الدستور هو القانون الأساسي للبلاد، وعليه يستند النظام القانوني القائم، فضلًا عن أن الدستور يرسي قواعد النظام السياسي والاقتصادي، ومنه تُستمد شرعية المؤسسات القائمة، ولكل ذلك فللدستور مكانة خاصة، ولا يجوز أن يكون محلًّا للعبث أو مجالًا للتعديل والتغيير عند كل مشكلة طارئة أو حادثة جديدة. الدستور هو معيار الاستقرار، وعليه أن يتمتع بأكبر قدر من الاحترام، ودون ذلك تختل الأمور وتفسد الموازين.

ولكن كل هذا شيء، وإضفاء الجمود على الدستور أو القدسية على أحكامه شيء آخر، هنا يصبح الدستور عقبة في سبيل التقدم، ويتحول من نعمة إلى نقمة. الاستقرار مطلوب ولازم، ولكن الاستقرار بطبيعته نسبي، أما الجمود، وهو مطلق، فهو ضار وخطر. فالتغيير والتطور من طبيعة الحياة، ومن لا يتطور يموت، والموت وحده لا يعرف التغيير، وهكذا الأمر مع الدستور استقرار، الدستور نعم، أما الجمود فلا.

وضع الدستور الحالي (١٩٧١) في ظروف خاصة، وهي ظروف داخلية عرفتها مصر في تلك اللحظة، وفي ظل أوضاع إقليمية ودولية لم تلبث أن انقلبت رأسًا على عقب، كانت مصر قد خرجت بالكاد من كارثة ١٩٦٧، ولا تزال أراضيها في سيناء محتلة، وقامت في أثر هذه الهزيمة مطالبات من مختلف فئات الشعب بضرورة الإصلاح والتغيير، فصدر إعلان مارس ١٩٦٨، وأعلن الرئيس الراحل عبد الناصر نيته للتغيير مع الإعداد لمعركة التحرير، وبعد ذلك بقليل وافته المنية، وتولى الرئيس الراحل السادات المسئولية، ولم يلبث الرئيس السادات أن وجد في ولايته الجديدة مناوأة ضد حكمه من الحرس القديم؛ مما اضطره إلى قيامه بما يشبه الانقلاب عليهم فيما عرف بثورة التصحيح مايو ١٩٧١، ومن هنا الحاجة إلى شرعية دستورية جديدة، فكان دستور ١٩٧١ والبلاد في حالة ترقب، والعدو يتربص بنا ويحتل أراضينا.

أما الوضع الخارجي فقد كان استمرارًا للحرب الباردة بين عملاقين يتربصان ببعضها البعض بترسانات نووية، ولم يكن الوفاق والتهدئة بين المعسكرين قد تحقق (إعلان نيكسون وبرجينيف ١٩٧٢)، وكانت مصر في ذلك الوقت معتمدة تمامًا على السلاح السوفيتي مع وجود عسكري للسوفيت من مصر (قبل إخراجهم في ١٩٧٢)، وفي هذه الظروف خرج الدستور تعبيرًا عن الأوضاع القائمة، فهو ابن لحظته، فلم يكن هناك مناص والحال كذلك من أن ينص الدستور على أن النظام الاقتصادي لمصر هو النظام الاشتراكي، وأن القطاع العام هو رائد التنمية الاقتصادية. وهي نصوص ما زالت قائمة في الدستور الحالي، كذلك اضطر الدستور في ذلك الوقت إلى النص على أن الاتحاد الاشتراكي هو التنظيم القائم، وذلك قبل أن يُغيِّر الرئيس السادات من موقعه بعد ذلك بسنوات ويعدل الدستور للاعتراف بنظام الأحزاب.

