إننا على دراية بأن المائة تريليون ميكروب الموجودة في جسم الإنسان مهمة من أجل صحتنا، ولكن الأصعب في معرفته هو كيفية استخدامها لكي نتمتع بصحة جيدة.

عادة ما تؤدي الميكروبات المقيمة في أجسادنا — الميكروبيوم — عددًا من الوظائف المهمة بالنسبة لنا، بدءًا من مقاومة مسببات الأمراض حتى تكسير الطعام من أجلنا. وإذا تعرَّضتْ لما يعوقها أو يوقف عملها، نعاني من العواقب. في بعض الأحيان، تتسبَّب المضادات الحيوية في الإخلال بالتوازن البيئي الموجود داخل أجسادنا بشدة، لدرجة أنه — على سبيل المثال — تنجح بعض الأنواع النادرة الخطيرة في فرض هيمنتها على أجسامنا.

على مدار عقود، بحث الأطباء والعلماء عن ميكروبات يمكنها تعزيز صحتنا من خلال الإقامة في أجسادنا. وقد حققوا نجاحًا متواضعًا في علاج الأشخاص عن طريق إعطائهم نوعًا واحدًا في كل مرة. «لا تخدعنَّك ما يُطلَق عليها الأطعمة أو الأقراص المحتوية على بروبيوتيك — بكتيريا نافعة — التي يمكنك شراؤها دون وصفة طبية؛ فعدد قليل منها — إن وُجِد — أُثبِتت فعاليته علميًّا.» كان جزء من المشكلة يتمثَّل في أن العلماء لم يكونوا منهجيين للغاية في البحث عن الميكروبات؛ فكثيرًا ما كان معيارهم الأهم في تحديد الجرثومة المفيدة ليس قدرتها الشفائية، وإنما قدرتها على البقاء حية في الطعام أو إمكانية تعبئتها في أقراص.

كما حقق العلماء أيضًا نجاحًا محدودًا في الاتجاه المقابل، عن طريق استغلال جزء كبير من تنوع الميكروبيوم. فعلى سبيل المثال، بالنسبة لبعض الأشخاص المصابين بعدوى قاتلة في الأمعاء، العلاج الوحيد هو الخضوع لما يُطلَق عليه «زرع البراز» من متبرع يتمتع بصحة جيدة. تظهر عملية زرع البراز الكثير من النتائج الواعدة، ولكن العلماء لا يملكون فكرة واضحة عن طريقة عملها. فعيِّنة البراز تكون مشبعة بمئات الأنواع المختلفة، وأي منها قد يكون ضروريًّا للقضاء على مسببات المرض أو مجرد نوع موجود في العينة فحسب.

صرَّح فريق من العلماء في عدد اليوم في مجلة «نيتشر» عن إحرازهم خطوة مهمة في مجال الطب المعتمد على الميكروبيوم. فبحثوا عن أنواع البكتيريا بطريقة منهجية؛ بالطريقة نفسها التي يبحث من خلالها الكيميائيون الطبيون عن الأدوية الجديدة. وحددوا بدقة حفنة من الأنواع التي تعيش في أمعاء الإنسان، والتي تظهر معًا علامات على المقاومة الفعالة لبعض أمراض المناعة الذاتية.

لطالما ساورت العلماء الشكوك في أن جهاز المناعة سيستفيد من الطب المعتمد على الميكروبيوم. ويرجع هذا إلى أن أجهزة المناعة تعتمد على الميكروبيوم في نموها بصورة طبيعية في المقام الأول. فبينما تنمو خلايا الطفل المناعية وتنقسم، تلتقط إشارات من الميكروبات. وهذه الإشارات تعلم الجهاز المناعي أن يكون مسالمًا معها. لا يزال بإمكان الجهاز المناعي التعرف على مسببات المرض الخطيرة وقتلها، ولكنه يتسامح مع الجراثيم المفيدة، كما تقل احتمالية الإفراط في رد فعله حيال الجزيئات غير المؤذية أو أنسجة الجسد.

إحدى أهم مجموعات الخلايا المناعية المشاركة في عملية التسامح مع البكتيريا المفيدة هذه تُعرف باسم «الخلايا التائية المنظِّمة» — وهي اسم مختصر يشمل الخلايا التائية المساعدة CD4 + عامل النسخ FOXP3 + الخلايا التائية المنظِّمة — وهي متوفرة في الأمعاء التي تعج بالميكروبات؛ حيث تساعد على تحقيق هدنة بين المضيف والجراثيم التي تعيش في هذه المنطقة. وكذلك تعتمد الخلايا التائية المنظمة على الميكروبيوم من أجل وجودها. وعندما ربى العلماء فئرانًا دون أية جراثيم على الإطلاق، لم تطور الحيوانات سوى قدر قليل للغاية من جمهرة الخلايا التائية المنظمة؛ ونتيجة لذلك، أصبح الجهاز المناعي عرضة للخروج عن نطاق السيطرة.

