لم نكن نتعلم في حداثتنا كما يتعلم أبناؤنا الآن؛ فقد كانت المواد قليلة وأمرُها هينًا ومدة الدراسة وجيزة في كل مرحلة، أو أقصر مما هي الآن، حتى لقد استطعت أن أفرغ من التعليم في المدارس — من ابتدائية وثانوية وعالية — في عشر سنوات ليس إلا، ولم يكن هذا لأني كنت نابغة أو ذكيًّا أو مجتهدًا. كلا، فقد كنت أغبى التلاميذ وأكسلهم وأبلدهم، وآخرهم في كل فصل ولا فخر! وكان التعليم كله باللغة الإنجليزية، إذا استثنينا اللغة العربية، حتى الترجمة كان يتولى تدريسها أحيانًا أستاذان: واحد مصري للترجمة من الإنجليزية إلى العربية، وواحد إنجليزي للنقل من العربية إلى الإنجليزية، وكان الأجانب الموظفون في الحكومة المصرية محتمًا عليهم أن يتعلموا اللغة العربية، وأن يؤدوا فيها امتحانات متتالية، وإلا فُصِلُوا ورُدُّوا إلى بلادهم وجيء بغيرهم. وقد يحب القراء أن يعرفوا مبلغ اقتدار هؤلاء ومقدار علمهم بالعربية، فأقول إن أحدهم كان يدرس لنا الترجمة في المدرسة الثانوية، فدق الجرس، وأقبل الأستاذ على الفصل الذي أنا من تلاميذه، وكان معه زميله المصري، فقد كانا يحضران معًا ويتعاونان على تثقيف عقولنا الجاهلة، وكان الصيف قد جاء واشتد حره، فظمئت، ورأيت قُلَّةً على شباك في الردهة، فملت إليها لأشرب قبل الدخول في الفصل، ورآني أستاذنا الإنجليزي، وكان فخورًا بأنه يعرف تلاميذه جميعًا بأسمائهم ووجوههم، ولكن ذاكرته خانته في تلك اللحظة، فنسي اسمي، فصاح بي: «أنت هناك اللي بتاكل ميه!»

فلا عجب إذا كنا قد نبغنا على أيدي هؤلاء العلماء الفطاحل!

وكان يندر أن يرسب أحد في امتحان ما، وما أكثر ما انتقلت من «سنة» إلى «سنة» على وجه الاستثناء، وليست هذه دعوى أدعيها؛ فقد كانت أسماء المنقولين بحقهم، والمنقولين على وجه الاستثناء تُعَلَّقُ على باب المدرسة، ولو أنَّه كان لا بد من النجاح في امتحان كل مادة، بالحق والعدل، لبقيت إلى اليوم تلميذًا بالمدارس، أو لما أمكن أن أتخرج فيها، وقد كنا نتلقى في مدرسة المعلمين العليا علوم الجبر العالي والهندسة الفراغية وحساب المثلثات، ولا أدري ماذا أيضًا، وكل هذا مما يعجز عقلي عن فهمه، ومع ذلك نجحت في امتحان هذه العلوم، فهل هذا معقول؟ إنه الاستثناء المسعف ولا شك!

وكنا لا نحتاج إلى دروس خصوصية لسهولة الأمر أولًا، ولفقر الأكثرين ثانيًا، ولأن معظم المدرسين كانوا يُكرمون أنفسهم، وينزهونها عن الكسب من الدروس الخصوصية، وقد كان كثيرون من تلاميذي فيما بعدُ يلحون عليَّ أن أكون معلمًا خاصًّا لهم في بيوتهم، فلا أقبل، وآنَفُ أن أذهب إلى بيت أحدهم فيقول خادمه: «جاء المعلم» كما يقول: «جاء الفقي.»

ولكن أساتذتنا على قلة ما كانوا يعلموننا، كانوا يحثوننا على القراءة والاطلاع، ويعيروننا حتى كتبهم الخاصة، وكانت هذه القراءة أهم في نظرهم ونظرنا من الدروس التي نتلقاها، وأذكر أني بعد تخرجي كنت جالسًا ذات يوم في مقهى وكان معي كتاب لأوليفر وندل هولمز، فلمحت أستاذي في اللغة الإنجليزية بمدرسة المعلمين، فخففت إليه لأسلم عليه وأحييه، ورأى يدي فارغة، فقد تركت الكتاب في المقهى، فكان مما قال لي: «طبعًا أنت الآن موظف، فكفاك ما قرأت، ولا حاجة بك إلى زيادة!» فآلمني هذا التهكم، وأصررت أن يجيء معي إلى المقهى ليرى الكتاب الذي تركته فيه ففعل، واعتذر، وحمدت الله الذي أعفاني من سواد الوجه واستحقاق اللوم.

واليوم يتعلم أبناؤنا في المدارس فوق ما تعلمناه وأضعافه، حتى لأرتاع إذ أرى هذه الكتب الضخمة المقررة في كل مادة، وأروح أتساءل: متى يستطيع التلميذ أو الطالب أن يحفظ كل هذه الدروس في كل مادة؟ ومتى يرتاحون، أو يخرجون للرياضة والتنزه؟ وكيف يتسنى لأساتذتهم أن يشرحوا لهم هذه الدروس كلها الشرح الواجب، وهم مرهقون بالعمل؟ ثم ما الفائدة التي ترجى من هذا الحشو كله؟ إن التعليم ليس الغرض منه التوجه إلى الذاكرة وحشوها بالمعارف المختلفة، وإنما الغرض منه تزويدها أولًا بما لا غنى عنه من المعارف الضرورية، وإيقاظ الذهن وإنماؤه وتدريبه، وإعطاء التلميذ ما يصح أن يسمى «مفتاح» المعرفة، بعد تعويده النظام في التحصيل؛ ليتيسر له فيما بعد أن يدخل من الباب الذي أعطي مفتاحه، ويتوسع على هواه. والمشاهد الآن أنه قَلَّ بين التلاميذ من يفتح كتابًا غير الكتب المدرسية؛ لأن وقته مكتظ، ولأن أسلوب التعليم يزهد التلميذ في القراءة والتحصيل وينفره منهما ولا يغريه بهما، وليس العيب عيب المدرس، بل عيب النظام كله؛ ولهذا يكثر الرسوب، وتتكرر الامتحانات، ويشتد الطلب على الدروس الخصوصية، حتى صارت موردًا ثرًّا للرزق، وسبب إرهاق شديد للآباء؛ ولهذا أيضًا صار التعليم في مصر يستغرق نصف عمر المرء، فيا لأبناء هذا الجيل الجديد من مساكين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.