وبعد ثلاثين عامًا أو أكثر قليلًا من ولادة هذا الدستور، نجد أنفسنا نعيش في عالم مختلف تمامًا في نهاية الثمانينيات؛ سقط جدار برلين، وانهارت منظومة الدول الاشتراكية واحدة بعد الأخرى، واختفى الاتحاد السوفيتي ليحل محله الاتحاد في دولة تعتمد نظام السوق، وتنبذ الاشتراكية والحزب الواحد.

وبطبيعة الأحوال، تغيرت الدساتير في كل هذه البلاد لتتفق مع الأوضاع الجديدة، فغيرت دول حلف وارسو مواقفها، وهي تقف الآن في الطابور لدخول الاتحاد الأوروبي بعد أن انضمت إلى حلف الأطلنطي، أما في منطقتنا فإن التغيرات لم تلحق التاريخ فقط، بل كانت عبر الجغرافيا أيضًا، وقعت مصر معاهدة للسلام مع إسرائيل، واستردت سيناء، وما لبثت أن لحقتها الأردن بمعاهدة مماثلة، فضلًا عن اتفاق بين منظمة التحرير وإسرائيل (اتفاق أوسلو)، الذي تمَّ إجهاضه منذ سنوات، وفي نفس الوقت قامت ثلاث حروب خليجية: قامت الأولى بين العراق وإيران بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، وفي الثانية احتلت العراقُ الكويتَ، ثم أزيحت منها بتدخل عسكري مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية ومعاونة بريطانية دون استئذان من الأمم المتحدة، ومنذ حرب الخليج الثانية عاد الوجود العسكري الأجنبي إلى معظم دول الخليج، وأدت الحرب الأخيرة إلى احتلال عسكري كامل للعراق، وفي هذه الأثناء كانت مصر قد تحولت من الصداقة مع الاتحاد السوفيتي (معاهدة الصداقة بين البلدين ١٩٧١) إلى العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الإدارة الاقتصادية للبلاد انتقلت مصر من التخطيط المركزي الشامل إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي، ومع تطبيق الإصلاح الاقتصادي بدأت عمليات خصخصة القطاع العام، وإحياء نظام السوق، وتشجيع القطاع الخاص، فهل يظل الدستور الذي وضع على عجل إثر تولي الرئيس الراحل السادات الحكم في ظروف بالغة الصعوبة؛ هل ما زال صالحًا رغم هذا التغير الكبير الذي لحق الداخل والخارج؟ هذا هو السؤال.

يقال إن فتح هذا الباب سيؤدي إلى إثارة قضايا خلافية وصراعات سياسية نحن في غير حاجة إليها، فالفتنة نائمة ولا داعي لإيقاظها، ولكن متى كان إخفاء رأس النعامة في الرمال علاجًا للمشاكل؟

نسمع من الإذاعات والمحطات الفضائية أننا إذا سكتنا فإن الآخرين لن يسكتوا، هناك حديث عن خريطة جديدة للشرق الأوسط، وأعلن الرئيس بوش عن مشروع جديد لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الشرق الأوسط خلال السنوات العشر القادمة، وتعلن الإدارة الأمريكية أن ما يتم التخطيط له في العراق سيكون نموذجًا لدول الشرق الأوسط لكي تحتذي به هذه الدول، ويعلم الله كيف سيكون الاحتذاء: هل عن طريق التقليد رضاءً، أو عن طريق الامتثال قهرًا؟ ولم يَفُت الوزير «باول» أن يُذكِّر سوريا بأن على حدودها جارًا جديدًا، وأن عليها بالتالي أن تتعلم الحكمة، والمعنى المقصود هو طبعًا أن تتذكر رأس الذئب الطائر.

العاقل يتعلم الدروس من التجارب، ويعيد النظر في أوضاعه، وإعادة النظر تبدأ بالأساسيات وليس بالتفاصيل، والدستور هو الأساس في الإصلاح، وما عدا ذلك تفاصيل؛ فلنبدأ التفكير والإعداد؛ فإن مخاطر السكوت والجمود أكبر كثيرًا من مخاطر الحركة والإقدام. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.