أشار عدد من التجارب إلى أن المستويات غير الطبيعية من الخلايا التائية المنظمة تقف وراء الإصابة ببعض أمراض المناعة الذاتية في الأمعاء؛ مثل: التهاب القولون الذي يسبب التهابًا مزمنًا في الأمعاء الغليظة وإسهالًا. وهذا يزيد من احتمالية أن يكون علاج التهاب القولون بإعادة الخلايا التائية المنظمة إلى المستويات الطبيعية. وربما يستطيع العلماء — من بين كل أنواع البكتيريا الموجودة في الأمعاء — إيجاد البكتيريا التي ترسل الإشارات للخلايا التائية المنظمة.

على مدار السنوات القليلة الماضية كان كينيا هوندا — من جامعة طوكيو — وزملاؤه يبحثون عن هذه الأنواع. فبدءوا باختبار مجموعات فرعية من الميكروبيوم لاكتشاف مجموعات الأنواع التي يمكن أن تعزز من نمو الخلايا التائية المنظمة. وبعد تربية فئران أصحاء، جمعوا روث هذه الفئران والذي احتوى على الكثير من البكتيريا. وعالجوا الروث باستخدام الكلوروفورم والذي يقتل معظم البكتيريا. أما أنواع الميكروبات الوحيدة التي نجت فهي تلك التي تصنع أبواغًا قوية بدرجة تكفي للصمود أمام المادة الكيميائية.

عندما أعطى العلماء هذه البكتيريا التي تنتج أبواغًا لفئران خالية من الجراثيم، ارتفعت مستويات الخلايا التائية المنظمة لديها. وهذا لم يحدث عندما أعطى العلماء الفئران أنواعًا أخرى من البكتيريا بدلًا من هذا النوع.

لم يحدد هذا الاكتشاف بالضبط أي أنواع البكتيريا التي تعزز من الخلايا التائية المنظمة، ولكنه قلَّص قَطْعًا عددَ الأنواع المشتبه بها بصورة هائلة. وقد حث هذا هوندا وزملاءه على البدء في التصرف مثل شركة أدوية تختبر عددًا من المركبات الكيميائية الجديدة الواعدة. وفي الواقع، شارك هوندا في تأسيس شركة باسم «فيدانتا بايوساينسس» لهذا الغرض خصيصًا.

أصبح هدفهم الآن هو اكتشاف النوع أو مجموعة الأنواع التي تعيش داخل البشر وتحث على نمو الخلايا التائية المنظمة في الأمعاء. وبدلًا من اتباع المنهج العام المتمثل في زراعة البراز، سوف يحاولون حقن جرثومة معينة جراحيًّا.

أخذ العلماء عينات براز من متطوعين يابانيين أصحاء وأغرقوها بالكلوروفورم؛ لكي لا يتبقى لديهم إلا الأنواع التي تنتج أبواغًا. ثم لقحوا فئرانًا خالية من الجراثيم بأمزجة مختلفة من البكتيريا التي بقيت حية. وبعد السماح للبكتيريا بالنمو داخل الفئران، فحصوا الحيوانات ليروا ما إذا كان أي منها تكونت لديه مستويات عالية من الخلايا التائية المنظمة كنتيجة للقاح. وبالفعل، اكتشفوا بعضًا من هذه الأمزجة، وواصلوا تقليص العدد حتى لم يتبقَّ لديهم سوى سبعة عشر نوعًا، تنتمي — مع أنواع أخرى — إلى نوع من البكتيريا يُطلَق عليه «المطثيات».

إحدى النتائج المثيرة للاهتمام من التجربة كانت أنهم لم يستطيعوا الحصول على هذه النتائج الجيدة من أي عدد أقل من هذه الأنواع السبعة عشر. فلم يكن أي نوع بمفرده قادرًا على تعزيز الخلايا المناعية؛ فربما يكون مزيجًا من إشارات الأنواع السبعة عشر جميعها هو الذي يعزز الخلايا التائية المنظمة.

