حدثني بعض الإخوان أن رجلًا نعرفه لا يزال يغضب لكرامته غضبًا شديدًا في مجالس زملائه وأنداده، فهم معه أبدًا في هم مُقِيمٍ مُقْعِدٍ، فتذكرت أني رأيت هذا الرجل الماجد الكريم في مجلس يُدعى إلى التليفون لمحادثة وزير، فينتفض قائمًا كالجندي دخل عليه قائده، ويتناول السماعة بيدٍ، ويدخل زرار السترة في عروته باليد الأخرى، وصار ابتسامنا قهقهة لما رأينا أن كل ما يجيب به هو «تمام يا أفندم! حاضر يا أفندم!» وكان يسمع ضحكنا ويهمله، لفرط التزامه ما يقتضيه خطاب وزير من الأدب وحسن الإصغاء، فلما فرغ خيل إليَّ أنه تشهد، فقد فك الزرار وانحط على الكرسي، ثم أطلقها ضحكة عالية مقرقعة وقال: «إحنا جماعة فلاحين واخدين على احترام الحكام!»

ثم دار الزمن، وقسم له أن يكون يومًا ما واحدًا من هؤلاء «الحكام» فكثر غضبه، وتلاحقت ثوراته، وشقي به زملاؤه، ولم يطُل عهده بالحكم، ولكنه بلغ مرتبة الذين يُرجَوْنَ ويُخَافُون، ويقف «المحكومون» في حضرتهم مؤدين، فخرج من طبقة «الرعية» التي ينبغي أن تلتزم حدود الطاعة، وتروض نفسها على طول الاحتمال، وتؤدي واجب الاحترام — ولو نفاقًا — لطبقة «الحكام» التي دخل فيها، وذاك حسبه! حتى وسعه بعد ذلك أن يستغني عن الحلم وحسن المواطنة.

وذكرت بصاحبنا هذا غيره، وغيره لما عملت زمنًا في جريدة «السياسة» فاحتجت يومًا إلى بيان حقيقة ففعلت، وبعد أيام دخل عليَّ في مكتبي فراش النادي — نادي الأحرار الدستوريين وكان في نفس البناء — وكان يلبس بدلة مزركشة تشبه ما كان يلبسها «قواصو» المفوضيات والقنصليات الأجنبية قبل إلغاء الامتيازات، وقال لي: «فلان بك يدعوك إليه» فتعجبت، فما كنت أعرف هذا البك، فقلت له: «خَلِّهِ يتفضل» فذهب وعاد يبلغني إني أنا المدعو إلى النادي لمقابلة هذا البك، فزاد تعجبي لهذا الرجل الذي يرى أنه يجب أن أسعى أنا إليه، وآثرت الحلم، فصرفت الفرَّاش بإشارة، وأهملت البك ودعوته، وبعد دقائق أقبل البك نفسه، بطوله وعرضه، وجبَّته وقفطانه وعمامته المكورة، وقال — على سبيل الاعتذار — إنه إنما كان يدعوني ليشكرني! لأني دافعت عنه ضمنًا حين بسطت الحقيقة التي أشرت إليها، وعلى وجهها، فكدت أخرج عن طوري من الغيظ، ولكني أفهمته برفق إن هذا حال مقلوب، وإن كونه عمدة ومن البكوات لا يمنع أن عليه هو أن يسعى إلى من استحق شكره، وقلت له إني لا أعرفه، ولم أقصد إلى الدفاع عنه، وإن أمره كله لا يعنيني، وما قصدت إليه هو تصحيح ما نشر مشوَّهًا عن عمل من الأعمال العامة. فانصرف متعجبًا، وعلمت فيما بعد أنه كان يريد أن يعطيني مما أعطاه الله مكافأة لي على حسن صنيعي معه، ودفاعي عنه!

ووقعت بيني وبين أحد رجال الدولة — في فترة من فترات العمل في الصحافة — خلافات شديدة لم يكن لها آخر، وكنا نلتقي كل يوم فنختلف، وضاق كلانا بصاحبه ذرعًا، ولم أكن أتعمد أن أخاشنه، ولكني على فرط رغبتي في محاسنته وإيثاري للمساناة لم أكن أرى أن في وسعي أن أسايره، وكان لا يرضيه إلا ذلك، ولم يكن هذا في طاقتي، فلما تفاقم الأمر بيننا واستحال الاتفاق، نفضت يدي من العمل واستقلت فما بقيت لي حيلة غير ذلك، ومضت شهور، واتفق أن عزا بعضهم إلى نفسه عملًا طيبًا لهذا الرجل الذي أتعبني، فكرهت هذا الظلم وكتبت أرد الحق إلى صاحبه، ولم أوقِّع المقال، فبكر الرجل إلى صاحب الجريدة التي نشرت مقالي ليشكره، وأدهشه أن يعلم أني الكاتب، ولم ينقضِ عجبه لذلك؛ لأنه يتوهم أن طول خلافي معه يحول بيني وبين إنصافه، وأن الحق يكون تارة حقًّا، وتارة باطلًا، على حسب العلاقة الشخصية!

