مرة أخرى …

وعلى سبيل المثال لا على سبيل الإحصاء …

وفي سياق الطريق لا في المقام الأخير، تعود المصادفات فتسوق إلينا الحجج التي تؤيد لنا ما نؤمن به ويؤمن به القراء من ضرورة النظر في تاريخنا الحديث كله لإعادة كتابته، أو لإعادة تذكره وفهمه قبل الشروع في كتابته على النهج السليم.

ولأسباب كثيرة ينبغي أن نعود إلى ذلك.

بل لجميع الأسباب التي تدعو إلى الشك في روايات التاريخ، وهي:

(١) فقدان المعلومات الصحيحة.

(٢) وتبديل المعلومات الموجودة.

(٣) ونقص القدرة على استخدام هذه المعلومات في كتابة التاريخ الذي يصحح المعلوم ويهتدي إلى المجهول.

(٤) وانحراف القصد — عمدًا أو على غير عمد — عند كتَّاب التاريخ العصري بين المعاصرين.

وكلما خطر على البال أن الشك في التاريخ المعاصر مقصور على المنشورات التي تتعجلها الصحف قبل اتساع الوقت للتثبت منها، يتبين لنا على الأثر أن مجال الشك أوسع وأعمق مما يخطر لنا على البال لأول وهلة. فقد تطلع علينا المطبعة بين حين وحين بكتاب — محترم — يصطبغ بصبغة الدراسة العلمية في الجامعات، فإذا به قد امتلأ بدواعي الشك التي تبسط العذر «للخبر المحلي» في اللحظة الأخيرة؛ لأنه استنفد وقته الطويل في المراجعة والمقارنة والتعقيب والسؤال والاستفسار، ولم يسلم بعد ذلك من عثرات الخبر المحلي على عجل في مطلع الطريق.

وممن تَنتظر السلامة من عثرات الخبر المحلي في اللحظة الأخيرة إن لم تنتظرها من أستاذ جامعي يؤتمن على تحقيق التاريخ عن الصحافة في معاهد العلم العليا؟!

إنه أجدر الناس أن يتجنب عثرات الزلل السريع ويتنزه عن عيوب الخبط في العشواء. ولكننا نأسف إذ نقول: إننا لم نجد في صحيفة سيارة متعجلة لا يتسع لها وقت البحث والمراجعة بعض ما نجده كلما قلَّبنا صفحة بعد صفحة من هذا الكتاب. وقد ألَّفه صاحبه عن تاريخ صحيفتين معاصرتين بعد ظهورهما بأكثر من أربعين سنة، وبعد وفاة منشئ الصحيفتين بأكثر من عشرين سنة، وبعد احتجاب آخر عدد منهما ببضع سنوات.

ويعلم القراء أننا نعني بالتاريخ المذكور ذلك الكتاب الذي ألفه «دكتور عبد اللطيف حمزة أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة»، كما جاء على صفحة الغلاف، وخصصه لتدريس تاريخ الصحيفتين — الأهالي والبلاغ — لطلابه المظلومين!

ولا نسهب في شرح وجوه النقص التي حفلت بها صفحات الكتاب، وإنما يكفي أن نقول: إنك تقرأ ما يزيد على أربعمائة صفحة من القطع الكبير، ثم لا تعرف منها شيئًا عن أهم الحقائق التي يطلبها من يطلب تاريخ صحيفة من الصحف، ولا يكون للكتابة عنها معنًى على الإطلاق إن لم نعرف عنها تلك الحقائق بعينها قبل سواها! فتاريخ صحيفة من الصحف اليومية إنما هو على الجملة:

أولًا: تاريخ مقوماتها السياسية، أو تاريخ الكتابة التي تدل على خطتها والآراء السياسية التي تدعو إليها.ثانيًا: تاريخ مقوماتها المادية التي تعتمد عليها في القيام بتكاليفها، فإن الصحيفة التي ينفق عليها حزب ذو برنامج معلوم غير الصحيفة التي تنفق عليها شركة تجارية، وغير الصحيفة التي تقوم على التوزيع أو تقوم على الإعلانات أو تقوم على الاشتراكات السنوية والدورية.ثالثًا: تاريخ عوامل الظهور والاحتجاب في حياتها، وعوامل التعطيل والاستمرار إذا كانت الصحافة عرضةً للتعطيل من جراء آرائها؛ لأن هذه العوامل هي الامتحان الصحيح لعلاقاتها بقرائها وعلاقتها بالسلطة القائمة، وعلاقتها بالقضايا التي يعالجها الرأي العام وتعالجها الهيئة الحاكمة.

