في الشعر الإنجليزي الحديث ما يعجب ويروق، وإن لم يكن فيه ما يخلب ويروع.

فيه الآكام الزاهرة، والهضاب الناضرة، وليست فيه الأطواد البواذخ والقلال الشوامخ، التي ترتفع إليها الرءوس وتتطاول الأنظار.

فيه الأكواخ المبعثرة في المروج، وليست فيه القصور المشيدة التي تنطح السحاب وتجهد الرقاب.

ويخيل إلينا أن عهد المردة في هذا الشعر، وفي هذا العصر، قد انقضى بانقضاء شاعرية الفحلين العظيمين: توماس هاردي ورديارد كبلنج، فمن جاء بعدهما فهو كالجدول إلى جانب العيلم، أو كالزورق إلى جوار السفينة، أو كحديقة المنزل بالقياس إلى الغابة الخالدة.

وربما كان الفارق بين الطرازين فارقًا في الموضوع وفي «الحالة النفسية» التي تغلب على الفترة الحاضرة، وليس هو بفارق في طبيعة القرائح ومَلَكات الناظمين.

فالموضوعات التي تُخرج لنا المردة من الشعراء هي موضوعات الملاحم أو الغزوات الدينية وما شابه الغزوات الدينية من معارض الإيمان والاعتقاد على أوسع معانيهما في نفوس الناس، ومنها: الإيمان بالبطولة والإيمان بالأوطان والإيمان بالنُّظم الاجتماعية والإيمان بالأمثلة العليا، والإيمان بصدق الحياة.

ولعل أيام الملاحم في زماننا هذا قد أدبرت وزالت لسببين؛ أحدهما: المطبعة التي أغنت الناس عن الاحتيال لحفظ الوقائع وأنباء الحروب بنظمها في كلام موزون يسهل حفظه وإنشاده، فالمطبعة اليوم تغنينا عن الاستظهار وتصون لنا أنباء الأمم أجمعين، حاضرة بين أيدينا للمراجعة والاستقصاء في كل حين.

والسبب الثاني: عجلة الوقت الغالبة على كل شيء، فلا طاقة لأحد من جمهرة القراء بالاعتكاف على خمسة آلاف بيت يقرؤها ليخلص إلى لُباب حكاية، أو ليهز نفسه ببضعة مواقف معدودة من هنا وهناك تتردد في خلالها، وأقمن بوقته الطائر أن يشهد هذه المواقف حيَّة محسوسة في صورة متحركة أو مشهد تمثيل.

هذا عن الملاحم الكبيرة.

أما عن الإيمان، فأين هو الإيمان في زماننا هذا بشيء من الأشياء؟

لقد ران على أمم الغرب طائف الشك في كل عقيدة قديمة، ولاح لهم أن الدعاة إلى المذاهب والعقائد يدجلون ويستغفلون السامعين، وجاءت الحرب العظمى فطارت فيها الدعاوى والوعود من كل جانب، ثم انجلت عن خيبة شاملة أخلفت جميع الظنون. ثم رأى المتطلعون والمتشوِّفون إلى رفيع الآمال كيف تنطوي عشرات الملايين من الأرواح بين المجازر والمجاعات وبين الحروب الخارجية والثورات الداخلية في غير طائل، فخمدت نيران الحماسة واستضيع الناس حتى السخط وحتى الأسف وحتى التحدث بأحاديث الساخطين الآسفين.

وقديمًا انجابت مذابح الثورة الفرنسية وحروبها عن شكوك كثيرة وزعازع نفسية مختلفة كان لها أثرها في الشعر والفن والمذاهب الفكرية، فظهر أسلوب التمرد والتحدي على نمط شلي وبيرون، وظهر أسلوب الترقق والحنين على نمط لامرتين وموسيه، وظهر أسلوب الشغف بالحلية الفنية على نمط أوسكار وايلد وجوتييه. ولكنهم كانوا يفعلون ذلك؛ لأنهم كانوا يكفرون من ناحية ويتهيئون للإيمان من ناحية آخرى: كانوا يكفرون بأرباب الاستبداد ويتهيئون للإيمان بأرباب الحرية. فهم إذن متمردون، أو كانوا يبكون وينوحون؛ لأنهم يعتقدون أن الميت عزيز وأن العطف على الباكين النائحين باقٍ في قلوب الناس، فهم إذن من أصحاب الترمق والحنين … أو كانوا يترفعون إلى ذوق الجمال والترف فهم إذن طلاب حلية فنية.

كانوا كذلك بعد شكوك الثورة الفرنسية وحروبها وأهوالها، فكان منهم كما أسلفنا أشباه شلي وبيرون ولامرتين وموسيه وأوسكار وايلد وجوتييه.

