يبدو بَقُّ الحمضيات الدقيقي كقشر رأس متحرك، أو ربما كقمل خشب مغطًّى بالدقيق، كما يشبه أيضًا دُمَى التعشيش الروسية، لكن في صورة حشرة. فإذا نظرت داخل خلاياه، ستجد نوعًا من البكتيريا يُسمَّى «تريمبلايا برينسيبس»، وإذا نظرت داخل بكتيريا التريمبلايا، ستجد نوعًا آخَر من البكتيريا يُسمَّى «مورانيلا إندوبيا».

لا يتنقل هذان النوعان من البكتيريا بصورة عابرة في تطفُّل فحسب، بل إنهما متعايشان؛ بمعنى أنهما مكونان ثابتان في خلايا البَقِّ الدقيقي، وضروريان من أجل بقائه، فيتعاون الثلاثة من أجل صُنْع العناصر الغذائية الأساسية، مثل الأحماض الأمينية. ويتطلب هذا سلسلة من التفاعلات الكيميائية، فتؤخذ إنزيمات من الشركاء الثلاثة من أجل إنجاز كل خطوة. تخيَّلْ وجود خط إنتاج واحد به ماكينات من ثلاثة مصنِّعين مختلفين؛ فتدخل المكونات الخام من ناحية، وتخرج الأحماض الأمينية من ناحية أخرى.

وزيادةً في التعقيد، تُصنَع بعض هذه الماكينات بناءً على تعليمات وراثية مستعارة من ثلاث مجموعات أخرى من البكتيريا، ومن المرجَّح أن تكون هذه الميكروبات قد عاشت داخل أسلاف البَقِّ الدقيقي، ونقلت بعض الجينات إلى جينوم هذه الحشرة؛ لذا اجتمعت ستة أَفْرُع مختلفة في شجرة الحياة من أجل السماح لهذه الشراكة الثلاثية بصُنْع العناصر الغذائية التي تحتاج إليها! ويقول جون مكاتشن الباحث في جامعة مونتانا، والذي درس هذا التسلسل الهرمي: «إن الأمر رائع للغاية.»

وتقول نانسي موران الباحثة في جامعة ييل — التي درست الكائنات المتعايشة مع الحشرات: «كان سيذهل هذا النوع من الاكتشاف تشارلز داروين وعلماء الوراثة الأوائل.»

ثلاثة في واحد

شُوهِدت تلك الكائنات المتنقلة المتطفلة في البقِّ الدقيقي لأول مرة تحت المجهر في الخمسينيات من القرن الماضي، لكن المورانيلا فحسب هي التي وُصِفت بأنها تنتمي إلى البكتيريا. أما فيما يخص التريمبلايا، فقد جرى الاعتقاد بأنها حزمة خاصة تنتجها الحشرة، وكانت كارول فون دولن الباحثة في جامعة ولاية يوتا هي التي تعرَّفَتْ على هذا الشريك المتوسط، وقدَّمَتْ وصفًا لنظام «حشرة داخل حشرة داخل حشرة» هذا.

في عام ٢٠١١، حدَّد مكاتشن وفون دولن ترتيبَ تسلسُلِ جينوم التريمبلايا والمورانيلا، ووجَدَا أن حجم جينوم المورانيلا أكبر من حجم جينوم التريمبلايا بنحو أربعة أضعافٍ، رغم وجودها بداخل التريمبلايا. وفي الواقع يُعَدُّ جينوم التريمبلايا أصغر جينوم لأي بكتيريا معروفة. وتقوم كثير من الأنواع بتقليص حجم جينوماتها من خلال ترتيبها ترتيبًا مُحكَمًا للغاية، عن طريق تكديس جيناتها في مساحة أضيق، إلا أن جينوم التريمبلايا — رغم صِغَر حجمه — فإنه غير مُرتَّبٍ، حيث توجد به العديد من المساحات المهدَرة والجينات الميتة.

كذلك فإنه يفتقر إلى جينات أساسية، منها مجموعة كاملة ضرورية من أجل بناء البروتينات. ويبلغ عُمْر هذه الجينات بضعة بلايين السنين، وكانت موجودة في آخِر سلف مشترك بين كل الكائنات الحية؛ فهي لا غِنى عنها لبقاء جينوم التريمبلايا على قيد الحياة، وما من شيء يَفُوقها تأثيرًا، ويجب وجود ٢٠ جينًا في الجينوم، وقد فقدت بعض الكائنات المتعايشة بعضها، أما التريمبلايا فلا تملك أيًّا منها؛ إذن كيف تبقى على قيد الحياة؟