وكل هذه المقومات لا أثر لها في «الدراسة التاريخية» التي استغرقت نيِّفًا وأربعمائة صفحة، فلا جرم كانت أخطاء الكتاب أضعاف ما فيه من خبر صحيح، وكانت أخباره الصحيحة «هفوات» من المؤلف على الرغم منه، وعلى الرغم من قواعد التأليف التي لا تصلح أن يقوم عليها أساس غير الغلط والزيغ والانحراف عن سبيل الصواب.

علامَ قامت صحيفة الأهالي عند نشأتها بالإسكندرية؟

إنها قامت لتأييد وزارة محمد سعيد باشا برأس مال مجموع من تبرعات أنصاره وأبناء بلده الإسكندريين. وكان اعتمادها كله في سداد نفقاتها محصول الاشتراكات السنوية التي وزعها رجال الإدارة في عهد الوزارة السعيدية، وأقبل عليها طلاب الحظوة عند المديرين والمأمورين من أعيان الأقاليم.

فلما اعتزلت الوزارة السعيدية مناصب الحكم لم يبقَ لها مورد تعيش منه غير التعاقد على نشر الإعلانات القضائية من المحكمة المختلطة، وهي كما كانت يومئذٍ حكرًا يستأثر به من يرسو عليه المزاد من أصحاب المطابع. وقد حصل على امتيازها في ذلك الحين الخواجة «بوتينه» مدير جريدة «البورص إجبسيان»، وهو من زملاء الأستاذ عبد القادر حمزة في نادي محمد علي المعروف بالإسكندرية. وأصله من جزيرة مالطة يسمى بلهجتها العربية «بوتينه» أو «أبو تينة»، وصحتها إلى اللهجة الفرنسية باسم بوتينيه.

ونشبت الحرب والأهالي على علاقتها القديمة بمحمد سعيد باشا وأصحابه المساهمين في شركتها، وقوامها من الوجهة المالية ما تحصل عليه من نشر الإعلانات القضائية باللغة العربية؛ إذ لم يكن للمسيو بوتينيه صحيفة عربية يملكها.

فلما تألَّف الوفد المصري كانت خطة «الأهالي» حِيَالَه هي خطة محمد سعيد حِيال سعد زغلول، وهي خطة الوزارة أمام معارضها الأكبر في الجمعية التشريعية. وكان من مساعيه — بموافقة الأمير عمر طوسن — أن يؤلف وفدًا آخر يشترك فيه أعضاء الحزب الوطني برئاسة الأمير، ثم حبطت هذه المساعي؛ حذرًا من ثورة الرأي العام، وإذعانًا من جانب الأمير طوسن لأوامر السلطان أحمد فؤاد الذي اتهمه بالسعي إلى وراثة العرش والمساومة عليها مع الإنجليز بهذه الوسيلة.

وتقررت خطة «الأهالي» من داخل قلم التحرير دون أن تستطيع الشركة — التي أصبح إشرافها على الصحيفة اسميًّا بعد نفض أيديها من تكاليفها — أن تتعرض لهذه الخطة في تفصيلات الأخبار أو المقالات اليومية. ولم يحاول مسيو بوتينيه أن يتدخل في سياسة الصحيفة مرضاةً للمحتلين؛ لأنه من جهة لم يكن من المالطيين أصحاب الحظوة في الوقت الذي جعلوا فيه جزيرة مالطة منفًى للمعتقلين، وأنه من جهة أخرى خشي أن تتحطم مطبعتها في المظاهرات؛ فيعجز عن الوفاء بشروط المحاكم المختلطة مراعاة لمواعيد الإعلانات.

قال مؤرخنا المحقق في كلامه عن خطة الأهالي إنها بعد الإفراج عن سعد وأصحابه: «شعرت بأنها تستطيع مكاشفة الجمهور بولائها لسعد وأصحابه وسلكت في سبيل ذلك طريقة ناجحة من طرق الصحافة؛ وهي نشر صور وصفية لسعد ولأعضاء الوفد؛ وبذلك استطاعت أن تخطب ود هذا الرجل وصحبه وأن تبدأ معهم حياة حافلة بالمحبة والإخلاص والتفاني في خدمة القضية المصرية.»

