّ شيئًا كالإلياذة والأوديسا، ولا تُعرف فيه هذه القصائد الطوال التي تُصور من حياة الأمم ما يُصور الشعر القصصي، ولكنَّ هذا لا يغض من الشعر العربي، ولا يؤخر مرتبته بالقياس إلى الشعر الأجنبي.

ونلاحظ أولًا: أنَّ العجزَ عن استكشاف قصيدة في الشعر العربي تُشبه الإلياذة والأوديسا لا يدل على أنَّ هذه القصيدة لم تُوجد، وإنما يدل على أنها لم ترو، ولم يحفظها لنا التاريخ، ومن الممكن جدًّا أن تكون قد وُجِدَت بالفعل، وأنْ يكونَ النَّاسُ قد تناشدوها، وتناقلوها، إلى أنْ جاء ذلك العصر، الذي ذَهَب فيه كثير من الرُّواة والحفَّاظ، وأُهمل فيه الشعر إهمالًا بأمر السياسة ودواعيها، فلمَّا عاد العرب إلى رواية الشعر، واستظهاره لم يجدوا هذه القصيدة أو لم يجدوا منها إلا أطرافًا لا تُصَوِّر شيئًا، هذا فرضٌ افترضه، ولو أني فرَغْتُ لدرسه وتحقيقه؛ لكان من المُمكن أنْ أَنْتَهي إلى شيء فيه غناء كثير فحياة العرب، في عصرهم الجاهلي مجهولة، ولكن الشيء القليل الذي نعلمه منه يدل على أنَّ الشعر كان هو الصورة الأدبية الوحيدة لهذه الحياة المُضطربة التي كانت تحياها قبائلهم في البادية، وعلى أنَّ حياتهم هذه كانت حياة اجتماعية يكاد الفرد يفنى فيها فناء، وتكادُ شخصيته تُمحى فيها محوًا، وإنما القوة والسلطان والذكر للقبيلة لا للفرد، ولا للأسرة.

وإذا اجتمع اضطراب الحياة وكثرة ما فيها من الأهوال والخطوب، وانمحاء شخصية الفرد، وفنائها في القبيلة لم يكن بُدٌّ أنْ يُوجد الشعر الذي يُصورها، والذي هو أقرب أنواع الشعر إلى المعروف من شعر القَصَاص، وهذه الأيام التي تحفظها لنا الروايات، ولا يكاد التَّاريخ يعرف من أمرها شيئًا كأيام الباسوس، وأيام داحس والغبراء، وأيام الكلاب، وغيرها قد غناها الشعراء في شعرهم من غير شك، وقد أكثروا من التغني بها، والتحدث عنها، وقد كانوا ينتقلون بغنائهم وحديثهم هذا بين القبائل، وفي الأطراف المُتباعدة من بلاد العرب، وكانَ النَّاسُ يجتمعون لهم، ويسمعون منهم ويُعجبون بهم، ويُثيبونهم على هذا الحديث والغناء، وهذا بالضَّبط هو الذي كان يصنعه الشعراء الهوميريون.

والأدباء يخطئون إنْ ظنوا أنَّ الشعر القصصي اليوناني مثلًا قد نشأ فجأة، وأنَّ الإلياذة، أو الأوديسا قد وُضعت مرة واحدة ونُظمت لها خطة معينة، قبل أنْ توضع، إنما هي طائفة من الأغاني والأناشيد تناولت موضوعات مُتقاربة أو موضوعًا واحدًا بعينه، ثم جُمعت بعد ذلك جمعًا وأُلفت تأليفًا، أُذيعت منها نُسَخٌ رَسْمِيَّة هي التي تناقلها الناس بعد أنْ شَاعَتْ الكتابة في اليونان.