يرى مكاتشن أن المورانيلا هي التي تقوم على الأرجح بهذه المهمة، وقد أكَّدَ فريقه حاليًّا، بقيادة طالب الدراسات العليا التشيكي فيليب هسنيك، هذا الأمر؛ ففحَصَ الفريق بقَّ الشوفان الدقيقي، الذي تحتوي خلاياه أيضًا على التريمبلايا لكن دون وجود المورانيلا، ومع أن جينوم تريمبلايا الشوفان صغير أيضًا للغاية، فإنه أكبر وأكثر ترتيبًا بإحكام من جينوم تريمبلايا الحمضيات. كذلك فإنه يمد بق الشوفان الدقيقي بكل الإنزيمات التي يحصل عليها بقُّ الحمضيات الدقيقي من شريكَيْه الآخَرَيْن معًا.

لذا في وقت معين من التاريخ، استعمرت التريمبلايا البق الدقيقي وبدأ الاثنان في شراكة أبدية، وفقدت التريمبلايا كثيرًا من الجينات من أجل بقائها غير الطفيلي، وتقلَّصَ حجمُ جينومها إلى حدٍّ كبير. وانضمت المورانيلا في وقت لاحق إلى تحالفهما، ومن خلال الاعتماد على جينات هذا الشريك الجديد، يمكن أن تفقد التريمبلايا المزيد من جيناتها وتصبح صغيرة للغاية.

خلايا البقِّ الدقيقي: التريمبلايا (اللون الأحمر)، والمورانيلا (اللون الأخضر)، ونوى البقِّ الدقيقي (اللون الأزرق). (مصدر الصورة: رايوتشي كوجا، المعهد الوطني لعلوم الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، اليابان.)

خلايا البقِّ الدقيقي: التريمبلايا (اللون الأحمر)، والمورانيلا (اللون الأخضر)، ونوى البقِّ الدقيقي (اللون الأزرق). (مصدر الصورة: رايوتشي كوجا، المعهد الوطني لعلوم الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، اليابان.)

ليسوا ثلاثة؛ بل ستة في واحد

في بعض الحالات، تنقل الكائنات المتعايشة جيناتها إلى جينومات عوائلها؛ لذا ربما يكون قد انتهى الحال بجينات التريمبلايا المفقودة بالبقاء في الحمض النووي للبق الدقيقي. وفي الواقع، وجد الفريق أن جينوم هذا البق يحتوي على الأقل على ٢٢ جينًا من أصل بكتيري، إلا أن التغيير المفاجئ حدث عندما تبيَّن عدم انتماء أيٍّ منها إلى التريمبلايا أو المورانيلا!

بدلًا من ذلك، فإنها جاءت من ثلاث سلالات منفصلة من البكتيريا. تحتوي كلٌّ من المجموعات الثلاث على أعضاء تستعمر خلايا الحشرات بانتظام، لكن لا يوجد أيٌّ منها في البق الدقيقي حاليًّا، فربما تكون قد استعمرت أسلاف هذه الحشرة، وأعطتها جيناتها، واختفت منذ ذلك الحين. وتوضح مولي هنتر الباحثة في جامعة أريزونا هذا بقولها: «تبدو هذه الجينات وكأنها أشباح الكائنات المتعايشة السابقة.» وتضيف هنتر أنه توجد كثير من الأمثلة على منح البكتيريا جيناتها لحيوانات، لكن «هذه الدرجة من المنح مبهرة، خاصة أنها من مصادر عديدة مختلفة».

لا تقبع هذه الجينات المستعارة في سكون؛ فهي تشترك أيضًا في تصنيع الأحماض الأمينية، حيث تملأ الثقوب التي لا يستطيع أيٌّ من التريمبلايا أو المورانيلا مَلْأَها في خط الإنتاج. إن بق الحمضيات الدقيقي هو فعليًّا حاصل اندماج ستة أنواع مختلفة من البكتيريا، ثلاثة منها غير موجودة!

إذن، ماذا نُطلِق على هذه الأشياء؟

يزخر تاريخ الحياة بالبكتيريا التي أصبحت مقيمة دائمة داخل خلايانا؛ فتحتوي خلاياك وخلايا كل حيوان ونبات وفطر على تكوينات صغيرة تُسمَّى ميتوكوندريا، كانت في الماضي بكتيريا غير طفيلية، وحاليًّا هي عبارة عن عُضَيَّات؛ أيْ حجيرات داخل الخلايا الأكبر حجمًا تؤدِّي مَهَامَّ متخصِّصة، فالميتوكوندريا على سبيل المثال هي بطاريات تمدنا بالطاقة.