وممن بلوتهم أيضًا رجل كانت صلتي به على أوثق وأطيب ما تكون، ثم افترقنا لسبب لا يرجع إليه، وبذل هو أقصى جهده لإقناعي بالبقاء معه، ووسط بعض كرام الإخوان والزملاء، ولكني أنكرت من غيره أمورًا في سلوكه معي لم أطق عليها صبرًا، فتركت العمل غير آسِفٍ إلا على فراق هذا الصديق الكريم الذي لا أزال أحمد عهده وأشكره، وأعدُّه من خير ما مَرَّ بي، وأولاه بحسن الذكر.

ودارت الأيام، وحدث ما عدَّه أحد المعارف — خطأً — تقصيرًا من صديقي في حقي، أو غمطًا له، فعاتبه في ذلك على غير علم مني أو موافقة، ثم انقلب إليَّ يروى لي الخبر قال: «قلت له: كيف تتخطى المازني وهو كيت وكيت؟!»

قال: «هل تريد أن تعرفني بالمازني؟»

قال: «إذن كيف حدث هذا؟»

قال الراوي فضحك الصديق ثم قال: «يا أخي وما العمل؟ إن المازني رجل طيب عفيف اللسان لا يشتم أحدًا ولا يخيف أحدًا.»

قال الراوي: «فاستغربت وأنكرت أن تكون العفة والخير من ذنوب الناس!»

ولكني أنا لا أستغرب، فقد وطنت نفسي من زمان طويل على أن يكون جزاء الإحسان غير الإحسان، ولم أتعقب الموضوع ولم أحاول أن أستثبت، وأغناني الواقع من سلوك الصديق في أمور أخرى عن الحاجة إلى التبيُّن، ولست أبالي هذا كله أو أعبأ به شيئًا إلا من ناحية الدلالة المستفادة منه على طبيعة النفوس، ورحم الله ابن الرومي فقد كنت أتهمه بالإسراف والشطط في قوله:

ولكني الآن لا أراه قال إلا حقًّا.

ولم يُصِبْ صديقي — عليه السلام — في قوله عني إني رجل طيب لا أشتم ولا أبسط لساني في الناس، فما أنا بخير من غيري، وإنه ليغريني ما يغري سواي بالسلاطة، ولكني رُضْتُ نفسي على غير ما كان مني في صدر حياتي، ولست أرى الآن أن أبادِرَ الناس بالعدوان، ولمن كفاني شرَّه حقيق أن أكفيه شري، ولعلي لو كان لي مأرب لا يُنال إلا بطول اللسان والتوقح لأطلته وتوقحت، فما تسهل العفة مع الشهوة، ولك أن تقول إن بي كسلًا عن التهجم الذي لا موجِبَ له أو لا خير فيه أو ترفعًا إذ شئت، أو استغناء. ورحم الله ابن الرومي مرة أخرى فقد ذمَّه بعضهم وهجاه، فقال أبياتًا في بعضهم هذا — فقد نسيت اسمه — يتمنى فيها أن يرزقه الله بمن يهجوه عنه — بدلًا منه — «فبي عن عرضه كسل».

وقد أكرمت نفسي بإقصائها عمن كرهت من سيرته شيئًا، فكيف أرجو أو أرتقب أن يذكرني ولا ينساني من لا أراه ولا يراني؟ على أني مع ذلك أحسب أن الوفاء طباع لا اكتساب، ومثلها الكرامة، وليس بكريم أو سيد من تشتمه فيقربك ولا يزال دائبًا بعد ذلك يخلق الفرص خلقًا، ليتملقك ويرضيك.

وأكبر ظني أن طول ما مُنِيَتْ به مصر من عصور الظلم والاستبداد قد أورث أبناءها هذه الأخلاق، ومن السهل أن تعلم الناس كل ما يعلم، أو أن تبعث بهم إلى أوربا ليردوا هناك شرعة العلم، ولكن ميراث القرون الطويلات المدد لا يمحوه ويعفي عليه، إلا عصور طويلات أخرى من الحرية والإيمان بالحق والثقة بالعدل واحترام الكرامة الإنسانية، ليتسنى طبع النفوس من جديد على أخلاق الأحرار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.