فأما اليوم فالكفر كفر بجميع الأرباب فلماذا التحدي والمناجزة بين معسكَرَيْن؟

وأما اليوم فالميت غير عزيز والركون إلى عطف الناس مفقود، فلماذا البكاء والحنين؟

وأما اليوم فالزي الشائع أن تسخر بذوق الجمال وأن تنغمس في تهريج «الجازبند» ولغط الطريق المكشوف، فلماذا الأناقة والشغف بالحلية الفنية؟

كل أولئك لا باعث له ولا حافز إليه، ومن ثم قَلَّت معارض الشعر الضخم الذي توحيه الملاحم ودواعي الإيمان، وضاق الأفق على الرءوس الباسقة فاتَّسع المجال للأشباه والأوساط من الشعراء.

إن الشاعر الإنجليزي الحديث قلَّما ينظم قصيدة ليروعك ويستثيرك، وليس هو منك بمقام الإمام أو الرسول أو الواعظ أو الأستاذ، ولكنه بمقام الزميل الذي يدعوك إلى مصاحبته في سيارة خاطفة، فيشير لك حينًا بعد حين إلى منظر لافت بحسنه أو بتشويهه وبفكاهته أو بغرابته …

ويلقي إليك مسافة بعد مسافة بكلمة عابرة يقتضب بها السكوت ويشغل بها الطريق، وقلما ينظر بعدها إلى وجهك ليلمح وقعها في نفسك، فأنت وشأنك تسمعها أو لا تسمعها، وتباليها أو لا تباليها، وتجيب عليها أو لا تجيب عليها، فلا ضير عنده في هذا ولا ذاك.

ويبدو لي أن الشعر على نمطه هذا لم يزل له قراء بين الإنجليز لا يقلُّون عن قرائه في القرون الماضية، ففي نحو شهر واحد — هو الشهر الماضي — صدرت من المطابع ثلاث مجموعات شعرية غير الدواوين والقصائد المتفرقة في الصحف الأدبية، وهي مجموعة «أحسن الأشعار في السنة الحاضرة» ومجموعة «أشعار عشرين سنة» ومجموعة «الشعر في قرن واحد» أي من سنة ١٨٣٧ إلى سنة ١٩٣٧.

***

تتصفح هذه المجموعات — ولا سيما الأحدث فالأحدث من قصائدها — فلا تخطئ منها شعور السآمة أو شعور الحيرة أو شعور القلق والْتماس السكينة بالتجاهل والإقبال على متعة الساعة العابرة، ويشوب ذلك جميعه ما لا بد أن يشوبه من خصائص المزاج الإنجليزي الذي قلما تفارقه الصلابة والسوداء، وقلما يتحلل إلى المجانة والاسترخاء.

***

هنا قطعة للشاعر الناسك جوردن بوقلي، الذي اتخذ مسكنه في كوخ بعيد عن الأنظار وقَصر النسخ المطبوعة من قصائده على نخبة قليلة بين خاصة القراء، وعنوان القطعة: «أنا تعب من الريح»، وفيها يقول:

أنا تعب من الريح

أوه، أيتها الريح، أيتها الريح! على رسلك بالله

أنا مثقل بعبء الأيام

أيام الأسى والاقتحام

لقد هزلت الأدواح اللفاء

وضلت السحب سبيلها في الفضاء

وفي رأسي لا راحة ولا صفاء

عندما تهبط الريح ينحدر المطر

وينقطع نفس النسيم

وصه صه، تلك التي يتوالى بها وقع الغيث في غير انقطاع،

هي كل ما يُسمع من صوت الأبد

وتقترب التلال وتطول

وينمو حولها لبد من الضباب

وتثقل وطأة «اللانهاية» على كل شيء.

***

وهناك قطعة للشاعر كري عنوانها: «شجاع كقيصر»، يظهر فيها الاستهزاء بمجد الحروب — وهو روح فشا بين الغربيين بعد الحرب العظمى — فيقول فيها:

إنني لفي شجاعة قيصر المقدام بهذا الميدان

غارق إلى الأسنان في شكة سابغة من الأباريق والكئوس

وَلَهَجْمَةٌ في مجال الشراب لا تخلفها الندوب

خير من مطر الرصاص الذي يستنزف رحيق الحياة

أعطني الزُّجاج بدلًا من الزِّجاج (بكسر الزاي، جمع زج وهو النصل أو حديد في مقبض الرماح.)

دبابًا وبواطي من الخمرة الدسمة الحمراء، تلك مَدافعي التي أهجم بها على نار الظمأ المغير

غاية ما أعلم أن الإنسان مسخ جهول يؤثر

في سبيل الصيت أن يحطم رأسه على أرض الميدان ولا يحطمها على أرض الحان …

وما يجديه صيته الفارغ وأذناه لا تسمعان في التراب؟!

ولخير أن يواري المرء أنفه في قدح

طويل من أن يواريه في خوذة الجنود … نعم خير بما لا يقاس

فدع تلك الطبول والأعلام تنادي

في غير جدوى … دعها تعبر تحت بيرق الحان التي أنت مقبل فيها على حربك هذه الشعواء.

