سألت نفسي مرة: ماذا أنا؟

وأني لأدري أني صحفي، وأني معدود من رجال هذه المهنة، ولكنني لست كذلك في الحقيقة، وأي صحفي هذا الذي لا يعرف دواوين الحكومة أين هي أو بعضها علي الأقل، ولا يطيب له أن يلقى الناس، ولا يُعنى بتقصي الأخبار، ولا يثقُل عليه أن يبيت جاهلًا بما هو حادث في الدنيا، ومبدؤه الذي لا ينزل أو يحيد عنه هو «خبر بفلوس، بكره يبقى بلاش»؟ كلا، لست صحفيًّا إلا علي التسامح، وإنما أنا رجل كاتب، أو أديب إذا شئت. فهبني أردت أن تكون لي بطاقة تذكر فيها مهنتي الحقيقية أو أن أثبتها في جواز سفري، فماذا أكتب؟ أأقول إني «كاتب»؟ هل يكفي هذا في تعريف من يطلع علي بطاقتي أو جوازي أني رجل صناعته الكتابة؟ أَوَلا يُخشى أن يتوهم أني «كاتب» في دكان أو نحوه؟ أم أقول «أديب»؟ ولكن هذه صفة لا صناعة؛ فقد يكون الرجل أديبًا ولا يكتب شيئًا، أم أقول إني «مؤلف» فإني أترجم أيضًا، وليس عملي في الترجمة بدون عملي في التأليف.

حدثت بهذا «رصيفًا» أديبًا؛ فقال إنه وقع في مثل هذه الحيرة يوم أراد السفر إلي خارج مصر بعد أن اعتزل وظيفته الحكومية، واحتاح أن يجدد جواز سفره أو يغيره، فلم يدرِ كيف يصف مهنته: «موظف سابق»؟ من «الأعيان»؟ من «أرباب المعاشات»؟ كاتب؟ أديب؟ مؤلف؟ روائي؟ وأخيرًا حل العقدة هو وموظف الجوازات بإيثار كلمة «المؤلف».

وغريب ولا شك أن يحتار كاتب أديب في وصف مهنته والتعريف بنفسه، وإنها لحيرة تريك أن «الأديب» ليست له منزلة اجتماعية مقرَّرة معترَف بها، كالتاجر، أو الميكانيكي، أو الجزار. وأكبر الظن أن كثيرين من الناس لا يزالون يعتقدون أن الأدب والتسول وحياة التطفيل مترادفات، علي نحو ما كان مألوفًا منذ بضع عشرات من السنين، أيام كان الشاعر يعيش على ما يجود به عليه أهل الخير من ممدوحيه أو الجبناء ممن يهجوهم.

وقد غبر زمان كان الناس فيه يعدون الصحفي متسوِّلًا، وبهذه العين كان الناس ينظرون إلي معظم الصحفيين، فكان إذا أقبل صحفي علي جماعة استعاذوا بالله في سرهم، وراحوا يفكرون هل ينقدونه «شلنًا» أو حسبُه «نصف فرنك»؟ أم تراه يرجي أن يكتفي بفنجان من القهوة يشربه ويتوكل علي الله ويريهم قفاه؟ وكان الخوف من طول لسان الصحفي — لا احترام عمله وتقدير مهمته — هو الباعث الأكبر للناس علي إظهار التوقير له اتقاء لشره، ثم ارتقت الصحافة ودخل فيها لفيف من أهل الفضل وذوي المقامات الملحوظة فرفعوا من شأنها وأعلوا قدرها، حتى لقد أصبحت تسمي نفسها «صاحبة الجلالة» و«السلطة الرابعة».

أما الأديب فلا يزال مركزه الاجتماعي قلقًا، وصفته يشاركه فيها كل من هَبَّ ودَبَّ، وسواد الناس يختلط عليهم الأمر حين تقول لهم إن فلانًا أديب، ولعل منهم من يتوهمه من جماعة الشعراء الذين كانوا قبل ربع قرن يقعدون علي دكة عالية في المقاهي ومعهم الربابة، ويروون للناس قصة أبي زيد، أو عنتر، أو سيف «اليزل» كما تسميه العامة. ولَعَلَّ منهم من يتذكر حين يسمع بأديب أولئك الذين كانوا يسيرون في الشوارع يَسْتَجْدُون، وقد وضعوا علي رءوسهم طرابيش واسعة طويلة الأزرار، تختفي فيها الآذان، ثم يصفع بعضهم بعضًا وهم ينشدون ما عندهم من هزل فارغ، ويرددون كلمة «كعكم» إن صح أن تسمى هذه كلمة، ويهزون رءوسهم بعنف فيدور «الزر» في الهواء. ألم يكن هؤلاء يدعون «الأدباتية»؟

ويخطر لك أن تبعث برسالة إلي تلميذ صغير فتكتب له في العنوان: «حضرة الأديب الفاضل» وإن كان ما يزال يتهجى، كأن من العيب في حقه أو الحطة له والغض من قدره أن تقول: «حضرة الطالب أو التلميذ»، وتكون أنت أديبًا له شهرة في مصر والأقطار العربية كلها شرقًا وغربًا، ويرى مركز البوليس أن يدعوك ليسألك عن شيء، فتتلقى منه دعوة هي عبارة عن قصاصة كتب عليها: «مطلوب حضور النفر فلان» فإذا بدا له أن يتأدب معك أسقط كلمة «النفر» واكتفى باسمك مجردًا.

ولا ترى أحدًا يذكر طبيبًا إلا مقرونًا بلفظ الدكتور، أو محاميًا أو مدرسًا إلا حرص علي أن يقول الميتر أو «الأستاذ» وهكذا، إلا الأديب والكاتب فإن الناس يبخلون عليه بصفته الحقيقية، أو لعلهم لا يبخلون بها وإنما يستصغرونها ويستقلونها، ويرون غيرها أدل علي التكريم.

ترى لو أراد في زماننا هذا أديب لا عمل له غير الأدب أن يتزوج، وتقدم إلي أسرة يطلب مصاهرتها وسألوه عن عمله أو صناعته، فقال لهم إنه «أديب» فماذا يكون رأيهم فيه؟ وظنهم به؟ أما أنا فأرجح أن يتوهموه عاطلًا ويحسبوه قد جاء يطلب مصاهرتهم ليسرق مالهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.