وهذا الكلام كله خطأ في خطأ، وتصوير مناقض للصورة الصحيحة التي يدركها المؤرخ بأيسر نظرة إلى «مادة الكتابة» التي سيرت الصحيفة في ذلك الاتجاه إلى حين.

فكل ما نشرته الأهالي من الصور الوصفية والتعليقات على تأليف الوفد إنما كان بقلم كاتب هذه السطور، وظلت خطة الأهالي هي الخطة التي تعبر عنها تلك المقالات والتعليقات طوال الوقت التي كنت فيه مطلق اليد في الكتابة. فلمَّا شعرت بالتضييق على ما أكتب من المطولات أو من الأخبار القصار؛ تركت «الأهالي» وانتقلت إلى تحرير «الأهرام» بالقاهرة، وقد كانت هي الصحيفة الوحيدة التي أعلنت يومئذٍ أنها مصرية للمصريين وسمحت للوفد بنشر بياناته وأخباره على صفحاتها.

فليستِ الصور الوصفية — كما قال المؤرخ المحقق — فاتحة حياة حافلة بالمحبة والإخلاص بين الأهالي وزعماء الوفد وأعضائه، ولكنها كانت خطة كاتب هذه السطور إلى يوم اعتزاله العمل فيها. ثم بدأت في الأهالي تلك السياسة التي تعبر عنها مقالات «ما هكذا يا سعد تورد الإبل» وما جرى مجراها، وكلها حملات على الوفد ومناوشات تتردد بين الصراحة والتورية على حسب الظروف، إلى أن تقاربت العلاقات بين محمد سعيد وسعد؛ لاشتداد العداء بين سعيد وجماعة رشدي وعدلي وثروت … وسائر هؤلاء الوزراء.

ولا يتسع نطاق اليوميات لبيان ظروف «المقومات» الكتابية في صحيفة البلاغ وما سبقها من التمهيدات أو أُلحق بها في أدوار تعطيل هذه الصحيفة وظهورها بأسماء أخرى …

ولكننا نكتفي بموقفين اثنين تفترق فيهما خطة البلاغ وخطة كاتب هذه السطور افتراقًا ثابتًا يسهل الرجوع إليه ويصعب الشك فيه.

كانت وزارة نسيم باشا هي التي رخصت للبلاغ بالظهور، وكان من المتفاهم عليه — طبعًا — أن تخدم البلاغ سياسة الوزارة النسيمية في أمر الدستور الذي طواه القصر في انتظار الفرصة لتعديله. وأخذت عليها السبيل في البلاغ نفسه فأعلنت الدعوة إلى تنفيذ الدستور واجتناب التعرض لأحكامه ومبادئه، وليكن تعديله بعد ذلك على أيدي النواب المنتخبين إذا وجدوا فيه موضعًا للتعديل.

أما الموقف الآخر فهو الموقف الذي توالى فيه تعطيل البلاغ بعد صدوره في عشرة أيام بنحو عشرة أسماء، ثم عاد البلاغ إلى الصدور بعد إحراجي وإخراجي منه، وبقي منتظمًا في صدوره عدة شهور … واحتجبت — بدلًا منه — صحيفة كوكب الشرق التي نشرت فيها مقالاتي ثلاثة أيام متواليات، وظلت محتجبةً طوال الوقت التي انتظم فيه صدور البلاغ.

***

فإذا كان تاريخ الصحيفة هو تاريخ خطتها السياسية وما وراء هذه الخطة من مقومات الكتابة والإدارة فليس بالعجيب أن يصدر كتاب المؤرخ المحقق وهو يغفل كل الغفلة عن حقائق هذه الخطة، وينحرف هذا الانحراف عن بيان عواملها وأسبابها.

ولولا أن هذه الغفلة قد صادفت هواه كما نرى بين السطور أو على وجه السطور، لقلنا إنه نقص في عناصر البحث وأدواته ولا زيادة. ولكن الغمزات التي يحيط بها صاحبنا كاتب هذه السطور كلما عرض لذكره تدل على «زيادة» فوق النقص تضاعفه وتنميه، وهي زيادة الرغبة في «الخطأ» مع الارتياح إليه … ولعله يستريح الآن وسعه من الراحة، إذا ضمن الراحة من القراء، ومن الطلاب المظلومين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.