فمن الذي يستطيع أن يزعم أن العرب في عصورهم الجاهلية لم تكن لهم قصائد تصور حروبهم، وأيامهم تصويرًا قويًّا اجتماعيًا، ويتنقل به الشعراء ينشدونه ويغنونه، ثم لم يُتح لهذه القصائد من يأمر بجمعها وتنظيمها وإذاعتها في الناس، كما أمر بجستران بجمع الإلياذة والأوديسا وتنسيقهما وإذاعتهما بين الناس.

فإذا أضفت أنَّ ظهور الإسلام قد محا آثار الوثنية العربية محوًا، وقاومها أشد المُقاومة، وكان الشعرُ مِنْ أهَمِّ هذه الآثار لم يكن غريبًا أن لا يجتمع للعربِ من قَصَصِهم الشعري أو من شعرهم القصصي مثل ما اجتمع لليونان؛ لأنَّ الدين من أهم المُؤثرات في وجود الشعر القصصي وانتشاره، ولولا الدين لما بقيت الإلياذة والأوديسا، فهما كانتا تنشدان في المحافل الدينية إلى آخر العصر الوثني، ولذلك جُمِعتا، ونُسِخَتا وأذاعَتهما الدولة إذاعة رسمية؛ لأنهما كانتا أشبه شيء بكتب الدِّين، فكيف إذا كان الإسلامُ يُقاوِم الوَثنية وآثارها أشد المُقاومة، ويجد في مَحْوِها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتى يوفق إلى ذلك كل التوفيق في القرن الأول للهجرة.

إذن فعجزُنا عن استكشاف القصيدة القصصية العَربية التي تُشبه الإلياذة أو الأوديسا لا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة لم توجد قط، وإنما يدل كما قلنا على أننا لم نظفر بها.

وليس ينبغي أن يُقال ما بال العرب لم يحدثوا شعرًا قصصيًا بعد الإسلام، فالشعرُ القصصيُّ لا ينشد، ولا يتكلف في أوقات الحَضَارة والرُّقي العَقلي، وإنَّما هو نتيجة طبيعية لحياة البدو والسذاجة، فإذا تكلفه المُتحضرون سخف وضعف أمره، ولم يحفل به جمهور الناس، كما كان ذلك شأن الإلياذة التي تكلفها فرجين، وشأنُ الشعر القصصي الذي تكلفه المُحدثون من الأوروبيين كفولتير مثلًا.

على أن من الإسراف وتجاوز الحق أن يُقال: إنَّ العرب لم يُعنو بعد الإسلام بالشعر القصصي؛ فهم قد عنوا به عناية ظاهرة نشهد آثارها في ناحيتين واضحتين جدًّا:

إحداهما: عربية أدبية ممتازة، وهي هذه الكتب التي وُضعت في تسجيل الأيام والوقائع التي كانت في العصر الجاهلي، فهذه الكتب قصص كلها، قصص لا تاريخ، حظ الأساطير فيها أعظم من حظ الحق، وهي تعتمد على الشعر، وتروي منه الشيء الكثير جدًّا لا تكاد تذكر موقعة من المواقع ولا حربًا من الحروب إلا روت ما قيل فيها من الشعر؛ فهي إذن نوع من القصص يُصاغ في النثر، ولكنه يزدان بالشعر ويعتمد عليه.

والنوع الثاني: عامي ازدراه أدباؤنا؛ لأنه لم يُصور في اللغة الفصحى التي يعنون بها عناية خاصة، وهذا النوع تجده في هذه القصص الكثيرة التي ما يزال العامة يشغفون بها، وما يزال الشعراءُ يتلونها عليهم نثرًا مزدانًا بالشعر حينًا، وشعرًا خالصًا حينًا آخر يعتمد على ألحان الرَّبابة من وقت إلى وقت، وهذا النَّوعُ من القَصَص العَامِّي هو أَشْبَه الأشياء بالشعر القصصي الأجنبي من جميع نواحيه، يُشبهه في الموضوع ويشبهه في الشكل، ويُشبهه في الإلقاء، ويُشبهه في الاعتماد على الموسيقى، ويُشبهه في تنقل القصاص به، وفي احتفال المستمعين له، وحرصهم عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.