إذا ألِف الناس أمرًا، وظل إلفهم له متصلًا أجيالًا متعاقبة انتقل في نفوسهم من حكم العادة إلى مكان العقيدة، وارتقى عندهم إلى ما يطالبهم دينهم بالإيمان به. فإذا جاء من يقول لهم إن هذا الأمر لا صلة له بالدين، وأنه خطأ وضلال، رموه بالكفر والإلحاد، وإن لم يكن في قوله هذا كفر ولا إلحاد عند من يعرفون الدين على وجهه الصحيح.

وأنت إذا رجعت إلى التاريخ وجدت فيه الكثير مما يؤيد ما تقدم. ولا أحسبني بحاجة إلى الذهاب بعيدًا، وفي تاريخنا المصري شواهد كثيرة على أن ما كان عادة أصبح عقيدة. ومن عجائب ما وقفت عليه أن معظم طقوسنا الجنائزية لا مثيل لها عند أية دولة إسلامية، وإنما ترجع إلى ما ألفه المصريون في عهد الفراعنة من عادات وعقائد. من ذلك ما تعودناه في مصر من إقامة حفلة الأربعين، بعد أربعين يومًا من وفاة المتوفى. فهذه العادة التي اتخذت حكم العقيدة ترجع إلى تقليد فرعوني له ما يسوغه. فقد كان الدفن في عهد الفراعنة لا يتم إلا بعد أربعين يومًا من الوفاة، تجري أثناءها عمليات التحنيط، وما إليها مما لم يكن منه بد لإتمام الطقوس الضرورية لطمأنينة المتوفى في العالم الآخر. فإذا تمت هذه الطقوس بعد أن استغرق إتمامها أربعين يومًا، تم الدفن، وكانت حفلته التي أخذنا عنها حفلة الأربعين في مصر.

وسائر طقوسنا الجنائزية التي نزعم أنها إسلامية لها مثل هذا الأصل أو ما يقرب منه. فالمبالغة في الجزع والإمعان في الصياح عند الموت عادات مصرية، ترجع إلى عهود الفراعنة، إذ كانوا يصبغون أيديهم وبعض أجزاء من جسمهم بالنيلة، ثم يصيحون كما تصيح نساؤنا اليوم. وقد لفت هذا الأمر نظر المرحوم قاسم أمين، فكتب في كلماته أنه كان في الآستانة، وأن جارًا للمسكن الذي كان فيه توفي، فلم يزد أهله على دفنه، ثم أغلقوا بابهم كأن شيئًا لم يحدث.

وليس يقف الأمر عند الطقوس الجنائزية. ذكر مسيو لجران — الذي قضى بالأقصر سنين طويلة مفتشًا للآثار — في كتابه «الأقصر من غير الفراعنة» أن مولد سيدي يوسف أبو الحجاج ليس إلا صورة مما كان المصريون القدماء يقومون به في أعياد الإله آمون.

وكذلك تنتقل العادات عبر الدهور، فتصبح عقائد، وإن اختلفت الأديان، وتشبث بها الناس أشد التشبث. فإذا جاء من ينبههم أن هذه العقائد لا صلة لها بالدين ولا بالعقيدة اتُّهم بالإلحاد، وإن لم يكن ملحدًا، وإن كان أشد إيمانًا ممن يتهمونه بالإلحاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.