إذن، هل تُعَدُّ التريمبلايا كائنًا متعايشًا، أم أنها أصبحت بالفعل أقرب للعُضَيَّة؟ يقول مارتن كالتنبوث من معهد ماكس بلانك لعلم البيئة الكيميائية: «إن تمييز ذلك أمرٌ يرجع للنقاش والتعريف.» فالتريمبلايا تعيش على نحوٍ دائمٍ داخل خلايا أخرى، وتساعد عائلها على البقاء على قيد الحياة، وقد فقدت كثيرًا من الجينات. وكل هذا ينطبق على تعريف العُضَيَّة أيضًا.

مع ذلك يوجد اختلافان كبيران؛ فمع تحوُّل البكتيريا الطليقة إلى ميتوكوندريا، يتقلَّص حجمها من خلال نقل كثير من جيناتها إلى عائلها. ولم تَقُمْ التريمبلايا بهذا الأمر؛ فقد تضاءل حجمها بسبب اعتمادها على المورانيلا. كذلك تكون العُضَيَّات دائمة على الأرجح ولا يمكن استبدالها، فإذا اختفت فجأةً كل الميتوكوندريا الموجودة لديك، فإنك تموت على الفور. إلا أن التريمبلايا يمكن استبدالها؛ ففي بعض البق الدقيقي استولى عليها نوعٌ مختلفٌ من البكتيريا، فيقول مكاتشن: «لا أريد أن أُطلِق عليها عُضَيَّة؛ لا أريد ذلك حقًّا.»

وبدلًا من الجدل حول التصنيفات، يرى مكاتشن أنه من الأهم التوصُّل إلى تفاصيل هذه الشراكة، ولا تزال توجد الكثير من الألغاز التي تحتاج إلى حل. على سبيل المثال، كيف بالضَّبْط تشارِك المورانيلا إنزيماتها مع التريمبلايا؟ ففي النهاية، لا تقوم المورانيلا بتصنيع أيٍّ من البروتينات الناقلة التي عادةً ما تصدِّر الجزيئات. وفي عام ٢٠١١، اقترح الفريق أن المورانيلا ربما تنفجر وتُطلِق محتواها داخل التريمبلايا، ولكن مكاتشن يقول: «كان هذا تصوُّرًا جامحًا؛ نحن فقط لا نستطيع التفكير في أي احتمال آخَر.»

مع ذلك يحتمل أن يكونوا مُحِقِّين؛ فإن جدار خلية المورانيلا — وهو الطبقة التي تُبقِي محتواها بداخلها — مصنوع من جزيئات تُسمَّى ببتيدوجلايكان، لا تستطيع هذه البكتيريا صناعتها وحدها، بدلًا من ذلك، تعتمد على جينات من البق الدقيقي، من بينها تلك التي اقترضتها من المجموعات البكتيرية الأخرى! فإذا قامت الحشرة بتعطيل نشاط هذه الجينات، فمن المحتمل أن تعمل على إخلال توازن المورانيلا، مما يتسبَّب في انفجارها وإطلاق محتوياتها نحو التريمبلايا. فربما تتحكم الحشرة في العلاقة بين الكائنات المتعايشة حاليًّا معها باستخدام جينات مستعارة من كائنات متعايشة سابقة.

أَلَنْ يدمِّر هذا التريمبلايا أيضًا؟ كلا، لأنها فقدت كثيرًا من جيناتها الأساسية، بحيث أصبحت لا تستطيع صُنْع جدار أو غشاء خليتها. ويرى مكاتشن أنها بشكل ما تحصل على هذه الحواجز من البق الدقيقي، وإذا كان هذا صحيحًا فإنه سيصبح أمرًا مذهلًا؛ فهذا يعني أن التريمبلايا تعتمد على البق الدقيقي في تعيين حدودها، فدون عائلها ستصبح عبارةً عن مجموعة من الجزيئات الطافية في سائل!

يقول مكاتشن: «لا يزال هذا تصوُّرًا جامحًا، لكن على الأقل باستطاعتنا الآن إجراء التجارب.» فيمكنه على سبيل المثال تعطيل نشاط الجينات الصانعة لببتيدوجلايكان البق الدقيقي، ومشاهدة ما سيحدث لأعداد المورانيلا.

وكَم انبهَرَ أقران مكاتشن بذلك؛ فيقول كالتنبوث: «إن جون مشهور بإسهاماته الرائعة في فهم تطور تبادل المنافع بين الخلايا لدى الحشرات، ويمثل هذا البحث إنجازًا آخَر من فريقه.» وتضيف هنتر: «أظن أن هذا البحث بارعٌ للغاية.»

Snug as a Bug in a Bug in a Bug by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. June 20, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.