تساءل الباحثون عما إذا كانت هذه الأنواع السبعة عشر لعبت دورًا خاصًّا في أمراض المناعة الذاتية لدى البشر. ولاكتشاف ذلك؛ درسوا الميكروبيوم لدى أشخاص أصحاء وأشخاص مصابين بالتهاب القولون، فوجدوا أن تلك الأنواع السبعة عشر كانت أكثر ندرة لدى المرضى. اعتقد العلماء أنه ربما أدى فقدان هذه الشبكة من الميكروبات إلى ضعف الإشارات التي تحافظ على المستويات الطبيعية للخلايا التائية المنظمة؛ فيخرج الجهاز المناعي عن السيطرة؛ مما يؤدي إلى الإصابة بالتهاب القولون.

إذا كان ذلك حقيقيًّا، فإن إعطاء المريض قرصًا به السبعة عشر نوعًا كلها ربما يكون طريقة فعالة لمقاومة التهاب القولون. ولكن هوندا وزملاءه لم يكونوا مستعدين بعد للبدء في تلقيح الناس بالمطثيات؛ فالمطثيات مجموعة ضخمة من البكتيريا تضم بعض الأنواع القميئة التي تسبب أمراضًا؛ مثل: التيتانوس، والتسمم الغذائي. سيكون عليهم القيام ببعض الأعمال التمهيدية أولًا.

فالسبعة عشر نوعًا جميعها جديدة بالنسبة للعلم — وهو أمر نموذجي للغاية في أبحاث الميكروبيوم — لذا حدد العلماء تسلسل الجينوم الخاص بها. وتوصَّلوا إلى أنه لا يحمل أي نوع من السبعة عشر نوعًا جيناتٍ لسموم أو أي بروتينات أخرى مسببة للأمراض. ومن ثم، بدت الميكروبات آمنة، على الأقل كما تبيَّن من فحص الحمض النووي الخاص بها.

اختبر العلماء بعد ذلك البكتيريا على الفئران، فأعطوا الميكروبات للحيوانات المصابة بالتهاب القولون أو الإسهال الناتج عن حساسية. وفي كلتا الحالتين رفعت البكتيريا من مستويات الخلايا التائية المنظمة على نحو كبير في أمعاء الفئران. وتعافت الفئران أيضًا من أمراضها جزئيًّا؛ إذ قل الالتهاب لدى الفئران المصابة بالتهاب القولون، وأصبح براز الفئران المصابة بالإسهال صحيًّا أكثر.

ومن هنا، يأمل باحثو فيدانتا الوصول إلى مرحلة التجارب السريرية على البشر في النهاية. وكما كتبتُ في أبريل، فإن تحويل الجراثيم إلى عقارات لهو تحدٍّ كبير على مستويات كثيرة. فمن ناحية، ليس لدى إدارة الأغذية والعقاقير تاريخ طويل في الموافقة على مثل هذا النوع من الأبحاث. وبينما قطع هوندا وزملاؤه شوطًا طويلًا في تحديد كيفية تعزيز الميكروبات للخلايا التائية المنظمة، فلا يزال عليهم اكتشاف التوازن الدقيق للإشارات التي تهم الجهاز المناعي حقًّا.

مع ذلك، سيكون الكوكتيل من سبع عشرة بكتيريا جذابًا بطرق عديدة. فمن ناحية، هذه الميكروبات تعيش في أمعاء الإنسان على الدوام، وتسكن هناك طوال حياته، ومن ناحية أخرى فإنها تعيش في الأمعاء فحسب، وليس في القلب أو في الكبد أو في أي عضو آخر. وهاتان الحقيقتان تشيران إلى أنه على الأرجح لن يسبب هذا الكوكتيل آثارًا جانبية ضارة. والأكثر من ذلك أن هذه الميكروبات ستكون قادرة على تقديم جرعة ثابتة طويلة المدى من المركبات الكيميائية اللازمة لإبقاء الخلايا التائية المنظمة عند المستوى الصحي.

وتشير الدراسة الجديدة كذلك إلى طريقة للبحث المنهجي في الميكروبيوم عن علاجات لأمراض أخرى. فمن المحتمل أن تكون هناك فِرَق صغيرة من أنواع أخرى من البكتيريا تؤدي وظائف أخرى في الجسم؛ فربما يمكنها — على سبيل المثال — تنشئة أنواع أخرى من الخلايا المناعية، أو إرسال إشارات إلى الجسم تنظم بها وزنه. ومن خلال الفحص الدقيق والمتمعِّن للميكروبيوم، ربما يستطيع العلماء نشر هذه الوحدات الخاصة المدربة لمحاربة أمراض أخرى.

A Living Drug Cocktail by Carl Zimmer. The Loom. July 10, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.