***

وربما اختلفت الروح أو اختلف الموضوع بين القصيدتين اختلاف القطبين، ولكنهما تتشابهان مع هذا في الدلالة على النظرة إلى قيمة الحياة، فالقصيدة التي مرت بنا قصيدة هازلة ينظمها شاعر معربد، ولكنها لا تقل في دلالتها على قيمة الحياة عن قصيدة الأديب اللغوي «هوسمان» في تحية الشاب المنتحر، وهي من الصرامة والجهامة بحيث توافق ما أوحاها من ريح الموت وعسف القنوط، ومنها هذه الأبيات:

الإسراع خير وأجدى من الإبطاء

والآن خير من بعد أيام طوال في الهزل والهوان

لقد أطلقت رصاصك على الواغلة المتطفلة

تلك النفس التي ما كان ينبغي لها أن تغشى هذه الدار

***

أحسنت أحسنت التخمين فيما قدرت من شمس الصباح المقبل

وأنفت أن تطأ الوحل الذي لا مناص منه

إنما التراب ملاذك يا وليد الأحزان

ولقد يصير الإنسان أحيانًا إلى أهون من التراب!

نعم، فذاك حين يحبط هو ثم يحبط الآخرين

وتلك قصة قديمة بدأت منذ دهور

أما أنت، فلم تشأ أن تحيا حتى تسيء إلى إخوتك في الحياة

فقضيت كما يجمل بإنسان.

***

إلا أننا نخطئ إذا فهمنا أن الإيمان بالعاطفة الإنسانية معدوم في صفحات هذه المجاميع، فالعاطفة الإنسانية باقية وإن ذهب الإيمان بمعناها ومغزاها، ومن ثَمَّ لا تلبث أن تبرز من خلال العصور بروزًا شبيهًا بقوة الإيمان، كما نرى في أبيات «جان ستروذر» التي تقول لنا من خلال السخط والشكوى والارتياح المكذوب أن الحب يرفع الإنسان إلى مراتب الأرباب، وهذه ترجمتها:

الآن شكرًا لله، لقد نجوت من الهوى

لقد كنت عبدًا، فأنا اليوم من الأحرار

لقد كنت معذبًا، فأنا اليوم مستريح

وكنت أعمى، فعيناي اليوم تبصران

وكنت ضالًّا، فها أنا ذا أعرف الطريق

وكنت في قفص، فاليوم أرفع بصري إلى السماء

وكنت مخبولًا، فاليوم أنا في زمرة العقلاء

وأنا أنا كاملًا، وكنت نصفي المجزوء قبل اليوم

وهكذا أعبر طريقي المسئوم إنسانًا حرًّا

أنا الذي كنت حينًا ربًّا من الأرباب

المهشمين العمي المجانين المصفدين!

***

وهناك قطعة لشاعرة معاصرة ماتت في الحادية والأربعين، وكانت من أنصار الدعوة إلى انتخاب النساء، وطافت الغرب والشرق بين أمريكا والصين، وقالت في الاغتباط بما يبقى لها من الحب الذاهب — حتى بعد اليأس منه — ما يعود بها إلى حظيرة الأنوثة، ولو كانت من دعاة «التحرر» والخروج على سيطرة الرجال! وهذه هي القطعة بعنوان: «اليوم لا شيء عندي»:

***

اليوم لا شيء عندي … لا شيء ولو كان مجرد الفرح بالخلاص

ذهبت كلها، حتى الأحلام آخذة في الذهاب

وكل ما أنا على يقين منه أنك تريد

قلبي حجرًا تعتمد عليه بقدميك في المسير

على أنني مسرورة بذاك

مسرورة بأنه الحجر الذي أنت مختاره وراضيه.

هذه الشاعرة هي «استيلا بنسون» التي تُوفيت منذ سنوات قلائل، فإذا استغرب القارئ هذه الروح في امرأة أوروبية معاصرة، فقد يمحو تلك الغرابة علمه بأنها فنانة وأنها أنثى، وأنها مريضة …

فسرور المرأة عندها بشعور الطمأنينة إلى الحب سرور مضاعف الأسباب.

تلك نماذج متفرقة من الشعر الإنجليزي الحديث، وحسبها أنها صادقة جد الصدق في دلالتها على النزعات الغالبة بين أبناء هذا الجيل من الإنجليز والأمريكيين، وسنختمها اليوم بأبيات تخصنا نحن المصريين؛ لأنها موجهة إلى معابد الكرنك في طيبة القديمة، وهي من نظم ردود أندرسون، ومن ختامها هذه الأبيات:

يا بابا لا أدري لأي محراب

ما وطئت قدماي هذه العتبة في الرمال

إلا ألفيتني كأنني نقشة يابسة

من تلك النقوش الهيروغليفية

ترتفع يداي إلى رأسي

تحية فيك للجمال والأسرار.

***

وقد تتسع الكناشة في الأسابيع القادمة لهذه النماذج التي تعد بالمئات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.