وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.

وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.

فمن ذا الذي يلقي في رُوع …

فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.

وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.

فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.

وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.

فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.